تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 7 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

تعليم في خدمة الإدارة الاستعمارية: قراءة في تاريخ التعليم النظامي بصوماليلاند البريطانية

27 أغسطس, 2026
الصورة
تعليم في خدمة الإدارة الاستعمارية: قراءة في تاريخ التعليم النظامي بصوماليلاند البريطانية
Share

عندما نالت صوماليلاند استقلالها عام 1960، كان واقع التعليم فيها صادمًا: لم يكن بين أبنائها سوى اثنين من خريجي الجامعات، ولا بين سكانها طبيب أو ممرّض مؤهل، فيما لم تكن البلاد كلها تضم سوى مدرسة ثانوية واحدة للبنين. ومن هذه الوقائع ينطلق الدكتور عبد الله ديريه في كتابه «تاريخ موجز للتعليم النظامي في محمية صوماليلاند البريطانية (1884–1960)»، فلا يكتفي بتتبع نشأة التعليم النظامي وتطوره، بل يفحص أيضًا السياسة الاستعمارية التي أبقته محدودًا طوال سنوات الحكم البريطاني. وبذلك يقدم ديريه عملًا يجمع بين كتابة تاريخ التعليم ونقد الاستعمار، بقدر من الدقة والإحاطة قلّما نجده في الكتابات الصومالية عن تلك الحقبة.

صدر الكتاب عام 2025 عن دار مابل بابليشرز في ميلتون كينز بالمملكة المتحدة، في 386 صفحة، بعدما كانت طبعة سابقة منه قد صدرت عام 2022 عن دار لوست كوين بوكس في لندن. ويتوزع على أربعة أقسام رئيسية: عرض موجز لسيرة المؤلف، ومقدمة، وتاريخ انتقائي للحكم البريطاني في محمية صوماليلاند، ثم القسم الجوهري المكرس لتاريخ التعليم النظامي. ويعقب المتن الرئيس ملحق يتضمن «بيان المؤلف الشخصي من أجل صوماليلاند بلا قبائل»، وهو خارج نطاق هذه المراجعة.

أما مؤلف الكتاب، الدكتور عبد الله ديريه، فينتمي إلى الجيل الأول من أبناء صوماليلاند الذين أتيحت لهم فرصة الالتحاق من التعليم النظامي في ظل الحكم البريطاني. ففي عام 1944، التحق بالدفعة الأولى في مدرسة الشيخ الأولية الداخلية، التي كانت قد افتُتحت حديثًا، ثم أكمل دراسته الثانوية في مدرسة حنتوب بالسودان، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا لدراسة الطب في جامعة أبردين.

وفي عام 1968، عاد ديريه إلى الجمهورية الصومالية، التي تأسست إثر اندماج صوماليلاند البريطانية مع الصومال الإيطالي عام 1960. وعمل عدة سنوات في القطاع الصحي، ولعب دورًا بارزا في جهود استئصال مرض الجدري. ثم التحق بمنظمة الصحة العالمية عام 1982، وعمل فيها موظفًا ولاحقًا مستشارًا حتى عام 2006. وقد تجاوز اليوم التسعين من عمره، ويقيم في المملكة المتحدة.

على هامش الإمبراطورية

يتناول المؤلف بنبرة نقدية واضحة فترة الإدارة الاستعمارية، وتبدو قراءته هنا من أكثر القراءات الصومالية صراحة وصرامة للحكم البريطاني. ومع أنه لا يقدم سردًا شاملًا للحقبة الاستعمارية، فإن الوقائع التي ينتقيها تكفي للكشف عن موقفه. ففي نظره، لم تكن محمية صوماليلاند تعني لبريطانيا الكثير؛ إذ تعاملت معها في المقام الأول بوصفها عبئًا ماليًا. ولهذا طرحت لندن، في أكثر من مناسبة، التخلي عنها، أو ضمها إلى مستعمرات مجاورة، أو التنازل عنها لقوة أخرى، أو تسليمها إلى عصبة الأمم.

ويرى ديريه موقف بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية دليلًا آخر على هذه النظرة، مستشهدًا بالسجل التاريخي: «في يوليو 1939، خصصت الحكومة البريطانية مبلغًا زهيدًا قدره 900 جنيه إسترليني للدفاع عن بربرة. وكان ذلك مقياسًا لمدى ما كانت صوماليلاند تعنيه لبريطانيا!» (ص 101). لذلك لا يستغرب أن تكون صوماليلاند أول أقاليم الإمبراطورية التي أخلتها بريطانيا، قبل أن تحتلها إيطاليا فترة وجيزة، ثم تستعيد بريطانيا السيطرة عليها.

عندما نالت صوماليلاند استقلالها عام 1960، لم يكن بين أبنائها سوى اثنين من خريجي الجامعات، ولا بين سكانها طبيب أو ممرّض مؤهل، فيما لم تكن البلاد كلها تضم سوى مدرسة ثانوية واحدة للبنين.

