تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

تقارب سعودي–تركي–مصري يعيد ترتيب البحر الأحمر: أمن الممرات في مواجهة نفوذ إقليمي متصاعد

13 يناير, 2026
الصورة
تقارب سعودي–تركي–مصري يعيد ترتيب البحر الأحمر: أمن الممرات في مواجهة نفوذ إقليمي متصاعد
Share

تتسارع مؤشرات التقارب السياسي والأمني بين السعودية وتركيا ومصر في محيط البحر الأحمر وخليج عدن، في ظل اشتداد المنافسة على الموانئ والممرات البحرية، وتداخل ملفات السيادة والنفوذ في القرن الأفريقي واليمن. وتقدّم هذه التحركات، وفق قراءات متداولة في الأوساط الدبلوماسية والإقليمية، بوصفها محاولة لتشكيل مظلة تنسيق أوسع تشمل دولاً مطلة على الضفتين الآسيوية والأفريقية، هدفها حماية خطوط التجارة الدولية، وكبح تمدد خصوم إقليميين، واحتواء تداعيات قرارات سياسية فجّرت حساسيات قديمة حول الحدود والاعترافات.

ويأتي هذا الحراك في لحظة تتصاعد فيها أهمية البحر الأحمر كبوابة للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد. فوفق تقديرات أممية، تمر نسبة معتبرة من تجارة العالم عبر قناة السويس، ما يجعل أي اضطراب سياسي أو أمني في الممرات المرتبطة بها – من باب المندب حتى شمال البحر الأحمر – ذا أثر مباشر على الاقتصادات الإقليمية وأسواق الطاقة والشحن العالمية. وفي المقابل، تُحوّل هذه الأهمية الجغرافية المنطقة إلى ساحة تنافس دائمة بين القوى الإقليمية الباحثة عن نفوذ بحري وموطئ قدم لوجستي طويل الأمد.

تَصدَّر المشهد خلال الأسابيع الماضية إعلان إسرائيلي بالاعتراف بصوماليلاند، أعقبه انتقال الأزمة من مستوى البيانات إلى مستوى الزيارات السياسية؛ إذ زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر مدينة هرجيسا في 6 يناير/كانون الثاني 2026، في خطوة قوبلت برفض رسمي في مقديشو، التي اعتبرت الزيارة انتهاكاً للسيادة وتجاوزاً للحكومة الاتحادية ووحدة الأراضي الصومالية.

وعلى خط موازٍ، صدرت مواقف رافضة من عواصم إقليمية وازنة. فقد اعتبرت تركيا الاعتراف “غير قانوني وغير مقبول”، ودفعت باتجاه موقف سياسي يطالب بالتراجع عنه، ضمن خطاب يربط بين وحدة الصومال واستقرار القرن الأفريقي. كما جدّدت السعودية، عبر مواقف رسمية، دعمها لسيادة الصومال ووحدة أراضيه ورفضها للاعتراف، بالتزامن مع صدور بيان جماعي باسم مجموعة واسعة من الدول العربية والإسلامية والأفريقية حذّر من تداعيات الخطوة على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

تلك الردود لم تُقرأ باعتبارها اصطفافاً لفظياً فقط، بل كإشارة إلى أن ملف صوماليلاند بات محرّكاً عملياً لإعادة ترتيب العلاقات في المنطقة، وأنه يفتح الباب لتنسيقات بحرية وأمنية أوسع، خصوصاً مع تزايد القناعة بأن النزاعات على الشرعية والاعتراف قد تتحول سريعاً إلى صراع على الموانئ، ثم إلى توترات على خطوط الملاحة.

ضمن هذا السياق، برزت خطوة لافتة تمثلت في موافقة مجلس الوزراء الصومالي على مذكرة تعاون في مجال النقل/التعاون البحري مع السعودية. ويُنظر إلى هذه المذكرة باعتبارها محاولة لتعزيز قدرة الدولة الصومالية على إدارة واجهتها البحرية وحماية ممراتها، في لحظة تتزايد فيها الضغوط المرتبطة بالموانئ وتقاطعات النفوذ الخارجي.

