تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

تمرد الدول الحبيسة في القرن الأفريقي: المنافذ البحرية والخيارات الصفرية

17 نوفمبر, 2025
الصورة
تمرد الدول الحبيسة في القرن الأفريقي: المنافذ البحرية والخيارات الصفرية
Share

وسعت تهديدات الرئيس الأوغندي يوري موسيفني بشن بلاده حربًا "على دول شرق أفريقيا الأخرى المطلة على المحيط الهندي"، من أجل الوصول إلى المحيط (الهندي) وبناء بحرية أوغندية، من دائرة مطالبات الدول الحبيسة في القرن الأفريقي الكبير بالوصول إلى منافذ بحرية بأية وسيلة ممكنة، ورفع سقف هذه المطالبات بتضمينها وسائل عسكرية عدائية، تنافي قواعد حسن الجوار واحترام سيادة الدول، وتمهمش بشكل واضح أية مسارات حقيقية أو مدعاة لتحقيق "التعاون الإقليمي"، في الوقت الذي أعاد فيه مسؤولون إثيوبيون، من بينهم وزير الخارجية جديون تيموثيوس (منتصف نوفمبر/تشرين الثاني)، طرح مسألة حصول بلدهم على منفذ ميناء عصب البحري على أنها قضية مصيرية لمستقبلها، وليست مجرد خيار؛ مع ملاحظة ارتباط هذه المطالب بالتصعيد الخطير في العلاقات الإثيوبية الإريترية، واتهامات بسيطرة القوات الإريترية على بعض المواقع داخل الأراضي الإثيوبية؛ مما قد يمهد لمواجهات عسكرية حقيقية ومباشرة بين البلدين بغض النظر عن التكلفة الفادحة لمثل هذه الحرب.

مأزق الدول الحبيسة: القانون الدولي والواقع الجيوسياسي

مررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 فبراير/شباط 1957، بطلب من مؤتمر الأمم المتحدة لقانون البحار، "دراسة مسألة وصول الدول الحبيسة الحر للبحار كما أرسته الممارسات أو المعاهدات الدولية"، واتباعًا لهذا القرار بدأت اللجنة الخامسة من هذا المؤتمر الأول في النظر في المشكلات الخاصة المتعلقة بالدول الحبيسة في 26 فبراير/شباط 1958.

كما أعدت الأمانة العامة للأمم المتحدة دراسة تم عرضها في الاجتماع الثالث للجنة، استعرضت المبادئ السبعة التي تضمنها قرار المؤتمر التمهيدي للدول الحبيسة (جنيف: 10-14 فبراير/شباط 1958)، وأبرزها حق كل دولة حبيسة في وصول حر للبحر المشتق من المبدأ الأساسي بحرية أعالي البحار، وحق الدولة الحبيسة في رفع علم بحري يحظى بنفس المعاملة لأعلام الدول المطلة على البحار، وضمان حصول الدول الحبيسة على وضع الدول الأولى بالرعاية (من قبل دول جوارها) بخصوص الوصول إلى موانئ بحرية واستخدام مثل هذه الموانئ، وحق الدولة الحبيسة في الوصول للبحر، مع حق الدول التي تمر بها تجارة الدولة الحبيسة في "اتخاذ الإجراءات (اللازمة) لحماية سيادتها ممصالحها المشروعة".

إجمالًا، قدم القانون الدولي إطارًا عمليًا لحل مشكلات الدول الحبيسة مشروطًا بعدم الإخلال بسيادة الدول الساحلية التي تمر عبرها تجارة هذه الدول الحبيسة، وهي مسألة هامة للغاية للحفاظ على الأمن الإقليمي والدولي، وضمان استمرار حسن الجوار؛ كما يعزز - نظريًا- ديناميات التعاون الإقليمي.

تمدد الأزمات في الإقليم يضع كل تلك النطاقات الجغرافية الممتدة من البحر الأحمر والمحيط الهندي بوسط القارة حتى سواحل جمهورية الكونغو الديمقراطية على المحيط الأطلسي تحت وطأة حروب مستدامة

