تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 14 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

تميمة الذاكرة... دفاعاً عن روابط الحيّ

22 نوفمبر, 2025
الصورة
تميمة الذاكرة... دفاعاً عن روابط الحيّ
Share

هنا… من أعلى الشرفات، وعلى سطح مبنى يُطِلّ على ما ظلّ لأكثر من عقدٍ وطناً مسترجعاً في الذكريات وفي أرشيف ذاكرة الجوّال خلال زياراتٍ مقتضبة.

هذه المرة أجلس فعلاً هنا… لا كما كنت أفعل دائماً، حين تُحاصرني البلاد البعيدة بنصف نهار، لأغلبها أنا بخلق نهارٍ ممتدّ بامتداد الذاكرة، يبدأ برائحة الشاي الصومالي، وإذاعة الراديو التي لم تغيّر صوت مذيعها يوماً! وصبيةٌ ينتعلون الغمام إن شاؤوا، ولكن لم يصدقوا يوماً أن الطريق إلى المدرسة يمكن أن يمنحهم ولو قدر شبرٍ من الخريطة في حصة الجغرافيا، شرطيٌّ وديعُ السحنة يتخذ وضع القرفصاء قرب دكّة الشاي، يعدّ سنين عمره العشرين ليخصمها من راتبه. سائقون متهوّرون وباعة متجوّلون، والمئاتُ الآخرون ممن اختارهم المخرج خصيصاً ليكون النهار سيّد المشهد.

وقت الضحى يختفي الجميع من المشهد، فقط، وعلى امتداد الرصيف، تلمح أمهاتٍ منكَبّاتٍ على آلات الخياطة. لا تدري ما الذي ينسجنه بالضبط: قميصاً هذه المرة أم تاريخاً مرقّعاً يزدهي بالضحايا والحكايا، يختار أبطاله على حسب لون أحذيتهم. ولأنه من الصعب أن يتفق الذوق العام على لون حذاءٍ معيّن، فلم يتفق للشعب يوماً أن يتفق على بطلٍ معيّن. لذلك نحتفي بالتواريخ والمناسبات الوطنية، ولكن دون أسماء. وينتهي النهار، ويُسدل الستار على مشهدٍ آخر.

في كلّ حيّ ثمّة فناءٌ كبير يفصل أهل الحي عن بعضهم؛ شكلٌ آخر من أنواع الحدود، ولكن هذه المرة حدودٌ ضد كل ما يمكن بدوره أن ينسج ذاكرةً جماعيةً لأهل الحي

إنها الظهيرة، ويعلو صوت المذياع ثانيةً، هذه المرة تصدح الشبابيك بما لا تفصحه الشفاه: رسائل مبطّنة بالأغاني لا يفهمها إلا الجيران. سُعاد تُجدّل ضفيرتيها على عتبة الدار كل يوم في الوقت نفسه، ويعلو صوت الراديو بالأغنية نفسها على الشباك المقابل، وتطلّ الوجوه من كل البيوت بابتسامات وغمزات. طقسٌ بسيطٌ في ظاهره، ولكنه في جوهره ملحمةٌ حقيقية؛ إذ من دون هذه التفاصيل سيسقط كل من في الحيّ في براثن الجمود والرتابة، وربما، لا سمح الله، في فوضى عارمة من الصراعات. لذا يبتدعـون الفرح بشتى السبل لينجوا من الرتابة. كما يقول سعد ناشيد في كتابه «التداوي بالفلسفة»: "الفرح فجوة في رتابة الزمن، سيولة جزئية، وخلاص مصغّر". وهكذا لم تؤثر القرارات الحكومية على أهل الحي أبداً، ولا رفع الضرائب، ولا حتى ترشّح صهرِ ابنِ عمِّ زوجةِ بائعِ البقالة لمجلس النواب. كلّها كانت أحداثاً هامشية لا ترقى إلى مدى أهمية وجديّة موضوع سُعاد.

