تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

تحوُّلات السيادة: عودة أرخبيل تشاغوس إلى الحاضنة الأفريقيَّة

30 مايو, 2025
الصورة
Geeska Cover
Share

وقَّعت الحكومة البريطانيَّة، في 22 مايو/آيار 2025، في خطوةٍ تاريخيَّة، اتفاقًا سياسيَّا تتنازل بِموجبه عن سيادتها على أرخبيل تشاغوس (Chagos) في وسط المُحيط الهندي، الذي يوصف بأنه آخر الأقاليم والمُستعمرات البريطانيَّة في أفريقيا، لصالح حكومة جمهورية موريشيوس (المُستعمرة البريطانيَّة السابقة)، مع احتفاظ المملكة المُتحدة بإدارة وتشغيل القاعدة العسكريَّة الأمريكيَّة البريطانيَّة المُشتركة في جزيرة دييغو غارسيا (Diego Garcia)، عاصمة الأرخبيل، بموجب عقد إيجار طويل الأجل لمدة 99 عامًا قابلًا للتمديد، بذلك يطوي البلدان نزاعًا دبلوماسيًّا وقانونيًّا دام لعُقود.

تعكس هذه الخطوة تحوَّلًا في السيادة على جُزر تشاغوس التي ظلت لحقبة طويلة تحت الحكم البريطاني المُباشر، وكما يُشير القانون الدولي فإنَّ اكتساب السيادة على إقليم ما يتحقق بعدة أساليب، أهمها التنازل أو تحويل الملكية من دولة لأخرى عبر اتفاق أو مُعاهدة. كان إقليم «هونج كونج» الواقع على الساحل الجنوبي للصين آخر الأقاليم البريطانيَّة في ما وراء البحار التي شهدت تحوُّلًا في السيادة عليها، من المملكة المُتحدة لصالح حكومة الصين الشعبيَّة، ضمن اتفاق أصبح نافذًا بحلول 1997، وعلى المنوال ذاته ستعود جزر تشاغوس إلى الحاضنة الأفريقيَّة باعتبارها أرضا خاضعة لسيادة حكومة موريشيوس.

تاريخ النزاع الدبلوماسي والقانوني حول تشاغوس

تعود إرهاصات النزاع حول أرخبيل تشاغوس، الذي يضم عشرات الجزر المرجانيَّة المُنتشرة في وسط المُحيط الهندي، إلى عام 1965، عندما قرَّرت الحكومة البريطانيَّة، القوة الاستعماريَّة في المنطقة، فصل الأرخبيل عن مُستعمرة موريشيوس، وربطه إداريًّا بـ «إقليم المُحيط الهندي البريطاني»، وهي تبعية بريطانيَّة تخضع لسيادة وتصرف المملكة المُتحدة، باعتبارها أحد أقاليمها في ما وراء البحار.

قبل عامين من استقلال موريشيوس، وتحديدا مطلع عام 1966، أبرمت الحكومة البريطانيَّة اتفاقًا عسكريًّا مع الولايات المُتحدة، تستأجر بمقتضاه جزيرة دييغو غارسيا المأهولة، لمدة 50 عامًا مع إمكانية التجديد 20 عامًا أخرى، قصد إنشاء قاعدة عسكريَّة لأغراض الدفاع، ولإفساح المجال أمام أعمال البناء تم طرد وتهجير قرابة 1500 شخص قسرًا، وإجبارهم على النزوح إلى موريشيوس وسيشل وغيرهما، بالرغم من قرار الجمعية العامة للأمم المُتحدة، رقم 2066XX لعام 1965، الذي دعا الحكومة البريطانيَّة إلى الامتناع عن أي خطوة يترتب عليها تقسيم موريشيوس أو انتهاك سلامة أراضيها.

كانت الرؤية المُشتركة لحكومتي البلدين تتضمن ضرورة تعزيز تواجدهما العسكري في المُحيط الهندي لمواجهة التحوُّلات السياسيَّة التي خلفتها الحرب الباردة، والتي تمثلت في دخول الصين نادي القوى النووية، وأيضًا تنامي النفوذ السياسي للاتحاد السوفيتي، وتزايد أنشطته العسكريَّة هناك.