غير أن الإشكال الأساسي – وفق متابعين – لا يتعلق بعنوان التعاون بحد ذاته، بل بما يظل غائباً عنه: طبيعة الالتزامات، نطاقها الجغرافي، آليات التنفيذ، وتمويل المشاريع المرتبطة بها. فالتفاصيل التشغيلية لا تُطرح عادةً في المجال العام، ما يترك مساحة واسعة للتأويل والجدل، ويُضعف قدرة الرأي العام والمؤسسات الرقابية على تقييم ما إذا كانت الاتفاقات تخدم بناء قدرات وطنية مستدامة أم تُضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد شديد التشابك أصلاً.

عاملٌ آخر يُغذي فرضية التقارب الثلاثي يتمثل في سعي إثيوبيا – الدولة الحبيسة – للحصول على منفذ بحري. ففي مطلع 2024، وقّعت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع “صوماليلاند” تتضمن استئجار شريط ساحلي قرب ميناء بربرة لأغراض بحرية وتجارية، وسط حديث إثيوبي عن ترتيبات أوسع قد تشمل وجوداً بحرياً مستقبلياً. وقد قوبلت المذكرة برفض حاد من الحكومة الصومالية التي اعتبرتها مساساً بالسيادة، ما وضع الملف البحري في قلب التوترات الإقليمية.

بالنسبة للقاهرة، يُضاف هذا المسار إلى سجل خلافات مع أديس أبابا على خلفية سد النهضة، ما يجعل أي تمدد إثيوبي نحو البحر – من وجهة نظر مصرية – تطوراً ذا أبعاد تتجاوز الاقتصاد إلى حسابات الأمن القومي. أما بالنسبة لمقديشو، فيمثل المسار ذاته تحدياً مباشراً لوحدة الأراضي، ويُعطي مبرراً لتعزيز الشراكات مع قوى إقليمية داعمة لمبدأ السيادة.

في المقابل، لا يمكن فصل الحديث عن “محور” أو “تقارب” من دون الإشارة إلى اتساع النفوذ الإماراتي على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن عبر استثمارات ومشاريع موانئ وشبكات لوجستية، من بينها دور مؤثر في ميناء بربرة. ويُنظر إلى هذا التمدد بوصفه أحد أسباب “حساسية التوازن” لدى أطراف إقليمية ترى أن خرائط الموانئ قد تتحول إلى خرائط نفوذ سياسي.

وتزداد هذه الحساسية مع بروز تباينات سعودية–إماراتية في اليمن، حيث ظهرت للعلن خلال الأشهر الأخيرة وقائع تعكس احتكاك المصالح بين الحليفين السابقين في بعض الملفات الميدانية والسياسية. مثل هذه التوترات تمنح سردية “المحور” زخماً إضافياً، لأنها تُظهر أن التنافس على خطوط النفوذ لم يعد محصوراً في التصريحات، بل بات يمس ترتيبات على الأرض ومسارات حركة الشخصيات والقوى المحلية.

حتى الآن، يمكن القول إن المنطقة تشهد “تقارب مواقف” و”تقاطع مصالح” أكثر مما تشهد تحالفاً مؤسسياً مُعلناً. فالعناوين الكبرى – وحدة الصومال، رفض الاعترافات الأحادية، ضبط الممرات البحرية، واحتواء تمدد منافسين – حاضرة بقوة، لكن تفاصيل البناء المؤسسي لأي محور محتمل لا تزال غير واضحة في المجال العام.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تتطور هذه المؤشرات إلى ترتيبات طويلة الأمد تعيد رسم أمن البحر الأحمر وتوازناته، أم أنها ستظل اصطفافاً ظرفياً تفرضه لحظة سياسية محددة، سرعان ما تتبدد عندما تتغير الأولويات أو تتسع دائرة التسويات؟ في الحالتين، يبدو أن البحر الأحمر – بما يمثله من اقتصاد وموقع – سيبقى ساحة اختبار دائمة لقدرة دول الإقليم على إدارة التنافس من دون الانزلاق إلى صدامات تُهدد التجارة والاستقرار معاً.