أعود الآن، ولم تعد تلك التفاصيل موجودة. في كلّ حيّ ثمّة فناءٌ كبير يفصل أهل الحي عن بعضهم؛ شكلٌ آخر من أنواع الحدود، ولكن هذه المرة حدودٌ ضد كل ما يمكن بدوره أن ينسج ذاكرةً جماعيةً لأهل الحي. بشكلٍ ما اختفت تلك المظاهر التي كانت تُسهم في بناء مجتمع مترابط. لا تجلس الجدّات أمام البيوت عصراً وسط دائرةٍ من نساء الحي، ولا سعاد وصويحباتها ينصبن الشِّراك ويرخين الجدائل، ولا الكبارُ ولا الرجال يعقدون المجالس في دكّة الشاي لحلّ المسائل، ولا يعرف الأطفال بعضهم بعضاً. اسأل إخوتك الصغار عن عدد أبناء البيت الملاصق فلن يجيبوك! وبالتالي فلا عجب أن تسللت السياسة إلى كل بيت، وسبّبت شرخاً كبيراً فيما بينهم.

تحتل الذاكرة الجزء الأكبر من هويّتنا المجتمعية بل وحتى الفردية. وفي أحيان كثيرة تلتحم هذه الذاكرة الفردية بالذاكرة المجتمعية، أي بما نتشاركه من ذكريات مع الآخرين. كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس، مطوّر مفهوم «الذاكرة الجماعية» في القرن التاسع عشر: "لا ذاكرة ولا تذكّر بدون جماعة أو بمعزل عنها". ومن خلال هذه الذاكرة المشتركة تنشأ الهوية المجتمعية. الأهازيج الشعبية، مثلاً، والرقصات الشعبية، وحتى القصائد والأشعار والأدب، انتهاءً بالتاريخ المُدرَّس في المدارس؛ كل هذه العناصر التي تشكّل هويات المجتمعات ما هي في النهاية إلا نتاج تفاعلٍ بين أفرادٍ تحوّل إلى ذاكرة جماعية ثم غدا رسماً لهوية الشعب.

إذا أردنا مجتمعاً أكثر انفتاحاً على نفسه وعلى الآخرين، ووطناً ممتداً بامتداد حقول الذرة وأشجار السدر، فلا بد أولاً من خلق روابط بين أهل الحي تمتدّ إلى كل الأزقة وتعبر الشوارع نحو كل بيت، ثم بناء مدينة واحدة متماسكة، تتشارك مراسم وطقوساً تُسهم في بناء ذاكرةٍ وهويةٍ مشتركة

تُلاحظ طقوسٌ شعبية قد غدت هويةً لشعوبٍ بأكملها. الفلامنكو، مثلاً، في التراث الإسباني، يشكّل ما يمكن أن نقول عنه إنه ليس فقط طقساً أو موروثاً، ولكنه ذاكرةُ شعبٍ بأكمله. وفي تقصّي تاريخ هذه الرقصة الموسيقية تذهب أغلب الروايات إلى أنها مستوحاة من ذاكرة نكبة مسلمي الأندلس. وهذا ما ذهب إليه أيضاً المفكر والكاتب السياسي ليفانتي بلاس، الملقّب بأبي القومية الأندلسية؛ فبحسب قوله يمثّل هذا الطقس اندماج المسلمين الأندلسيين إبّان تهجيرهم من المدن والقرى الأندلسية مع ثقافة شعوب الغجر الرحّالة الذين امتهنوا الغناء وسيلةً للتعبير عن آلامهم.

يُرجِع أصل تسمية كلمة «فلامنكو» حسب دراساته إلى «فلاح منكوب»، أي الفلاح الأندلسي الذي صودرت قريته. امتزجت الموسيقى أو الأوليلة الأندلسية مع الرقص والموسيقى الغجرية التي بدورها تنمّ عن مأساة الغجر وتاريخهم المتخم بالتهجير والترحال. وبالرغم من هذه الخلفية التاريخية والمأساوية، إلا أنّ الفلامنكو يُعَدّ من أكثر الطقوس بهجةً وتناغماً وإبداعاً. فلا تكاد تمشي في أي حيٍّ من حواري قرطبة أو إشبيلية وكافة المدن الإسبانية إلا وتجد تجمّعاً سكانياً حول غناء الفلامنكو الإسبانية.

قد تتساءل: ما هو الرابط هنا بين الفلامنكو، وقصة سعاد، والجدّات على عتبات الديار، وبناء الجدران؟ أقول: إن علاقة أهل الحي ببعضهم هي المنظور الذي يمكن أن يُنظر من خلاله إلى علاقة المرء بوطنه وبأبناء وطنه. كلّما وُجدت رابطةٌ بين أهل الحي، كلّما وجد الإنسان ما يربطه بالأرض التي يعيش عليها، وبالتالي يرتبط مصيره بمصير من يتشاركونه الأرض، المدينةَ والحيَّ والشارع. فتختفي تلك الحدود اللامرئية بين الأحياء والحارات. لن أتحدث هنا عن صدمتي حين اكتشفت أن هنالك ديموغرافيا عجيبة تسود المدينة وتقسّمها إلى ضفتين، حتى بات التنقّل بين الأحياء التي لا تبعد عن بعضها أكثر من نصف ساعة يندرج تحت مسمّى "عبور إلى الضفة الأخرى"!