تُشكل قاعدة دييغو غارسيا عنصرًا مهمًا في الاستراتيجيَّة الأمريكيَّة الرامية إلى موازنة النفوذ الصيني في منطقة الإندو باسيفيك، وحماية ومراقبة ممرات الشحن الحيوية التي تربط آسيا بالقارة العجوز

تسعى حكومة موريشيوس، منذ استقلالها عام 1968، إلى استعادة ملكية أرخبيل تشاغوس، بما في ذلك جزيرة دييغو غارسيا، ونقل السيادة على الجُزر إليها؛ فهي تُصرّ على إجبارها بشكل غير قانوني على التخلي عنها ضمن صفقة لنيل الاستقلال. وقد تجسدت هذه المُحاولات من جانب الحكومة الموريشيوسية في تقديم دعاوى قضائيَّة أمام الهيئات الدوليَّة للمُطالبة باستقلال الأرخبيل، وحمل بريطانيا على إنهاء سيادتها تمهيدًا لاستعادته.

سعى سُكان تشاغوس بدورهم، خصوصا جماعات الشتات في المملكة المُتحدة وسيشل، إلى التقاضي أمام المحاكم المحليَّة والدوليَّة سعيًا منهم لدفع الحكومة البريطانيَّة إلى الاعتراف بالانتهاكات المُرتكبة ضدهم والمطالبة بحقوقهم، لاسيَّما حق العودة إلى موطنهم، وعلى الرغم من اعتراف لندن بالتهجير القسري لهؤلاء، ومعاملتهم بطريقة مُخزية ومتعارضة مع قواعد القانون الدولي، لكنها ترفض تصحيح الأخطاء التاريخيَّة، وتستمر في التمسك بموقفها الرافض لتعويضهم، ومنحهم الحق في العودة إلى ديارهم.

جاءت أولى القرارات المُهمة الداعمة لموقف موريشيوس في نزاعها القضائي الدولي ضد المملكة المُتحدة حول جُزر تشاغوس عام 2019، عندما أصدَّرت محكمة العدل الدوليَّة (ICJ)، التابعة للأمم المُتحدة، رأيًا استشاريًّا أشارت فيه إلى أنَّ إنهاء الاستعمار في موريشيوس لم يكتمل بشكل قانوني، وأنَّ المملكة انتهكت قرارات الأمم المتحدة التي تحظر تفكيك المُستعمرات قبل منح الاستقلال، وعلى الرغم من تجاهل بريطانيا لهذا القرار، فقد تبعه قرار آخر أكثر أهمية أصدرته المحكمة الدوليَّة لقانون البحار (ITLOS)، ولم يكن بمقدور الحكومة البريطانيَّة تجاهله رغم احتجاجاتها آنذاك؛ حيث قضت المحكمة بأنَّ بريطانيا ليس لها سيادة على جزر تشاغوس، بذلك يكون الحيز البحري والمجال الجوي المُحيط بجزر تشاغوس تابعًا لموريشيوس.

الأهمية الاستراتيجيَّة للقاعدة العسكريَّة في دييغو غارسيا

منذ تدشينها قبل أكثر من خمسة عُقود، تحظى القاعدة الجويَّة في دييغو غارسيا بأهمية بالغة، والتي تستمدها من موقعها الاستراتيجي في قلب المُحيط الهندي، الأمر الذي أتاح للولايات المُتحدة تعزيز وجودها الأمني والعسكري بالمنطقة خلال مرحلة الحرب الباردة، وحتى بعد انتهاء الثنائيَّة القطبيَّة، وانفراط عقد الاتحاد السوفيتي، ظلت القاعدة تلعب دورًا رئيسيا في العمليات العسكريَّة الأمريكيَّة في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا. كما تُعدّ مركزًا حيويًا للتزود بالوقود والاتصالات، وتضم عددًا من قاذفات القنابل الاستراتيجيَّة بعيدة المدى التي استُخدمت سابقًا خلال الحرب الأمريكيَّة على أفغانستان والعراق بداية الألفية الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، تُشكل قاعدة دييغو غارسيا عنصرًا مهمًا في الاستراتيجيَّة الأمريكيَّة الرامية إلى موازنة النفوذ الصيني في منطقة الإندو باسيفيك، وحماية ومراقبة ممرات الشحن الحيوية التي تربط آسيا بالقارة العجوز.

