الجمعة 12 ديسمبر 2025
بعد إغلاقٍ دام خمس سنوات، أعاد ناشطون محليون وقادة مجتمع فتحَ معبرٍ حدوديٍّ مع إريتريا في بلدة زالامبسا. قد يبدو هذا التطوّر القادم من إقليم تيغراي في إثيوبيا مبشّرًا للوهلة الأولى، لكنه لا يروي سوى جزءا من الحكاية. فقد حسّنت «جبهة تحرير شعب تيغراي»(TPLF) والنظام الإريتري علاقاتهما عبر تحالفٍ ظرفيّ هدفُه الاستعدادُ لمواجهةِ إثيوبيا، إذا ما تصاعدت التوتّرات عسكريًّا. وكانت حربُ تيغراي (2020–2022) قد جمعت الحكومةَ الفيدراليةَ في أديس أبابا والنظامَ الإريتري في خندقٍ واحد ضدّ الجبهة. لذلك فإن هذا التقارب -غير المتخيَّل حتى وقتٍ قريب- بين إريتريا و«جبهة تحرير شعب تيغراي» يثير قلقًا مشروعًا حيال ما قد يأتي.
عرفت علاقةُ الجبهة بقيادة إريتريا تقلّباتٍ متعدّدة، تعود جذورها إلى نشأة الحركتين التحريريتين في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. فقد ساندت «جبهةُ تحرير شعب تيغراي» و«الجبهةُ الشعبية لتحرير إريتريا» (EPLF) بعضَهما في إسقاط نظام منغستو في إثيوبيا وتحقيق استقلال إريتريا. بعد انتصار 1991، تولّى قادةُ الحركتين الحكم، وحافظوا بدايةً على علاقةٍ ودّية. غير أن الرياح تبدّلت عام 1998 حين اندلعت حربُ حدودٍ استمرّت عامين، فتحوّلت العلاقةُ بين الجانبين إلى عداوةٍ سافرة.
بعد خمسةٍ وعشرين عامًا من الخصومة المستمرّة والاقتتال، وقعَ في الأشهر الأخيرة ما كان يُعدّ مستحيلًا؛ فإثر صراعاتٍ على السلطة داخل تيغراي، قدّم النظامُ الإريتري نفسه حليفًا لفصيلٍ داخل «جبهة تحرير شعب تيغراي» يقوده رئيسُها دبريتسيون قبرميكائيل. وانقسمت القيادةُ التي كانت موحَّدةً يومًا ما بين دبريتسيون وغيتاتشو رضا، الذي ترأّس حتى مارس/آذار 2025 «الإدارةَ المؤقّتةَ لتيغراي» المدعومةَ فيدراليًّا في مرحلة ما بعد الحرب، قبل أن يُعيَّن لاحقًا مستشارًا في الحكومة الفيدرالية، ويسجّل حزبًا سياسيًّا جديدًا أقرّتْه «الهيئةُ الوطنية للانتخابات». في المقابل، تُحرَم «جبهةُ تحرير شعب تيغراي» من الاعترافَ بها حزبا سياسيا من جانب السلطات الإثيوبية.
حذّر مراقبون من أن حربًا بين إثيوبيا من جهة، وإريتريا المتحالفةِ مع «جبهة تحرير شعب تيغراي» من جهةٍ أخرى قد تكون وشيكة
وسط هذه التطوّرات، نجحت إريتريا في فرض نفسها لاعبًا غير متوقَّع إلى جانب الجبهة، مستندةً إلى منطق «عدوُّ عدوّي صديقي». وليست هذه الاستراتيجية جديدةً على قيادتها؛ فقد حكمتْ أيضًا «اتفاقَ السلام» الموقَّع عام 2018 مع رئيس الوزراء الإثيوبي حينها، المعين حديثًا آنذاك، آبي أحمد علي - الاتفاق الذي أنهى القطيعةَ السياسيةَ العدائية بين البلدين بعد أن كان أيُّ تقاربٍ بينهما مستبعدًا تمامًا.
