تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

تحولات التصويت الأفريقي داخل الأمم المتحدة: كيف تغيّرت مواقف القارة تجاه فلسطين؟

15 يناير, 2026
الصورة
تحولات التصويت الأفريقي داخل الأمم المتحدة: كيف تغيّرت مواقف القارة تجاه فلسطين؟
Share

في لحظة سابقة لوجود الكيان المحتل، وبميراثٍ متصل من الأنظمة الاستعمارية الممتدة ما بين أفريقيا وقلب الشرق، حظيت بعض الدول الأفريقية باهتمامها الخاص في سلك الأنشطة الدبلوماسية "الإسرائيلية"، وذلك لكون أفريقيا أرضًا خصبة بالثروات والمعادن، وسوقًا قريبة يمكن من خلاله تجاوز الرفض العربي، وخزانًا للمهاجرين اليهود.

نتيجة هذا الاهتمام، استطاعت مؤسسات مثل الوكالة اليهودية والصندوق القومي والهستدروت، وأذرع عسكرية وسياسية واقتصادية مختلفة، التغلغل في ليبيريا وإثيوبيا ونيجيريا ومدغشقر والغابون ومونروفيا، خلال العقد الأول من نشأة الكيان، مقدمة نفسها وخبرتها نموذجا لدولة فتية قادرة على إدارة شؤونها ومواردها، ما حوّل العلاقات بين ممثلي الكيان والقادة الأفارقة إلى مستويات شخصية أسهمت في تغييرات سياسية على مستوى النزاعات الحدودية، واضطرابات الحُكم، والاحتياجات الاقتصادية، والعلاقات مع المجتمع الغربي اقتصاديًا وسياسيًا ودبلوماسيًا.

لكن ذلك لم يُترجم بشكلٍ كافٍ لصالح الدبلوماسية "الإسرائيلية" التي وجدت نفسها منبوذة في مواجهة سطوة السياسة، والتأثير العربي على الدول الأفريقية في مؤتمر باندونغ عام 1955، الذي وضع "إسرائيل" بصرامة في موقع الوريثة للاستعمار الغربي وسياساته، ما حفّز الكيان على تبني سياسة خاصة لاستمالة أفريقيا ودولها بعيدًا عن التأثير العربي، وتُعيد تموقع "إسرائيل" السابق وتوسعه.

هكذا رُفعت أعداد المهاجرين اليهود من الدول الأفريقية إلى "إسرائيل"، وانطلق ممثلوها في جولات استمالة جديدة مع الدول المستقلة حديثًا عبر البعثات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، والزيارات الرسمية للوزراء ورؤساء الأركان، خلال الأعوام 1957 وحتى 1960، الذي عُرف في الدبلوماسية "الإسرائيلية" بعام أفريقيا، لتتويجه اختراقًا دبلوماسيًا كبيرًا شمل الحصول على اعترافٍ بالكيان من دولٍ جديدة، وافتتاح سفارات في دول أخرى، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وتقنية وثقافية مع المزيد من الدول، وعلى رأسها ليبيريا وغانا وغنيا ونيجيريا والسنغال وساحل العاج والنيجر وتشاد والغابون وأنغولا والكونغو والموزنبيق.

لم يستمر ذلك طويلًا، إذ تسببت الحرب "الإسرائيلية"- العربية عام 1967، وما نتج عنها من انكشاف النوايا الاستعمارية التوسعية لـ"إسرائيل" بالتوازي مع فشل بعثاتها الاقتصادية والتنموية والدبلوماسية في تقديم القروض والإعانات وتلبية الاحتياجات التنموية في الدول الأفريقية، بالإضافة لتدخلها العميق في السياسات الداخلية وتشجيعها الحركات الانفصالية وتعاونها مع أنظمة الفصل العنصري، ما أعاد العلاقات إلى نقطة البداية، يتوصيف "إسرائيل" باعتبارها متواطئة مع الاستعمار معادية للحرية.

هذه العودة جاءت في وقتٍ انطلقت فيه المساعي الفلسطينية لاختراق الدول الأفريقية لصالح القضية الفلسطينية، عبر منظمة التحرير الفلسطينية، وجولاتها المكوكية على الدول المناهضة للاستعمار في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، مسهمةً بتحول الخطاب الأفريقي عبر منظمة الوحدة الأفريقية لصالح دعم الدول العربية في حروبها ضد الكيان، وبالترحيبٍ بمنظمة التحرير الفلسطينية، واعتبارها امتدادًا للفكر النضالي، والكفاح العابر للقارات ضد الأنظمة العنصرية، ليصحب ذلك موجات قطع العلاقة مع الاحتلال، التي افتتحتها غينيا عام 1972، ومن ثم تشاد ومالي والنيجر والكونغو وبوروندي والكونغو الديمقراطية وتوجو.