سعى سُكان تشاغوس بدورهم، خصوصا جماعات الشتات في المملكة المُتحدة وسيشل، إلى التقاضي أمام المحاكم المحليَّة والدوليَّة سعيًا منهم لدفع الحكومة البريطانيَّة إلى الاعتراف بالانتهاكات المُرتكبة ضدهم والمطالبة بحقوقهم، لاسيَّما حق العودة إلى موطنهم

بالنظر إلى الأهمية المُتزايدة لهذه القاعدة، أنشأت بها الولايات المُتحدة ميناءً بحريًّا قادرًا على استيعاب كافة السفن البحريَّة بأحجامها المُختلفة، بما في ذلك حاملات الطائرات والغواصات النوويَّة بتكلفة تجاوزت 3 مليارات دولار. كما تضم ​​القاعدة أطول مدرج مطار في العالم مُعبّدًا بالقوالب الانزلاقية، ويتواجد بها نحو 2000 عسكري أمريكي، وأقل من 50 عسكريًّا بريطانيًّا. يرى بعض المُحللين أنَّ قاعدة دييغو غارسيا تُعد اليوم أهم مُنشأة عسكريَّة أمريكيَّة في الخارج، لقربها من القرن الأفريقي والشرق الأوسط وجنوب آسيا، ونظرًا لأهمية المُحيط الهندي كمركز لصراعات القوة المُحتملة.

مفاوضات مُتأرجحة تنتهي باتفاق تاريخي

بعد ثلاث سنوات من إصدار محكمة العدل الدوليَّة لرأيها الاستشاري الذي يُفيد بأنَّ استمرار احتلال بريطانيا للجُزر غير قانوني، ويُعد خرقًا لقرارات الأمم المُتحدة، أعلنت الحكومة البريطانيَّة، في نوفمبر/تشرين الأول 2022، أنها بصدد الدخول في مفاوضات مع موريشيوس بشأن مُستقبل الأرخبيل المُتنازع عليه، بحثا عن اتفاق يُسهم في حلحلة القضايا العالقة بين الدولتين.

على الرغم من التحفظ الذي أبدته حكومة المحافظين البريطانيَّة، برئاسة ريتشي سوناك، بشأن مسألة السيادة وعودة النازحين من سُكان تشاغوس إلى الإقليم، إلا أنَّ هزيمة المُحافظين في الانتخابات العامة التي جرت في يوليو/تموز 2024، وفوز حزب العمال برئاسة كير ستارمر، دفع بالمسار التفاوضي المُتأرجح إلى الانفتاح بشأن النقاط الحساسة، فبعد أقل من ثلاثة أشهر من فوز حزب العمال، وتحديدًا في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أعلنت الحكومة البريطانيَّة الجديدة عن توصلها إلى اتفاق تاريخي مع موريشيوس لإنهاء السيادة البريطانيَّة على إقليم تشاغوس.

مع ذلك، لم يتم توقيع الاتفاق مباشرةً رغم توافق حكومتي البلدين على بنوده، ولعلّ سبب هذا التأخير هو الإطاحة بحكومة موريشيوس، التي أبرمت الاتفاق، في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وإعلان الحكومة الجديدة برئاسة نافين رامجولام عن نيتها مراجعة الاتفاق، وإعادة النظر في بعض جوانبه، في وقتٍ تسعى فيه الحكومة البريطانيَّة جاهدة إلى إبرام الاتفاق قبل تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن رامجولام بدا أنه ليس في عجلة من أمره، مفضلًا التريث إلى أن يتحقق من نوايا الإدارة الأمريكيَّة الجديدة التي أظهرت تأييدها للاتفاق في نهاية المطاف.

تضمَّن الاتفاق المُبرم بين حكومتي بريطانيا وموريشيوس، والمكون من 19 مادة، انتقال السيادة على جُزر تشاغوس من الدولة الأولى إلى الثانية، بعد أكثر من نصف قرن من السيطرة البريطانيَّة على الأرخبيل، واحتفاظ موريشيوس بملكية أراضي دييغو غارسيا وبحرها الإقليمي. مُقابل ذلك تتولى المملكة المُتحدة إدارة دييغو غارسيا، بما في ذلك القاعدة العسكريَّة الأمريكيَّة البريطانيَّة، ضمن عقد إيجار طويل الأجل يمتد لـ 99 عامًا قابلًا للتمديد، يسمح بتفويض لندن مُمارسة حقوق السيادة على الجزيرة، على أن يشمل هذا التفويض جميع الحقوق والصلاحيات التي تتطلبها المملكة المُتحدة لضمان التشغيل طويل الأمد والآمن والفعَّال للقاعدة العسكريَّة، بما في ذلك تحمل لندن مسؤولية الدفاع عن القاعدة وأمنها.