لكن ذلك السلام انقلب سريعًا إلى وجهٍ معتم، إذ تبيّن أن «ميثاق الصداقة» الإثيوبي-الإريتري تحوّل عمليًّا إلى تحالفِ حربٍ ضارٍ في نزاع تيغراي. فقد اندلع الخلاف بين إدارةِ تيغراي الإقليمية، بقيادة الجبهة، والحكومة الفيدرالية، التي اعتبرت انتخاباتِ تيغراي الإقليمية عام 2020 غيرَ قانونية. وتصاعدَ الاشتباك السياسي إلى مواجهةٍ عسكريةٍ شاملة استمرّت عامين، شاركت خلالها القواتُ الإريترية إلى جانب الجيش الإثيوبي في عملياتٍ منسَّقة ضدّ الجبهة وسكّانِ تيغراي. وقد وثّق تحقيقٌ لـ«ذا سنتري» في يونيو/حزيران 2025 أعمالَ نهبٍ منظّم ارتكبتْها القواتُ الإريترية، فضلًا عن فظائعَ واسعةِ النطاق وانتهاكاتٍ جسيمةٍ لحقوق الإنسان بحقّ المدنيين في تيغراي.
أنتجتْ ترتيباتُ ما بعد الحرب سلسلةً من التداعيات غير المقصودة في الإقليم. فـ«اتفاق بريتوريا» عام 2022 أنهى الحرب بين الحكومة الفيدرالية والجبهة، لكنه ظلّ محدودًا؛ إذ استبعدَ النظامَ الإريتري -الذي قاتل إلى جانب إثيوبيا- بوصفه طرفًا في النزاع، مع أن جنودَه ظلّوا في مناطق متنازعٍ عليها داخل تيغراي طويلًا بعد وقف القتال. وقد شجّع الاتفاقُ الحكومةَ الفيدراليةَ الإثيوبيةَ وأسرع بسقوط نفوذ الجبهة، التي ظلّت فاعلًا مؤثّرًا طويلًا على المستوى الاتحادي. ونتيجةً لذلك، عادت الطموحاتُ التوسعيةُ الإثيوبية إلى الواجهة، إذ تُصرّ أديس أبابا على أن الحصولَ على منفذٍ إلى البحر «حقٌّ طبيعي» لها، وهو ما أجّج التوتّراتِ الإقليميةَ مع الصومال وإريتريا. ورغم تفادي التصعيد مع الصومال أواخرَ 2024 بوساطةٍ تركية، حذّر مراقبون من أن حربًا بين إثيوبيا من جهة، وإريتريا المتحالفةِ مع «جبهة تحرير شعب تيغراي» من جهةٍ أخرى قد تكون وشيكة.
تتشابه لوحةُ 2025 إلى حدٍّ لافت مع بدايات 2020، وإن بعلاقاتٍ متبدّلةٍ وإمكانٍ قائمٍ لتجنّب الانزلاق إلى العنف. فلا قادةُ أسمرا ولا أديس أبابا ولا ميكيلي متحمّسون لإشعال حربٍ جديدة؛ فمواردُ الجميع منهكة، وتكابدُ إثيوبيا بؤرَ عنفٍ عدّة -منها في إقليمي أمهرة وأوروميا- ممّا يُضعف وقعَ خطابها المتشدّد بشأن المنفذ البحري. وفي فبراير/شباط 2025 أمرتْ إريتريا بتعبئةٍ عامة، لكنّ المعلومات المتاحة عن أوضاع جيشها -الذي يتكوّن في معظمه من مجنّدين إلزاميين- شحيحة. وفي المقابل، يتعرّضُ نفوذُ الجبهة في تيغراي لضغوطٍ داخليةٍ وخارجية، ولا تمتلك اليومَ القدرَ من الوحدة والقوّة اللتين أظهرتْهما إبّانَ الحرب.
