تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

تميم وشخبوط في زيارات متزامنة.. ماذا يريد الغريمان الخليجيان من الكونغو الديمقراطية؟

26 نوفمبر, 2025
الصورة
تميم وشخبوط في زيارات متزامنة.. ماذا يريد الغريمان الخليجيان من الكونغو؟
Share

لطالما شكلت الجغرافيا الأفريقية ساحة للتنافس بين القوى الدولية الطامحة لبناء نفوذ أو اقتناص مزيد من الفرص، وفي قلب رقعة الشطرنج الملتهبة شكلت الكونغو الديمقراطية واحدة من أكثر المواقع الأفريقية جذبًا للغرماء الدوليين، لما تمتلكه من ثروات، وما تمثله من ثقل على المستوى الإقليمي والقاري، وهو ما ظهر خلال الأسابيع الأخيرة من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حيث تحولت العاصمة كينشاسا إلى محطة دبلوماسية مزدحمة بالضيوف، كل يبحث عن مصالحه أو نفوذه المهدد في بلد يتمتع بموقع استراتيجي في قلب القارة، ويمتلك ثروات ضخمة يغلفها عدم استقرار وسوء إدارة وفساد سياسي.

الكونغو تجمع غرماء الخليج

في صبيحة يوم الجمعة الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حطت طائرة الأمير القطري الشيخ تميم بن حمد في العاصمة كينشاسا، في رحلة جاءت ضمن جولة أفريقية شملت رواند التي كانت محطته الأولى، والتي تزامنت بشكل شبه متطابق مع زيارة مماثلة للوزير الإماراتي الشيخ شخبوط بن زايد آل نهيان (وزير دولة في وزارة الخارجية) إلى كينشاسا أيضا، وقد سبق زيارته الكونغو بزيارة أخرى إلى أنغولا، لينضم لاحقا إلى وفد بلاده المشارك في اجتماعات قمة مجموعة العشرين التي استضافتها مدينة جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا.

الزيارات السابقة وإن اختلفت تفاصيلها إلا أنها تنبئ عن مقاصد وأهداف مختلفة سعى لها الزعيمين الخليجيين خلال جولتهما الأفريقية، حتى وإن لم يعلن ذلك بشكل رسمي، فالأمير القطري اختار طرفي الصراع الأبرز في منطقة البحيرات العظمي كواجهة في محاولة لإتمام اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في الدوحة بين حكومة الكونغو وتحالف نهر الكونغو "حركة 23 مارس" المدعومة من رواند. كما أن الزيارة تأتي بعد أيام من توقيع الاتفاق الإطار في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بينما يسعى الوزير الإماراتي للدفاع عن صورة بلاده بعد أن أصبحت متهمة بتمويل حرب السودان عبر دعم ميليشيا الدعم السريع، حتى إن أحد البرلمانيين الأفارقة طالب بفرض عقوبات على أبو ظبي.

محاولات قطرية لإنقاذ مسار السلام

في كينشاسا بحث الأمير تميم بن حمد مع الرئيس فيليكس تشيسكيدي تعزيز العلاقات بين البلدين، وأبرز المستجدات على الساحة الإقليمية والدولية، وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات تجارية واقتصادية بين البلدين إلا أن المباحثات طغى عليها آليات استكمال اتفاق وقف إطلاق النار، إذ قدم الأمير القطري التهاني بعقد الاتفاق متمنيا استكمال مسار السلام كما خُطط له، لإنهاء التوترات العرقية العابرة للحدود خصوصا بين عرقيتي التوتسي والهوتو في شرق الكونغو.

الإمارات تمارس شكلا جديدا من الإمبريالية عبر توسيع النفوذ من خلال الاستثمار في الموانئ والمطارات ومشاريع البنية التحتية لاستخراج الموارد وتعزيز النفوذ السياسي والعسكري، وهو دور يسميه بعض الباحثين بـ«الإمبريالية الفرعية»

لم تختلف الأوضاع كثيرا في كيجالي إذ حرص الأمير تميم خلال لقائه الرئيس الرواندي بول كاغامي، على بحث سبل تعزيز العلاقات بين الطرفين، وتطرق الحديث لآليات تثبيت وقف إطلاق النار، وتعزيز بناء السلام وعدم العودة للصراع من جديد.

ويعزز هذه الرؤية ما ذكرته وسائل إعلام كونغولية من أن الجانب القطري شجع كينشاسا على إظهار إرادة سياسية أكبر للتوصل إلى اتفاق نهائي، في إشارة ضمنية إلى "الحوار الشامل" الذي طال انتظاره، والذي تسعى إليه المعارضة السياسية والمجتمع المدني والمعارضة المسلحة على حد سواء.