كما تضمَّن الاتفاق تقديم الدعم والمُساعدة لموريشيوس لإنشاء وإدارة منطقتها البحريَّة المحمية في أرخبيل تشاغوس، وفقًا للشروط المُتفق عليها بين الطرفين. علاوةً على ذلك، تعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزامات أو ترتيبات دوليَّة مُستقبلية من شأنها أن تتعارض مع أحكام هذه الاتفاقية، وتعزيز التعاون الثنائي في المسائل الأخرى المُتعلقة بحماية البيئة، مثل مواجهة تسربات النفط والصيد غير المنظم.

بخصوص القيمة الماليَّة للصفقة، فقد أعلنت الحكومة البريطانيَّة أنَّ الاتفاق المُبرم مع موريشيوس، والذي سيضمن مستقبل قاعدة دييغو غارسيا الجويَّة في المُحيط الهندي للقرن القادم على الأقل، سيُكلف البلاد حوالي 101 مليون جنيه إسترليني سنويًا في المُتوسط طوال مدة العقد، وأنَّ القيمة الحالية الصافية بموجب الاتفاق تبلغ 3.4 مليار جنيه إسترليني. وفي هذا السياق، تتهم المُعارضة الحكومة بالتقليل المتعمّد من أهمية التكلُفة الإجماليَّة للصفقة من خلال تجاهل مُعدلات التضخم، واستبعاد المدفوعات الإضافية التي يتعين على المملكة المُتحدة سدادها.

تداعيات توقيع الاتفاق على الأطراف المعنية

تباينت مواقف الدول المعنية، التي تضم كل من موريشيوس وبريطانيا والولايات المُتحدة الأمريكيَّة، غداة توقيع الاتفاق. فقد رحّبت حكومة موريشيوس بالاتفاق واعتبرته نصرًا عظيمًا للبلاد؛ حيث صرَّح رئيس الوزراء، نافين رامغولام، في بثٍ تلفزيوني أنَّ الاتفاق يُمثّل تتويجًا لمعركة طويلة خاضتها السُلطات الموريشيوسية لأكثر من 60 عامًا، كما ويُعد الفصل الأخير في عملية إنهاء الاستعمار في موريشيوس، التي بدأت عام 1968.

في المُقابل، أظهر توقيع الاتفاق بشأن تشاغوس انقسامًا سياسيَّا في الموقف البريطاني وأثار سجالًا واسعًا بين النُخب السياسيَّة، فالحكومة البريطانيَّة التي تواجه ضغوطًا سياسيَّة واقتصاديَّة متزايدة، كانت لديها مُخاوف بشأن ردود الفعل المُحتملة تجاه اتمام الاتفاق، وهو ما تحقق عشيه التوقيع عليه. حيث هاجم حزب المُحافظين المُعارض وكذلك بعض المسؤولين داخل الحكومة أو ممن ينتمون إلى حكومة الظل الاتفاق، متسائلين عن سبب إنفاق بلادهم مليارات الدولارات في ظل اتجاه الحكومة إلى خفض مدفوعات وقود الشتاء وخططها الرامية إلى تقليص الإعانات  بقيمة 5 مليارات جنيه إسترليني. ويعتقد بعض النواب البريطانيين أنَّ هذه التخفيضات كانت سببًا رئيسيا في الانتكاسة التي تكبدها حزب العمال في الانتخابات المحليَّة التي جرت في إنجلترا مطلع مايو/آيار؛ حيث تعرض الحزب في هذه الانتخابات لأكبر هزيمة، وفشل في الاحتفاظ بأي من المجالس التي كان يسيطر عليها قبل الانتخابات.