تمثل منطقة القرن الأفريقي الكبير حاليًا الاستثناء الأبرز عالميًا في هذا الإطار الذي تم وضعه قبل نحو 70 عامًا؛ مع تكرر التصعيد بين تهديد بوقوع حرب إقليمية على أكثر من جبهة، وتآكل عملي لآفاق التعاون الإقليمي في الإقليم. هناك حاليًا 15 دولة أفريقية في عداد الدول الحبيسة، من بين 40 دولة حبيسة في العالم، لتمثل أفريقيا وحدها 37.5٪ أو أكثر من ثلث هذه الدول؛ وتوجد داخل منطقة القرن الأفريقي الكبير كل من: إثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، والتي تعتمد على موانئ دول جوارها لتمرير تجارتها البحرية على النحو الذي رصدته دراسة صادرة عن البنك الدولي (كيشور أوبريتي Kishor Uprety: نظام الترانزيت للدول الحبيسة، واشنطن 2006): إثيوبيا عبر موانئ جيبوتي في جيبوتي وعصب ومصوع في إريتريا؛ وأوغندا عبر ممباسا في كينيا وتانجا في تنزانيا، وجنوب السودان (التي استقلت عام 2011) في بورتسودان.

يبرز غياب الاتحاد الأفريقي وآلياته عن ضبط التوتر السياسي في إقليم القرن الأفريقي تآكل الفرص القائمة لتحقيق تعاون إقليمي حقيقي، وإفساح المجال أمام مزيد من الصراعات (والتي قد تصل لمرحلة الحرب) الإقليمية، ورهن مستقبل دول الإقليم بتداعيات واقع جيوسياسي صدامي (معزز بأدوات تدخل خارجية باتت بنيوية وعميقة التأثير والرسوخ)، وجانح للتغطية على مشكلات الدولة الداخلية (المزمنة في واقع الأمر منذ عهد التوسع في حالة إثيوبيا والاستقلال قبل أكثر من 60 عامًا في حالة أوغندا، ثم جنوب السودان) بالاشتباك في صراعات خارجية، في تكتيك ثبتت نجاعته في تحقيق اصطفافات داخلية خلف القيادة السياسية لدول الإقليم في مراحل مختلفة.

اوغندا تهدد، وكينيا تهون!

أضافت تصريحات الرئيس الأوغندي يوري موسيفني مطلع الجاري، التي عبر فيها عن سعي بلاده لبناء بحرية أوغندية حتى إذا تطلب الأمر خوض حرب مع كينيا وتنزانيا، مخاوف من تمدد الأزمات في الإقليم من التوتر المتزايد بين إثيوبيا وإريتريا إلى الأزمة في شرقي الكونغو ليشمل الدول السابقة؛ مما سيضع كل تلك النطاقات الجغرافية الممتدة من البحر الأحمر والمحيط الهندي بوسط القارة حتى سواحل جمهورية الكونغو الديمقراطية على المحيط الأطلسي تحت وطأة حروب مستدامة.

كان موسيفني قد ادعى أن لبلاده حقوقًا في الوصول للمحيط الهندي "مثل الدول الأخرى المطلة على الساحل ومنها كينيا وتنزانيا"، وأن ميناء مثل دار السلام هو ميناء إقليمي، وليس تابعًا لدولة تنزانيا (فقط). فيما لمح مراقبون محليون إلى أن توقيت تصريحات موسيفني تشير إلى استهدافه بشكل محدد ميناء ممباسا الكيني الذي يعد أقرب نقطة بحرية لأوغندا، وترتبط به عبر خط سكك حديدية يربط بحيرة فيكتوريا في كيسومو (Kisumu) بالمحيط الهندي عند المدينة الكينية. كما أنه يستهدف ميناء تانجا التنزاني الذي يصل إليه خط أنابيب نفط من منطقة هويما (Hoima) الأوغندية.

إن لغة التهديد باستخدام القوة يمثل سلوكًا غير واقعيًا لاعتبارات تكوين القوات المسلحة في البلدين ومعاناتهما من مشكلات داخلية مزمنة، وأزمات خارجية ملحة دون قدرة على تحقيق تدخل ناجح فيها إلا في ظل وجود إسناد عسكري وسياسي واقتصادي خارجي

فيما لم تصدر تعليقات رسمية بعد من تنزانيا على تصريحات موسيفني، ردت الخارجية الكينية (13 نوفمبر الجاري) على تلك التصريحات بتأكيدها التزام نيروبي "بالقوانين الإقليمية الدولية والدبلوماسية السلمية". كما هونت من هذه التهديدات مؤكدة إلتزام البلاد "بالأطر القانونية"، وحرص سياسة كينيا الخارجية تحت رئاسة وليام روتو على "العلاقات مع دول الجماعة الشرق أفريقية، وقضايا السلم والأمن، والأمور المتعلقة بالمواطنين في الشتات"؛ فيما أكد محللون عسكريون كينيون عدم قدرة أوغندا على خوض حرب مع البحرية الكينية "لأن أوغندا لا تملك بالأساس قوة بحرية". كما رأوا أن الجيش الأوغندي بشكل عام ليس بالقوة التي تقارن مع نظيره الكيني من جهة المعدات والأفراد. إضافة إلى ملاحظة مهمة. وهي أنه في حال "اندلاع حرب" بين أوغندا وكينيا فإن الإمدادات السلعية التي تحصل عليها الأولى عبر موانئ كينية سوف تتوقف تمامًا (دون أفق محدد)؛ مما يمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الأوغندي.