وفي هذا السياق نقلت صحيفة "Congo Indépendant" الكونغولية عن مصادر قطرية أن الدوحة وُجِّهت رسالة مماثلة إلى بول كاغامي في اليوم السابق، مشيرة إلى أن الحضور المزدوج لقطر في الكونغو ورواندا جعلها طرفاً إقليمياً قادراً على التأثير على التوازنات الدبلوماسية ــ وربما مسارات عملية السلام.

وقالت الصحيفة إن الزيارة جاءت قبل أيام من الموعد النهائي المحدد لإبرام البروتوكولات الستة الأخيرة من الاتفاق الإطار بين كينشاسا وحركة إم 23/قوات الدفاع الرواندية/تحالف الحرية، حيث يضع هذا الجدول الزمني الضيق ضغوطاً إضافية على المفاوضات، كما تظل الضمانات الأمنية، والانسحاب من المواقع الحساسة، ومصير المقاتلين، والترتيبات الإقليمية نقاط احتكاك يُخشى أن تفجر الاتفاق كلية.

وأكدت الصحيفة أن الدوحة تعتقد أن اللحظة "ملائمة لكنها هشة"، فالاتفاق في متناول اليد، لكنه قد يفشل إذا تراجع أحد الأطراف عن الالتزامات النهائية، وهو ما دفع الأمير القطري لزيارة البلدين في محاولة لتعزيز آليات الوصول للسلام الشامل.

وتزامنا مع الزيارة أيضا دعا الجيش الكونغولي الوسطاء الأميركيين والقطريين إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة رداً على هجمات تحالف القوى الديمقراطية/حركة 23 مارس على مواقعه، مؤكدا على لسان متحدثه الجنرال سيلفان إكينجي، خلال مؤتمر صحفي أنه رغم توقيع الاتفاق لا تزال بعض الأطراف تحرض على الحرب، وتهدد الاتفاق برمته.

أشار إيكينجي إلى أن القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية، اتخذت التدابير "الضرورية للرد على هذه الاستفزازات"، متوعد باتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ حياة الكونغوليين في مناطق النزاع. في المقابل ذكرت حركة "23 مارس" أن النشاط الجاري من جانب الجماعات المحلية المسلحة في مناطق النزاع قد يهدد تنفيذ الاتفاق الإطار، مؤكدة أنه "ما لم يتم تحييد الجماعات المسلحة المحلية، ستكون هناك وفيات وانعدام للأمن ولن يتحرك الشعب بحرية".

وقالت الحركة في تصريحات لمسؤوليها إنه من المتوقع استمرار محادثات السلام مع حكومة الكونغو الديمقراطية في الدوحة على مدى الأسابيع المقبلة، عقب التوقيع على الاتفاق الإطاري للسلام بين الجانبين، مؤكدة أن مفاوضات الأيام المقبلة ستركز على القضايا الرئيسية مثل وصول المساعدات الإنسانية والضمانات القضائية وسبل إطلاق سراح المعتقلين.

وكان أمير قطر قد استضاف في مارس/آذار الماضي كلا من رئيس رواندا بول كاغامي، ورئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، لتأكيد الالتزام بوقف إطلاق النار وتعزيز بناء الثقة بين الطرفين.

الإمارات شراكات اقتصادية ومحاولات لغسل السمعة

في المقابل حظيت زيارة الوزير الإماراتي باهتمام ملحوظ على المستوى الإعلامي، حيث استقبله الرئيس الكونغولي وعقد جلسة مباحثات موسعة معه شملت توقيع اتفاقيات تجارية أيضا، إلا أن الدولة الخليجية اهتمت بشكل بالغ بتصدير روايتها حول الأوضاع في دول السودان، إذ أصدرت وزارتا الخارجية في أبوظبي وكينشاسا بيانا مشتركا أكدتا فيه أن طرفي الصراع في السودان يتحملان مسؤولية الانتهاكات التي تقع بحق المدنين لاسيما في مدينة الفاشر، مطالبين بضرورة حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.