ويمتد نقده إلى القضاء الاستعماري، إذ يورد حالات أصدر فيها مسؤولون يفتقرون إلى أي تأهيل قانوني أحكامًا بالإعدام وغيرها من الأحكام القاسية. ويكتب: «يصعب تصور حجم الظلم الذي ارتُكب بحق شعب صوماليلاند خلال الحكم الاستعماري البريطاني» (ص 97). أما تنازل بريطانيا لاحقًا لإثيوبيا عن مساحات واسعة من الأراضي الصومالية، فيصفه بـ: «خيانة القرن» (ص 48). وفي المحصلة، ترسم هذه الوقائع صورة واضحة لحكم ديريه على التجربة البريطانية برمتها، وهي الخلفية التي ينطلق منها لاحقًا في نقد السياسة التعليمية الاستعمارية.

من الإرساليات إلى المدارس الحكومية

يشكّل تاريخ التعليم صلب الكتاب، ولا تسمح مساحة هذه المراجعة إلا بالتوقف عند أبرز محطاته. فقد كانت الإرساليات الكاثوليكية الرومانية أول من أدخل التعليم النظامي إلى المحمية، حيث أدارت عددًا محدودًا من المرافق التعليمية بين عامي 1894 و1910، قبل أن توقف نشاطها وسط تحولات سياسية ارتبطت، إلى حد بعيد، بالكفاح المسلح الذي خاضته حركة الدراويش بقيادة محمد عبد الله حسن. ومع تراجع دور الإرساليات، اتسع حضور المدارس القرآنية والعربية؛ وكانت أول مدرسة من هذا النوع قد افتُتحت في بربرة عام 1898، ثم ظل هذا النموذج مهيمنًا على التعليم في المحمية لعقود.

أما التعليم النظامي الحكومي، فبدأ بمبادرة مجموعة من الصوماليين الذين تلقوا تعليمهم في السودان. ففي عام 1942، افتتحوا ثلاث مدارس أولية في هرجيسا وبربرة وبرعو، وسرعان ما تبنت الإدارة مبادرتهم وبدأت دعمها. ويُعد خمسة من أفراد هذه المجموعة المؤسسين الفعليين للتعليم النظامي في صوماليلاند، يتقدمهم محمود أحمد علي، الذي قاد المجموعة وأصبح لاحقًا أرفع مسؤول صومالي في قطاع التعليم، إلى جانب يوسف حاجي آدم، ومحمد شري غاب، ويوسف إسماعيل سمتر، وعبد السلام حسن مرسل. وفي عام 1944، افتُتحت في الشيخ أول مدرسة أولية داخلية، ثم اتسعت الشبكة تدريجيًا لتشمل، بحلول عام 1947، بوراما ولاسعانود وعيرغابو وزيلع.

لم تكن محمية صوماليلاند تعني لبريطانيا الكثير؛ إذ تعاملت معها في المقام الأول بوصفها عبئًا ماليًا. ولهذا طرحت لندن، في أكثر من مناسبة، التخلي عنها، أو ضمها إلى مستعمرات مجاورة، أو التنازل عنها لقوة أخرى.

وظل تعليم الفتيات خارج هذا التوسع إلى حد بعيد، إذ كانت مدارس تلك المرحلة جميعها مخصصة للبنين. ومع ذلك، نجحت مبادرات أهلية خلال أربعينيات القرن العشرين في إنشاء مدارس مختلطة وأخرى خاصة بالفتيات في برعو ولاسعانود. أما الحكومة، فلم تفتتح أول مدرسة أولية للفتيات إلا عام 1953 في برعو.

وكان للسودان دور محوري في تشكيل النظام التعليمي في صوماليلاند؛ فقد ظل طلاب المرحلة الثانوية يُوفدون إليه حتى عام 1953، حين افتُتحت أول مدرسة ثانوية داخل المحمية. بدأت المدرسة في الشيخ، ثم نُقلت إلى عمود عام 1954، قبل أن تُعاد إلى الشيخ عام 1960، قبيل الاستقلال بأسابيع قليلة. كما قصد طلاب آخرون السودان لدراسة إعداد المعلمين والزراعة والتجارة والغابات والدراسات الدينية. ولم تقتصر وجهاتهم على السودان، بل سافروا أيضًا إلى بريطانيا وعدن وبيروت ومومباسا لاستكمال تعليمهم.

تعليم لإنتاج الكتبة

يلخّص ديريه نقده للسياسة التعليمية البريطانية في حجتين رئيسيتين. الأولى أن الإدارة الاستعمارية لم تكن جادة في تعليم سكان صوماليلاند، بل أبقت نطاق التعليم ضيقًا بما يلبي حاجاتها الإدارية. فبحلول عام 1952، لم يكن التعليم النظامي متاحًا إلا لنحو 0.2 في المئة من السكان. ويكتب المؤلف: «حصرت الحكومة التعليم النظامي في البلاد أساسًا في تخريج الكتبة» (ص 277). ويضيف في موضع آخر: «كانت سياسة الحكومة في التعليم، إن كانت لها سياسة أصلًا، متخبطة إلى حد يلامس السخف!» (ص 298).