كما أكدت الحكومة الكينية أنها "لن تحول دون وصول أوغندا للمحيط الهندي"، فيما تجاهلت عمليًا الإجابة الواضحة على تلميحات موسيفني بأن بلاده لا تتمتع بوضع الدولة الأولى بالرعاية كونها دولة حبيسة (وفق ما يقتضيه القانون الدولي في هذه الحالة)، مما يشير إلى أن المسألة برمتها بداية لعملية معقدة من المحادثات بين البلدين لتغيير الوضع القائم، وتعظيم استفادة أوغندا من مشاريع البنية الأساسية الجارية في الإقليم.

إثيوبيا وحلم "استعادة" ميناء عصب

نجحت إثيوبيا بعد نهاية حرب التيغراي رسميًا في انتهاج دبلوماسية خارجية واقعية، والاستفادة من جميع المتغيرات الإقليمية في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، لاسيما بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ونجاح نظام آبي أحمد في تحقيق انتصار كبير في معركة بناء سد النهضة، وتفادي أية ضغوط مصرية في هذا المسار.

لكن إعلان القاهرة المتكرر في الأسابيع الأخيرة برفض أي وجود إثيوبي (أو غير إثيوبي من خارج مجموعة الدول المشاطئة) على البحر الأحمر مثل ضربة موجعة، شكليًا على الأقل، لجهود أديس أبابا الرامية للخروج من عزلتها التاريخية، خصوصا أن تصريحات القاهرة تكررت خلال زيارة الرئيس الإريتري للأخيرة، ما اعتبرته إثيوبيا رسالة تهديدية صريحة لها في هذا الملف.

استباقًا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في إثيوبيا منتصف عام 2026، بدأ نظام رئيس الوزراء آبي أحمد في تبني نزعة هجومية ولغة تهديدية صريحة في ملف الوصول لمنفذ بحري، سواء في الصومال (جمهورية صوماليلاند المستقلة من جانب واحد) أم في إريتريا. فقد جددت زيارة رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله لأديس أبابا منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي التفاهمات بين الجانبين بخصوص مذكرة التفاهم (مطلع 2024) المعنية باستئجار إثيوبيا شريطًا ساحليًا في صوماليلاند بطول 20 كلم تقريبًا، ضمن ملفات أخرى، وإن لم ترشح بعد تفاصيل محددة حول احتمالات التصديق على مذكرة التفاهم.

يمكن قراءة المواقف الأوغندية والإثيوبية الرامية لنيل وجود بحري في المحيط الهندي والبحر الأحمر على الترتيب على أنها مواقف ساعية لتحسين القوة التفاوضية لكمبالا وأديس أبابا، بحثا عن مزيد من الامتيازات من دول الجوار الساحلية

لكن التحركات الإريترية الحثيثة، منذ تصريح آبي أحمد في سبتمبر/أيلول الماضي بأن مسألة استعادة بلاده سيطرتها على ميناء عصب "مسألة وقت لا غير"، ولاسيما التقارب المتصاعد مع مصر، وتبادل التهديدات الخطيرة مع إثيوبيا، التي تعاني بدورها من توتر داخلي قد يرقى إلى ما قبل حرب التيغراي الأخيرة، وتصاعد تكلفة استخدام إثيوبيا لميناء جيبوتي في تجارتها الخارجية (قدرت عام 2024-2025 ما بين 1.5 إلى 2 بليون دولار سنويًا، ويمر عبر الميناء نجو 90٪ من إجمالي التجارة الخارجية الإثيوبية). كل ذلك دفع مساعي إثيوبيا للسيطرة على ميناء عصب إلى مستويات قصوى تنذر، حسب أغلب المحللين، بوقوع حرب تعبر عن اصطفافات كلا من البلدين الإقليمية، وتنقض الاستقرار الهش في الإقليم. لكن محللين استبعدوا وقوع هذه الحرب على المدى القصير نظرًا لطبيعة الجيش الإثيوبي الذي أنهكته حرب التيغراي وصعوبة تحصله على دعم مشابه لما حصل عليه من إريتريا والصومال؛ ولمواجهة نظام أفورقي تحديات داخلية متفاقمة مع تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد.