في الواقع، لم تكن العلاقات الأفريقية –"الإسرائيلية"، دائمة الثبات، فطالما استخدمت "إسرائيل" احتياجات الدول الأفريقية، وسعيها نحو التنمية وامتلاك التقنيات المتقدمة، والانفتاح على العالم الغربي، والتجاهل العربي لاحتياجاتها وشؤونها، كمدخلٍ لإعادة وصل ما انقطع من العلاقات.

بل إن كُلا من النزاعات الأفريقية الداخلية، واتفاقيات السلام العربية – "الإسرائيلية"، التي بدأت من مصر عام 1979، مرورًا بمنظمة التحرير الفلسطينية واتفاقية أوسلو، ومن ثم الأردن، وأخيرًا اتفاقيات السلام الإبراهيمي، استُخدمت لصالح التغلغل السياسي والدبلوماسي "الإسرائيلي" في أفريقيا، وانعكس تاليًا على مواقف هذه الدول في المحافل الدولية والأمم المتحدة، لصالح "إسرائيل" مباشرةً، أو من خلال الامتناع أو التغيب عن التصويت، على عددٍ من القرارات الدولية الحاسمة والمتعلقة بالقضية الفلسطينية، ما اعتُبر تذبذبًا في المواقف الأفريقية بين الـ "مع" والضد.

هذا التذبذب بلغ مداه بُعيد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين وصلت القضية الفلسطينية إلى مرحلة فاصلة يخوض فيها الفلسطينيون نضالهم عُزلًا، إلا من الأظافر والعين التي تُنافح المخرز، والصمود الذي يقف في وجه الإبادة، بينما تتراجع مظلة العدالة الدولية شيئًا فشيئًا، تاركة الصدارة لخطاب العلاقات والمصالح أن يحكم المشهد.

من هنا، تتبع السطور التالية تاريخ تحولات التصويت الإفريقي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية حتى بُعيد السابع من أكتوبر، وتكشف أسباب تشتته وتذبذبه، وانعكاس ذلك على خارطة الدعم الإفريقي وما يعنيه ذلك من تشرذم لأهم ساحات الإسناد لفلسطين في القلب الإفريقي.

تاريخ من التذبذب

قبل أن يكتمل العقد الأول لإنشاء دولة الاحتلال عام 1948 على أرض فلسطين، كانت الدبلوماسية "الإسرائيلية"- الأفريقية، قد افتُتحت عبر إثيوبيا عام 1956، ومن ثم غانا وأوغندا خلال 1957، ثم خلال الستينيات استطاعت إقامة علاقات مع أكثر من 30 دولة أفريقية، مستفيدة من دبلوماسية التنمية، ومطلقة وكالة التعاون الدولي "الإسرائيلية" في أفريقيا (MASHAV)، بهدف تطويق النفوذ العربي جغرافيًا واقتصاديًا وسياسيًا.

تاليًا، خلال الحروب "الإسرائيلية" العربية المتتالية، ما بين نكسة 1967 وحصار النفط العربي وحرب أكتوبر 1973، وبفعل تنامي العلاقات العربية الأفريقية، قطعت معظم الدول علاقاتها مع الكيان، وتراجع حضورها الدبلوماسي إلى حده الأدنى، مقابل صعود خطابٍ داعم لفلسطين وحركات التحرر، لتتحول أفريقيا في عين الدبلوماسية "الإسرائيلية" من حليف ثابت إلى ساحة صراع على النفوذ مع الدول العربية.

إن سلوك الدول الأخرى في ممارسة الحياد الدبلوماسي، عبر امتناعها عن التصويت أو التغيب عنه، جاء أيضًا انسجامًا مع الحق الفلسطيني في بعض القرارات الأممية الكبرى، وبما لا يضعها في خانة الضد، ولا يمس بحفاظها على علاقات متوازنة مع أطرافٍ أخرى

استمر الوضع على حاله، مدفوعًا بحراك منظمة التحرير الفلسطينية ونشاطها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، وفتحها لمكاتب تمثيل دبلوماسية في عواصم أفريقية عدة، بالتنسيق مع مؤسسة صامد التي اضطلعت في المساهمة بمشاريع اقتصادية في بلدان أفريقية مختلفة، حتى اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان، حين وجدت الأنظمة الأفريقية نفسها تقاطع "إسرائيل" من أجل مصر والدول العربية، فيما أقدمت مصر على تجاهل الدول العربية والأفريقية والذهاب نحو علاقات دبلوماسية وأمنية مع "إسرائيل".