أما الحجة الثانية، فتفنّد رواية دأبت الإدارة الاستعمارية على تكرارها، مفادها أن الصوماليين كانوا يرفضون التعليم النظامي. ويرى ديريه أن اعتراضهم لم يكن موجّهًا إلى التعليم نفسه، بل إلى كتابة اللغة الصومالية بالحرف اللاتيني، لما ارتبط بذلك من مخاوف من التنصير، وتهميش اللغة العربية، وتقويض الهوية العربية للصوماليين.

وتكشف أرقام «التقرير السنوي للتعليم» لعام 1958، وهو آخر تقرير من نوعه، ضآلة حصيلة هذه السياسة. فلم يكن في المحمية كلها سوى 49 مدرسة ابتدائية، و14 مدرسة متوسطة، ومدرسة ثانوية واحدة، ومركز لإعداد المعلمين، ومدرسة مهنية واحدة. أما أعداد الملتحقين، فبلغت 1,898 تلميذًا في المرحلة الأولية، و914 في المرحلة الابتدائية، و81 في المرحلة الثانوية، و22 في مركز إعداد المعلمين، و71 في المدرسة المهنية (ص 319). وفي نظر المؤلف، تختصر هذه الأرقام طبيعة المشروع التعليمي الاستعماري المتمثلة بإيجاد منظومة محدودة لخدمة الإدارة الاستعمارية أكثر من كونها مشروعًا لتعليم السكان.

قيمة الكتاب وحدود مقاربته

يسد كتاب الدكتور ديريه فراغًا واضحًا في كتابة تاريخ صوماليلاند والصوماليين، ولا سيما مرحلة ما قبل الاستقلال، التي لا يضم سجلها المكتوب سوى أصوات صومالية قليلة. وتزداد أهميته لأن تاريخ التعليم نفسه لا يزال من الموضوعات المهمَلة إلى حد بعيد في الدراسات الصومالية. كما يتمير الكتاب، في الوقت نفسه، بنبرة شخصية وتأملية، من دون أن يتخلى عن الاستناد إلى أدلة موثقة بعناية. بل إن وصفه بأنه «تاريخ موجز» يبدو متواضعًا أكثر مما ينبغي؛ فالسرد غني بالتفاصيل ويكاد يكون شاملًا.

لكن أهمية العمل لا تحجب بعض جوانب القصور، وفي مقدمتها اعتماده الواسع على الأرشيف الاستعماري. ويمكن فهم ذلك جزئيًا في ظل ندرة المصادر المكتوبة بأقلام الصوماليين، لكنه يجعل القصة تُروى في معظمها من زاوية واحدة. وكان من شأن توسيع البحث في المصادر الأولية الأخرى أن يمنح السرد مزيدًا من التوازن والثراء.

لم تكن الإدارة الاستعمارية جادة في تعليم سكان صوماليلاند، بل أبقت نطاق التعليم ضيقًا بما يلبي حاجاتها الإدارية. فبحلول عام 1952، لم يكن التعليم النظامي متاحًا إلا لنحو 0.2 في المئة من السكان.

ويؤخذ على الكتاب أيضًا أنه يتناول التعليم بمعزل نسبي عن السياقين السياسي والاقتصادي الأوسع للحكم الاستعماري. فكما يجادل جامع محمد في أطروحته للدكتوراه غير المنشورة «بناء الهيمنة الاستعمارية في محمية صوماليلاند، 1941–1960»، تبنت الإدارة العسكرية سياسة أشمل ضمت «التنمية الاجتماعية وخدمات الرعاية والتعليم». ولو ربط ديريه السياسة التعليمية بهذا الإطار الأوسع، لاكتسب تحليله عمقًا أكبر.

وتأخذ أهمية الكتاب بعدًا آخر بالنظر إلى سيرة مؤلفه. فمن اللافت أن معظم أبناء الجيل الشاب في صوماليلاند، وأنا منهم، لم يتعرفوا إلى الدكتور عبد الله ديريه إلا عند تدشين كتابه في هرجيسا قبل بضعة أسابيع، وقد تجاوز التسعين من عمره. وأن يترك عملًا كهذا في هذه المرحلة من حياته إنجاز لافت ومقدر في حد ذاته.

غير أن سيرة ديريه تثير أيضًا مفارقة يصعب تجاهلها. فقد كان من القلة المحظوظة في جيله التي حظيت بتعليم نظامي، وكان المرء يتمنى لو جعل نقل هذه المعرفة إلى أبناء شعبه أولوية مبكرة في مسيرته. لكنه، باستثناء نحو عقد واحد، أمضى معظم حياته المهنية في الخارج. وتعيد تجربته إلى الواجهة سؤال هجرة العقول، وكيف ظلت على مدى عقود تشكّل مسار التنمية في أفريقيا وتحد من إمكاناتها.

ولا تنتقص هذه الملاحظات من قيمة الكتاب؛ فهو يوفر قراءة مهمة لكل من يهتم بتاريخ صوماليلاند والصوماليين، وبتاريخ أفريقيا الاستعمارية عمومًا، ولا سيما سياساتها التعليمية.