إجمالًا، فإن أهمية ميناء عصب لإثيوبيا يمكن أن تفسر "الحمى" الإثيوبية للسيطرة عليه؛ فالميناء يعزز سياسة أديس أبابا التي تستهدف تنويع اعتمادها على منافذ بحرية بدلًا من احتكار ميناء جيبوتي لحركة التجارة البحرية الإثيوبية، كما أن موقع الميناء نفسه في الطرف الجنوبي من إريتريا (الذي يشبه جيبًا أرضيًا ضيقًا بين الأراضي الإثيوبية والبحر الأحمر) يمثل قيمة مضافة لأقاليم إثيوبية مثل العفر والتيغراي، إضافة إلى مسألة بالغة الأهمية وهي وجود خطوط ملاحية مباشرة بين الميناء والسواحل السعودية دون الحاجة للمرور عبر مضيق باب المندب، إذ تستهدف إثيوبيا تعميق وجود صادراتها الزراعية في السعودية، وتعزيز استثمارات السعودية الزراعية في إثيوبيا (يبلغ إجمالي الاستثمارات السعودية في إثيوبيا وفق تقديرات يوليو/ تموز 2025 نحو 365 مليون دولار فقط مقارنة بأكثر من 13 بليون دولار في جيبوتي)، أخذًا في الاعتبار اهتمام الرياض التقليدي بالتعاون الاقتصادي الإثيوبي- الإريتري ودعمه كرافعة مهمة من أهم روافع وساطة الأولى في اتفاق السلام بين البلدين الأفريقيين الموقع عام 2018.

تروج إثيوبيا بقوة لرواية الحق التاريخي في ميناء عصب (استنادًا لقرار الإمبراطور هيلا سيلاسي ضم إريتريا لبلاده عام 1962 "دون رغبة الإريتريين" بالمخالفة لقرار الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 1952 "بوضع إريتريا كوحدة ذاتية الحكم متحدة مع إثيوبيا تحت سيادة التاج الإثيوبي)، وإعادة تدوير قادة سياسيون وعسكريون لحجج "قانونية" متناقضة تمام التناقض مع مجمل مبادئ الدبلوماسية الإثيوبية في ملفات أخرى.

في المحصلة، يمكن قراءة المواقف الأوغندية والإثيوبية الرامية لنيل وجود بحري في المحيط الهندي والبحر الأحمر على الترتيب على أنها مواقف ساعية لتحسين القوة التفاوضية لكمبالا وأديس أبابا، بحثا عن مزيد من الامتيازات من دول الجوار الساحلية. كما أن لغة التهديد باستخدام القوة يمثل سلوكًا غير واقعيًا لاعتبارات تكوين القوات المسلحة في البلدين ومعاناتهما من مشكلات داخلية مزمنة، وأزمات خارجية ملحة دون قدرة على تحقيق تدخل ناجح فيها إلا في ظل وجود إسناد عسكري وسياسي واقتصادي خارجي. ولا يخفى كذلك نفوذ قوى دولية متوسطة فاعلة في أزمات الإقليم المتصاعدة من أجل تعظيم المكاسب الاقتصادية، وتحقيق نفوذ جيواستراتيجي في الموانئ الأفريقية المختلفة، وتعويض الفشل في فرض نفوذ هذه القوى في بعض المواضع، مثل: إريتريا وجيبوتي وصوماليلاند وتنزانيا وكينيا عبر أدوات محلية في القرن الأفريقي.

غير أن الخطر الحقيقي الذي يمثله تمرد الدول الحبيسة الحالي على ما استقر من قواعد القانون الدولي وضوابط العمل الإقليمي الأفريقي يأتي من فرض خيارات صفرية في الإقليم، مدعومة بأدوات خشنة للقوى الخارجية الساعية لفرض مزيد من الهيمنة على الإقليم، وتحويله إلى مجرد وحدة مجردة من مشروعات بناء الدولة الوطنية/ الديمقراطية، ضمن تكريس ما يمكن وصفه "بتقسيم العمل المشوه"، وفق تعريف إميل دوركايم؛ ما يعني تطوير سريع في العلاقات الاقتصادية داخل الإقليم، دون ضوابط معيارية واضحة (وفي ظل شفافية حكومية في حدودها الدنيا)، وقائم على الصراع بين عناصر هذا النظام.