هذا الانفصال المصري عن إجماع العداء العربي الإقليمي لـ"إسرائيل"، مكّن الأخيرة من العودة بسلاسة إلى أفريقيا، وطرح مشاريع وبرامج مشتركة، بدءًا من إثيوبيا وكينيا والكونغو وأوغندا، وحتى غانا وإريتريا وليبيريا، مقدمةً صفقات سلاح وتعاونًا أمنيًا عسكريًا يتيح للأنظمة العسكرية ترسيخ حكمها في مواجهة الانقلابات المتكررة، فيما افتتحت "إسرائيل" مكاتب تجارية لها لتطوير التبادل التجاري مع الدول الأفريقية، مطلقةً مستوى آخر من التبادل الصناعي والاقتصادي والتنموي، شمل تأسيس صناعات زراعية، ومزارع للدواجن والماشية، وشركات النقل البحري، وشركات الطيارات، إضافة للمساهمة في تطوير البنى التحتية من قبيل بناء مطار العاصمة في غانا، وإقامة الجامعة الوطنية في إثيوبيا، والإسهام في مشفى مصوع في إريتريا.

اللافت أن التغلغل "الإسرائيلي" في أفريقيا، قبيل الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، لم يمنع العديد من الدول الأفريقية من الاعتراف السريع بإعلان قيام الدولة الفلسطينية عام 1988، حيث سارعت 20 دولة للاعتراف بإعلان منظمة التحرير الفلسطينية، منها؛ غانا والكونغو وأنغولا وأثيوبيا وكينيا وناميبيا وموزمبيق وتشاد وسيراليون وغيرها من الدول التي امتلكت علاقات وثيقة مع "إسرائيل" في حينه. كما دعمت القضية الفلسطينية عبر إدانة الانتهاكات الإسرائيلية في جلسات المحافل الدولية، فيما اعتُبرت القضية الفلسطينية حينها جزءًا من قضايا التحرر الوطنية الأفريقية.

وهو ما تواصل حتى بُعيد اتفاقية أوسلو، وخلال الانتفاضة الثانية (2000-2005)، حين أجمعت الدول الأفريقية على الدعوة لوقف العنف وإنهاء الاحتلال، ودعم كامل الحقوق الفلسطينية في اجتماعات الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي، وتقديم موقفٍ أفريقي يحظى بإجماعٍ "كبير" ضد السياسات "الإسرائيلية" القمعية.

المرحلة الأخيرة في هذا التضامن، بدأت نهاية الألفية الحديثة، حين خضع الاستقرار السياسي في عددٍ من الدول العربية لامتحان الإرادة الشعبية، ما تسبب في انعدام الاستقرار وغياب وحدة الموقف العربي حول العديد من القضايا العربية والأفريقية، وأنتج تشرذمًا عربيًا تجاه القارة وقضايا دولها وشعوبها، بالتوازي مع تقارب عربي "إسرائيلي" عبر التطبيع والتفاهمات غير المعلنة، أضعف محورية القضية الفلسطينية، وأتاح للدول الأفريقية البحث عن مصالحها في العلاقة مع الكيان، ومع الولايات المتحدة، على حساب الصالح العربي والفلسطيني، وهو ما استثمرته "إسرائيل" في زيادة تمترسها في القارة، عبر دعم الأنظمة الاستبدادية، وخلق حصارٍ إقليمي جيوسياسي على الدول العربية الأفريقية، وخاصة مصر والسودان والجزائر، التي تصدرت دعم القضية الفلسطينية ومساندتها في حينه.

انعكس هذا الاستثمار على التحالفات السياسية للدول الأفريقية، ليفرز تغييرات سياسية واستراتيجية داخل القارة، دفعت بعض الدول لالتزام مواقف الحياد، وأخرى للدفاع عن علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع "إسرائيل" والدول الغربية، ما أنتج تضامنًا مشتتًا، أقل وحدة وتجانسًا واستمرارية لصالح الفلسطينيين مما كان في الماضي.

في أروقة الأمم المتحدة

على العكس من الدول الغربية التي حافظت على دعمٍ ثابت لـ"إسرائيل"، ظلت روح التحرر ومناهضة الاحتلال حاضرة بين الدول الإفريقية، خاصة فيما يتعلق بمواقفها الأممية من القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية، رغم مراوحة مواقفها في الأمم المتحدة، بين الموافقة أو الامتناع عن التصويت والتغيب في بعض القرارات.