إن علاقة أهل الحي ببعضهم هي المنظور الذي يمكن أن يُنظر من خلاله إلى علاقة المرء بوطنه وبأبناء وطنه. كلّما وُجدت رابطةٌ بين أهل الحي، كلّما وجد الإنسان ما يربطه بالأرض التي يعيش عليها

في ظلّ الأوضاع الراهنة التي يبدو أنها أكثر أزمنتنا تعقيداً وتصعيداً، أقول إذا أردنا مجتمعاً أكثر انفتاحاً على نفسه وعلى الآخرين، ووطناً ممتدا بامتداد حقول الذرة وأشجار السدر، فلا بد أولا من خلق روابط بين أهل الحي، تمتد إلى كل الأزقة وتعبر الشوارع نحو كل بيت، ثم بناء مدينة واحدة متماسكة، تتشارك مراسم وطقوس تساهم في بناء ذاكرة مشتركة وهويّة مشتركة، لأنه وفي نهاية المطاف الذاكرة وحدها، هي من توحّدنا اكثر من الجغرافيا، والقبيلة، وهي تميمتنا الوحيدة ضد تعاويذ من لا يفوتون فرصة لتأليب الناس على بعضها.

أعود لمقعدي، وللشرفة والإطلالة على مدينة تتمسّك بطابعها، وترفض أن تغادر ملمحها؛ الجبال المترامية على أطرافها تحيط بالمدينة كمن يحميها من نفسها. وأعود لذاتي، من بعد عشر سنابل، كل سنبلةٍ تتفتّح على كمٍّ لا متناهٍ من الذوات والمراحل والحِقَب الزمنية، أكاد أُنبش رأسي كي أحرّرها جميعاً. وأسأل نفسي: ألم آتِ إلى هنا خصيصاً لاغتيال ذاكرتي، والتخفّف من عبء الذكريات؟ ألم أتعمد السير في كل الطرقات أملاً في محو أثر خطواتي عليها؟ هل تعيد لنا الطرقاتُ خطانا إن وهبناها أقدامنا؟ كأننا حين نزور الطرقات نستردّ خطواتنا منها، وإن كان لأحمد بخيت رأيٌ مغايرٌ في قصيدته «الليالي الأربع» التي يقول فيها نافياً: «فلا أحد يردّ الخطوَ للقدم التي سارت».

كما أضيق ذرعاً بذكرياتي، فإنّي أبذل مقدار ما بذلته فيها من عمرٍ كي أستردّها أيضاً، وأبذل ضعف عمري مقابل غمضة عينٍ تعيدني إلى طرقاتٍ شبّت بها قدماي على الحبو، وأزمنةٍ سرت من خلالي وعبرت بي إلى ما أنا عليه الآن، إلى آخر عهدٍ بالصبا، وأول عهدٍ بالهوى، إلى صفٍّ أول ثانوي وأول حصة في الأدب، إلى حيث بدأ كل شيء، ثم أخذت الحياةُ بي منحىً آخر شعرتُ معه كمن أرخى زمام الأمر من يديه وتركها للأقدار أنى شاءت. هذا التوق للذكريات من ناحية، والمحاولة المستميتة للتخفّف من عبئها من ناحيةٍ أخرى، يعكسان ما عناه عبد الرحمن منيف في روايته «بادية الظلمات» من خماسية «مدن الملح»، بقوله: "الذاكرة لعنة الإنسان المُشتهاة ولعبته الخطِرة، إذ بمقدار ما تتيح له سفراً نحو الحرية، فإنها تصبح سجنه". وفي الختام، وأنا أحتفي بذكرياتي وأتحرر منها في ذات الآن، أسأل نفسي: ماذا يبقى من هويّتنا الشخصية حين ننفي الذاكرة؟ وأهمّ من هذا، ماذا يبقى من حارتنا، ومن هذا البلد الذي لم يعد يشبه كثيراً ذكرياتي عنه؟

المزيد من الكاتب

ثقافة

سردية مغايرة للموت