تعتقد الدوحة أن اللحظة "ملائمة لكنها هشة" فالاتفاق في متناول اليد، لكنه قد يفشل إذا تراجع أحد الأطراف عن الالتزامات النهائية، وهو ما دفع الأمير القطري لزيارة البلدين في محاولة لتعزيز آليات الوصول للسلام الشامل

وفي البيان ذاته حرصت الخارجية الإماراتية على تسمية الحكومة السودانية المعترف بها دوليا بـ"سلطة بورتسودان" قائلة إن "إن المسؤولية الرئيسية لإنهاء الحرب الأهلية تقع على عاتق سلطة "بورتسودان" وقوات الدعم السريع"، مؤكدة أن مستقبل السودان لا يمكن أن تُمليه الجماعات المتطرفة التي تنتمي أو ترتبط بشكل وثيق بجماعة الإخوان المسلمين والتي أدى نفوذها إلى زعزعة الاستقرار بالمنطقة.

الإشارات الإماراتية السابقة وإن كانت تحمل في طياتها رسائل يمكن قراءتها من بين السطور، إلا أنها تكشف عن مساعي أبو ظبي لتعميم رؤيتها حول الأوضاع في السودان، وحشد الداعمين لهذه الرواية وهو ما يظهر في تحركات شخبوط بن زايد أيضا في أفريقيا، فقبل الوصول إلى كينشاسا التقى الوزير الإماراتي بالرئيس جواو مانويل لورينسو، رئيس جمهورية أنغولا التي تتولى حاليا رئاسة الاتحاد الأفريقي، وناقش معه الأوضاع الإقليمية بما السودان.

وخلال اللقاء أكد بن زايد من العاصمة لواندا إدانة بلاده لجميع الانتهاكات ضد المدنيين والعاملين في المجال الإنساني بالسودان، داعيا إلى وقف فوري لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، وحماية المدنيين، والمحاسبة على الجرائم المرتكبة.

نفوذ خليجي أم تنافس إمبريالي

الانفتاح الخليجي لاسيما الإماراتي والقطري على بلدان القارة الأفريقية، بات يشكل واحدة من أكبر القضايا الجدلية بين الخبراء والباحثين المعنيين بشؤون القارة، إذ يراه فريق بمثابة فرصة لتوسيع الاستثمارات وبناء شركات متنوعة، مطالبين بالاستفادة من حالة التنافس التي تغذيها الطموحات الخليجية عبر التفاوض على صفقات أفضل ومضاعفة الشراكات مع مختلف الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط، عبر إدارة استراتيجية لهذه التحالفات.

يسعى الوزير الإماراتي للدفاع عن صورة بلاده بعد أن أصبحت متهمة بتمويل حرب السودان عبر دعم ميليشيا الدعم السريع، حتى أن أحد البرلمانيين الأفارقة طالب بفرض عقوبات على أبو ظبي

يحذر آخرون في المقابل من تصاعد حدة التوسعات الخليجية في القارة الأفريقية، لاسيما الإماراتية، واصفين الأمر بأنه أقرب للتوسعات الإمبريالية التي دأبت القوى الكبرى على تنفيذها في القارة السمراء،

ويقول المؤيدون لهذا التوجه إن الدول الخليجية، وعلى رأسها الإمارات، تمارس شكلا جديدا من الإمبريالية عبر توسيع النفوذ من خلال الاستثمار في الموانئ والمطارات ومشاريع البنية التحتية لاستخراج الموارد وتعزيز النفوذ السياسي والعسكري، وهو دور يسميه بعض الباحثين بـ«الإمبريالية الفرعية».

وعلى الرغم من انخفاض حدة الانتقادات الموجهة للأطراف الخليجية الأخرى المتنافسة في القارة الأفريقية، بما فيها قطر والمملكة العربية السعودية، إلا أن أنهما وفق هذا التوجه يمارسان أيضا سياسات تندرج تحت "الإمبريالية الفرعية" تجاه أفريقيا من خلال التدخلات العسكرية المباشرة، والأنشطة السياسية والمالية والدينية، التي تؤثر على المنطقة، على حد وصف الباحث حسام محجوب في ورقة بحثية نشرها المعهد العابر للحدود الوطنية (TNI).

وبعيدا عن التفسيرات المتفائلة أو المتخوفة من الحضور القطري الإماراتي في القارة إلا أنه في المحصلة، يكشف هذا الحراك، وتحديدًا في الكونغو، عن مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي على الفرص الاستراتيجية داخل القارة الأكثر غنى بالموارد والأكثر حاجة إلى الاستثمارات والتنمية، وبينما تعمل أبوظبي على توسيع حضورها الاقتصادي، وترسيخ شبكات النفوذ عبر مشروعات البنية التحتية والاتفاقيات الاستثمارية، تتحرك الدوحة بدورها لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في فضاء أفريقي يشهد إعادة تشكيل موازين القوى.