ففي معظم قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحقوق الفلسطينية وحق تقرير المصير، وبقرارات لجنة حقوق الفلسطينيين، منذ الانتفاضة الأولى عام 1987 وحتى قبيل السابع من أكتوبر، حافظت غالبية الدول الأفريقية على تصويتها لصالح مشاريع تحيي الحقوق الفلسطينية، ومساعي التحرر من الاستعمار، ومناهضة الفصل العنصري والتمييز، حتى بين تلك الدول التي احتفظت بعلاقات دبلوماسية مع الاحتلال، مثل: كينيا وتنزانيا والنيجر ونيجيريا وغانا، ما يؤكد استمرارية التضامن الأفريقي الكلاسيكي مع النضال الفلسطيني، المرتبط بالذاكرة التحررية المشتركة.

ليس ذلك فحسب، بل إن سلوك الدول الأخرى في ممارسة الحياد الدبلوماسي، عبر امتناعها عن التصويت أو التغيب عنه، جاء أيضًا انسجامًا مع الحق الفلسطيني في بعض القرارات الأممية الكبرى، وبما لا يضعها في خانة الضد، ولا يمس بحفاظها على علاقات متوازنة مع أطرافٍ أخرى (إسرائيل، الدول الغربية)، مثل: الكاميرون وأوغندا ورواندا وإثيوبيا ومالاوي وتشاد، التي حرصت على التوازن بين التضامن التاريخي مع فلسطين والمصالح الدبلوماسية لها بطرقٍ حذرة.

هذه الفجوة بين الدعم والضد، التي تحققها مواقف الدول الممتنعة أو الغائبة تجاوزت مجرد التحول في المواقف إلى تأكيد العلاقة الخاصة بالقضية الفلسطينية، خاصة عندما تمثل هذه المواقف تراجعًا عن تصويت بالضد في بعض القرارات لصالح الامتناع أو الغياب، ما يجعل من الصعب تحديد الموقف الرسمي للدول بصورة كاملة، وإحالة التذبذب لاعتبارات دبلوماسية داخلية، أو رغبة في تجنب التوتر مع شركاء اقتصاديين وسياسيين غربيين.

نمط التنقل بين الامتناع والغياب ساد طويلًا بين الدول الأفريقية التي جمعتها علاقات دبلوماسية بـ"إسرائيل"، فيما واصلت قاعدتها الشعبية وامتداداتها الرسمية دعم الفلسطينيين، ورغم انتهاء الفترة الذهبية لشبه الإجماع الأفريقي على الحق الفلسطيني في الأمم المتحدة، وتقلصه نتيجة عوامل مختلفة، منها العلاقات الاستراتيجية والأمنية مع "إسرائيل" والضغوط الاقتصادية والسياسية من القوى الغربية، وتراجع التجانس داخل دول الاتحاد الأفريقي تجاه بعض الاستفتاءات الدولية، إلا أن روابط التضامن ظلت قائمة.

لم تكن العلاقات الأفريقية –"الإسرائيلية"، دائمة الثبات، فطالما استخدمت "إسرائيل" احتياجات الدول الأفريقية، وسعيها نحو التنمية وامتلاك التقنيات المتقدمة، والانفتاح على العالم الغربي، والتجاهل العربي لاحتياجاتها وشؤونها، كمدخلٍ لإعادة وصل ما انقطع من العلاقات

فمن أصل 54 دولة أفريقية، تعترف 52 دولة من دول القارة بدولة فلسطين، ما يعني أغلبية ساحقة مقابل دولتان فقط مرتبطتان بتحالفات وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب، أو بعلاقات أمنية مباشرة مع "إسرائيل"، رغم ذلك فإن التباين بين العدد المرتفع من الدول المعترفة قانونًا بدولة فلسطين والتردد السلوكي التصويتي قد يفسر أحيانًا باعتباره اقترابًا من "إسرائيل" على حساب فلسطين، لكنه على الأرض ليس تراجعًا في شرعية الأخيرة، وإنما تأكيدًا لعدم القدرة الإسرائيلية على السيطرة سياسيًا ودبلوماسيًا على القارة، وأن التراجع مرتبط باعتماد الأمن كركيزة أفريقية، لا كقناعة سياسية.