تضمَّن الاتفاق المُبرم بين حكومتي بريطانيا وموريشيوس، انتقال السيادة على جُزر تشاغوس من الدولة الأولى إلى الثانية، بعد أكثر من نصف قرن من السيطرة البريطانيَّة على الأرخبيل، واحتفاظ موريشيوس بملكية أراضي دييغو غارسيا وبحرها الإقليمي

كما أثار الاتفاق مخاوف جدية من أنَّ تصبح القاعدة العسكريَّة عرضة لهجوم أو تدخل من قبل دولة معادية مثل الصين، التي تربطها علاقات جيدة بموريشيوس، فيما أعلنت الحكومة أنَّ الاتفاق المُبرم يتضمن إنشاء منطقة عازلة بطول 24 ميلًا بحريًّا لا يُسمح بدخولها أو إقامة أي تحصينات فيها دون موافقة المملكة المُتحدة، وقال ستارمر إنَّ زعيم حزب الإصلاح البريطاني، نايجل فاراج، وزعيمة حزب المحافظين، كيمي بادينوخ، بمهاجمتهما للاتفاق يضعا نفسيهما في صف روسيا والصين، فيما قابلت وزيرة الخارجيَّة في حكومة الظل، بريتي باتيل، هذه الاتهامات بأن لا أساس لها من الصحة، متهمةً ستارمر بتسليم السيادة على أرخبيل تشاغوس إلى دولة تسعى للتقارب مع روسيا والصين.
أما عن الولايات المتحدة، فقد كانت المخاوف البريطانيَّة من أن تؤدي هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسيَّة وعودة دونالد ترامب إلى السُلطة إلى تغير هذا الموقف المؤيد للاتفاق، سيَّما وأن شخصيات بارزة في الحزب الجمهوري، أمثال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قد هاجمت الاتفاق، واعتبرت أنه يقوّض مصالح الولايات المُتحدة في المُحيط الهندي، ويخدم خصومها الاستراتيجيين. غير أنَّ رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، نجح في طمأنة دونالد ترامب وأقنعه بأهمية إبرام الصفقة مع موريشيوس.

لذا جاء الموقف الأمريكي منسجمًا مع نظيره البريطاني غداة توقيع الاتفاق؛ حيث أعلنت الإدارة الأمريكيَّة عن دعمها وتأييدها لهذه الخطوة بين المملكة المتحدة وجمهورية موريشيوس واصفةً إياها بالتاريخيَّة، وأعربت عن تطلعها إلى العمل بشكل وثيق مع الحكومتين لتعزيز التعاون في مجال السلام والاستقرار الإقليميين، مؤكدةً أنَّ هذا الاتفاق يضمن التشغيل طويل الأمد والمُستقر والفعَّال للمُنشأة العسكريَّة الأمريكيَّة البريطانيَّة المُشتركة في دييغو غارسيا.

إجمالًا، يُمكن القول بأنَّ الاتفاق التاريخي، المُبرم بين الحكومة البريطانيَّة ونظيرتها في موريشيوس بشأن أرخبيل تشاغوس، يُكرس مصالح الأطراف الثلاثة المعنية؛ فمن ناحية سيُعيد الاتفاق جُزر الأرخبيل إلى الحاضنة والسيادة الأفريقيَّة ويُنهي عقودًا طويلةً من النزاع القانوني حولها، وهو ما يُعد انتصارًا دبلوماسيًّا لموريشيوس. ومن ناحية ثانية يضمن الاتفاق احتفاظ بريطانيا بالسيطرة التشغيلية الكاملة على دييغو غارسيا والقاعدة العسكريَّة بها، ويُظهر التزامها القانوني والأخلاقي أمام المُجتمع الدولي بالتسوية السلمية للمُنازعات، وسعيها لمُعالجة المظالم التاريخيَّة بحق سُكان الأرخبيل. ومن ناحية ثالثة لم يُخل الاتفاق بمصالح الولايات المُتحدة؛ حيث ستحتفظ واشنطن بقاعدتها العسكريَّة في وسط المُحيط الهندي، وفي الوقت ذاته يُقدم الاتفاق ضمانات أمنيَّة لتبديد مخاوفها من خلال تأكيده على اتخاذ تدابير واجراءات صارمة لضمان التشغيل الآمن للقاعدة وعدم تعرض مُنشآتها للخطر.