الصراعُ على السلطة داخل تيغراي، وتقاربُ إريتريا مع عدوّها السابق، إنما يُشكّلان مؤشّراتِ إنذارٍ مبكّرة تستوجب تدابيرَ دبلوماسيةً وقائيّةً لخفض التصعيد وتجنّب مواجهةٍ عسكرية مع إثيوبيا
غير أنّ سلسلةً من التصريحات التصعيدية أو التطوّراتِ غيرِ المتوقَّعة قد تقدف سريعًا بهذا التوازنَ الهشّ نحو مواجهةٍ عسكرية، خصوصًا مع اقتراب الانتخاباتِ الفيدراليةِ المقرّرة في 2026. وسيكون حاسمًا مواصلةُ مراقبةِ خطاباتِ وسلوكيّاتِ كبار المسؤولين من جميع الأطراف. فالصراعُ على السلطة داخل تيغراي، وتقاربُ إريتريا مع عدوّها السابق، إنما يُشكّلان مؤشّراتِ إنذارٍ مبكّرة تستوجب تدابيرَ دبلوماسيةً وقائيّةً لخفض التصعيد وتجنّب مواجهةٍ عسكرية مع إثيوبيا.
تستلزمُ هذه الظروفُ انخراطًا دبلوماسيًّا فاعلًا مع أديس أبابا وأسمرا، عبر وسطاءَ ذوي مصلحةٍ في استقرار المنطقة -مثل تركيا أو السعودية- لإطفاءِ التوتّرات. وقد أدّت الدولتان أدوارَ وساطةٍ من قبل: تركيا في توتّرات 2024 بين الصومال وإثيوبيا، والسعودية في اتفاق السلام الإريتري–الإثيوبي عام 2018. وقد يوفّر «التركيزُ الأميركيُّ الجديد على عقد الصفقات» نموذجًا يُحفّز هؤلاء الوسطاء المحتملين على صون مصالحهم الاقتصادية من خلال الدفع نحو التسوية.
أمّا إذا تعثّر المسارُ الدبلوماسيّ واندفعتِ الأمورُ إلى مواجهةٍ ميدانية، فينبغي النظرُ في إجراءاتٍ قسرية؛ مثل فرضِ عقوباتٍ أميركيةٍ وأوروبيةٍ جديدة تستهدفُ القياداتِ العليا في إثيوبيا وإريتريا، إلى جانب تعزيز الجهود الرامية إلى كبح الشبكاتِ الماليةِ غيرِ الرسمية لإريتريا عبر تتبّع تدفّقات الأموال في مجتمعاتِ الشتات وملاحقةِ المخالفات قانونيًّا. ومن المرجّح أن تسعى إريتريا لاستغلال انصرافِ الاهتمامِ والمواردِ الدولية تدريجيًّا بعيدًا عن القرن الأفريقي لدى أوروبا والولايات المتحدة؛ وقد سبق لقيادتها أن استفادت من مثل هذه الفراغاتِ في الانتباه -لا سيما عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول- حين اعتقلتْ معارضين بارزين، ورسّخت قبضتَها التوتاليتارية.
قد تُوصَف إثيوبيا اليوم بأنها في «مرحلة ما بعد النزاع»، غير أن تاريخَها القريب يقدّم درسًا تحذيريًّا عن سرعةِ تهافت «السلام» المزعوم. وفي المقابل، تظلّ إريتريا -بوصفها دولةً منبوذةً وتحدّيًا دبلوماسيًّا عاتٍ- مُعطِّلًا خطِرًا في الإقليم. إنّ القرنَ الإفريقي يقف على حافّة التصدّع؛ لذا فإن خفضَ التصعيد دبلوماسيًّا، وإعمالَ أدوات الضغط والعقوبات لكبح الطموحات التوسّعية والمُعطِّلين، أمران حاسمان.