يؤكد ذلك مواقف الدول الأفريقية في أروقة الأمم المتحدة خلال الفترة 2023-2025، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023 دعت أغلبية دول القارّة إلى وقف إطلاق النار في غزة، حيث صوت 41 دولة لصالح الهدنة مقابل 6 امتنعت، ولم يصوّت أي بلد إفريقي ضد.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى وقف فوري للقتال، وصوت 37 دولة بالقارة لصالح القرار، مقابل امتناع 6 فيما صوتت دولة واحدة ضد القرار، هي ليبيريا. وفي مايو/آيار 2024 صوتت الجمعية العامة لصالح قرار يدعم طلب فلسطين للحصول على عضوية كاملة، وإعادة إحالة الطلب إلى مجلس الأمن، بتأييد كامل الدول الأفريقية المشاركة بالاجتماع.

أجازت الجمعية العامة في سبتمبر/أيلول 2024 ، قراراً بإنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" بفارق كبير (124 صوتاً مقابل 14 ومعارضة 43 امتناعًا)؛ وصوت 35 دولة أفريقية مع القرار، بينما امتنعت 7 دول فقط (الكاميرون، الكونغو الديمقراطية، إثيوبيا، كينيا، ليبيريا، رواندا، جنوب السودان) وصوتت مالاوي ضده.

بعدها بعامٍ واحد، وفي سبتمبر/ أيلول 2025، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة "إعلان نيويورك" بشأن تسوية قضية فلسطين سلميا، وتنفيذ حل الدولتين، حظي بإجماع معظم الدول الأفريقية، وامتناع الكونغو وإثيوبيا وإريتريا والكاميرون وجنوب السودان.

إن التباين بين العدد المرتفع من الدول المعترفة قانونًا بدولة فلسطين والتردد السلوكي التصويتي قد يفسر أحيانًا باعتباره اقترابًا من "إسرائيل" على حساب فلسطين، لكنه على الأرض ليس تراجعًا في شرعية الأخيرة، وإنما تأكيدًا لعدم القدرة الإسرائيلية على السيطرة سياسيًا ودبلوماسيًا على القارة

وخلال التصويت التاريخي في ديسمبر/كانون الأول 2025، على حق تقرير المصير الفلسطيني، صوتت 26 دولة أفريقية من أصل 40 حضرت لصالح القرار الذي جرى في سياق إجراءات محكمة العدل الدولية، بينما رفضته كل من الكاميرون وجنوب السودان، ما يؤكد أن الإرث التحرري الجامع بين الدول الإفريقية والقضية الفلسطينية ظل دائمًا محافظًا على زخمه.

وعلى النقيض من ذلك، تذبذبت الدول المؤيدة لـ"إسرائيل" بين الامتناع والغياب أو الضد، وهو ما يظهر في انحسار معسكر الضد الأفريقي بكل من ليبيريا ومالاوي. أما الشريحة الأبرز والأكثر تمثيلًا لتحولات التصويت فهي فئة الدول المحايدة أو الممتنعة عن الحضور أو التصويت، والتي تركزت في معظم الأحيان بين دول غرب ووسط أفريقيا.

اللافت هُنا أن هذه الدول، مثل: كينيا وإثيوبيا ورواندا والكونغو ومالي والكاميرون وغامبيا، كانت قد صوتت في السنوات السابقة لصالح قرارات مؤيدة للفلسطينيين. قبل أن تجد نفسها ملزمة، بعد السابع من أكتوبر، بالامتناع عن الخوض في استحقاقات قد تثير حولها ضغوطًا خارجية أو خلافات داخلية، لا سيما وأن الأنظمة الحاكمة لها عسكرية وتتصف بهشاشة في التعامل مع القضايا الساخنة، ما يدفعها لاختيار الحياد وتجنب المواقف ذات الكلفة المرتفعة.

بالمحصلة، يظهر أن التحول الأكبر في السلوك التصويتي الأفريقي يتمثل في توسع كتلة الامتناع وانتشارها بين الدول الأفريقية، مقارنة بفترات سابقة، ورغم أن هذا التحول لا يعني اليوم رفضًا صريحًا لحقوق الفلسطينيين أو تجاهلًا للذاكرة والإرث التحرري، إلا أنه يعني أن الروابط الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية استطاعت أن تؤثر على الإجماع الأفريقي لصالح فلسطين، وأن تضعفه وتخضعه للتردد والحياد بدلًا من حمايته وتوسيعه، وهي خطوة بالغة الخطورة على مستقبل التضامن الأفريقي مع القضية الفلسطينية، خاصة في ظل غياب استراتيجية فلسطينية- عربية طويلة الأمد للحفاظ على أفريقيا، واستمرار السياسة "الإسرائيلية" في اختراقها واستقطاب أنظمتها لصالح لحظة يتحول فيها الامتناع إلى ضد.