الأحد 7 يونيو 2026
في حدث بدا أشبه باحتفال وطني في البلاد، استقبلت الصومال، بحضور كبار مسؤوليها، في 10 أبريل/نيسان الجاري سفينة الحفر التركية "تشاغري بيه"، المكلّفة بتنفيذ مهمة حفر الغاز قبالة السواحل الصومالية، قبل أن تتوجه لاحقا إلى موقع العمل للشروع في مهمتها التي يُتوقع أن تستغرق نحو تسعة أشهر، مما أعاد إلى الواجهة في الشارع الصومالي النقاش حول الاختلالات في الاتفاقيات المبرمة بين البلدين في هذا الملف، وما قد تحمله من فرص ومخاطر للبلاد.
جاء إرسال سفينة "تشاغري بيه" بعد أن استكملت نظيرتها "عروج ريس" العام الماضي عمليات المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد، التي أجرتها في ثلاث مناطق تمتد على مساحة 15 ألف كيلومتر مربع قبالة سواحل وسط البلاد، حيث جمعت بيانات أظهر تقييمها وجود احتياطيات قابلة للاستغلال التجاري، وهو ما شجّع البلدين على المضي في المشروع والانتقال إلى مراحله اللاحقة، وفي مقدمتها بدء عمليات الحفر.
في إشارة إلى كونه الأول من نوعه في البلاد، أطلقت الصومال على الحقل الذي تبدأ السفينة التركية أعمال حفره اسم "عُرد 1"، أي المولود الأول، ويقع في المياه الواقعة بين منطقة مريغ ومدينة حرر طيري، على بعد نحو 350 كيلومترًا شمال العاصمة مقديشو، ونحو 250 كيلومترًا من الساحل، وفق ما أعلنه وزير البترول والمعادن الصومالي طاهر شرى محمد.
ولا تقتصر المهمة على سفينة "تشاغري بيه" وحدها، بل تُنفذ ضمن أسطول متكامل يضم سفنًا مخصصة لنقل العاملين، وتوفير الإمدادات، والمساندة الفنية، إلى جانب تأمين محيط موقع الحفر، ما يجعل موقع الحقل أشبه بمدينة صغيرة في عرض البحر؛ إذ يصل عمق الحفر إلى نحو 7500 متر، ويشمل ذلك عمق المياه والطبقات الأرضية الواقعة تحت قاع البحر، وهو ما يعكس حجم التعقيد التقني والفني وارتفاع كلفة المشروع.
إن الشكوك والمخاوف لا تتعلق برفض استغلال الموارد الطبيعية للبلاد أو التعاون مع تركيا، بقدر ما ترتبط بغياب الشفافية والتوافقات الوطنية، وعدم طرح الاتفاقية على المؤسسات المعنية بها
في ظل ما سبق، لا يُستبعد أن تخطط أنقرة، بعد إنجاز المراحل الأولى التي تُعد تجريبية، للاستعانة بشركات أو جهات دولية مهتمة بالاستثمار في مشاريع الغاز والنفط، للمساهمة في استكمال المشروع مقابل منحها حصة من عوائد الإنتاج. يعزز هذا الاحتمال الاتفاق الذي جرى مؤخرًا بين شركة النفط التركية "TPAO" وشركة إكسون موبيل الأمريكية في ملفات تنقيب مرتبطة بالبحر الأسود وشرق المتوسط ومناطق أخرى.
ومع أن الوقت لا يزال مبكرًا لانكشاف كامل تفاصيل العملية، فإن دخول طرف ثالث قد يكون على حساب الصومال، حتى وإن كان ضروريًا من الناحية الهندسية والتقنية، بسبب تقاسم العوائد بين ثلاثة أطراف بدلا من طرفين، ما قد يقلص الحصة المفترضة لمقديشو، خاصة في ظل ما تعانيه من ضعف مؤسسي وفني، والذي قد ينعكس سلبًا على قدرتها التفاوضية في تقاسم الإنتاج.
ورغم زخم مقديشو وتأكيداتها المتكررة بقرب إنتاج الغاز واستغلال الموارد الطبيعية للبلاد، فإن الخبراء يرون أن الوصول إلى مرحلة الإنتاج والتصدير لن يكون سهلًا. وقد يتطلب فترة تتراوح بين ثلاث وسبع سنوات؛ إذ تمر العملية بثلاث مراحل، تبدأ باستكمال الاستكشاف عبر حفر الآبار التجريبية التي تتمثل في هذه المهمة، ثم تقييم حجم الاحتياطيات وجدواها التجارية، وأخيرًا تجهيز البنية التحتية اللازمة للإنتاج وفتح قنوات التصدير إلى الخارج.
وبشكل عام، تمثل هذه المهمة خطوة لافتة في مسار استغلال الصومال لثرواته الطبيعية، لكنها في الوقت نفسه اختبار حقيقي لقدرة البلاد على إدارة مواردها الناشئة بكفاءة وشفافية، حيث يبدو أن نجاحها سيظل مرهونًا بحسن التفاوض، وبناء المؤسسات، وتجهيز البنية القانونية والإدارية لهذا الملف، بما يضمن تحوّل الثروة المحتملة إلى مكسب وطني، لا إلى مصدر جديد للتجاذبات والفوضى.
مع حرص الحكومة الفيدرالية على إخفاء نص الاتفاقية وعدم عرضه على البرلمان الفيدرالي، المؤسسة المخوّلة قانونيًا بالنظر في الاتفاقيات الدولية وإقرارها، أثار تسريع الخطوات التنفيذية للاتفاقية، وتحويلها إلى واقع عملي موجة انتقادات وتشكيك في نزاهتها من سياسيين، وقطاعات مختلفة في الشارع الصومالي؛ إذ طعنت اللجنة البرلمانية لشؤون حماية الثروة الطبيعية والبيئة في قانونية الاتفاقية، مؤكدة أنها تخالف قوانين البلاد وتقوض ثقة المواطنين بمؤسسات الحكم، وداعية إلى إحالتها للبرلمان للنظر فيها.
ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، إذ وصل الأمر ببعض أعضاء البرلمان إلى وصف تركيا بأنها "قرصان للموارد الطبيعية للبلاد"، معتبرين أن أنشطة الاستكشاف والحفر التي تنفذها السفن التركية في المياه الصومالية تفتقر إلى الشرعية في ظل عدم نشر نص الاتفاقية، ما يجعلها في نظرهم تعديًا على الموارد الوطنية.
قد يتحول المشروع إلى عبء على البلاد بدلا من أن يكون رافعة اقتصادية وتنموية لها، إذ تُظهر تجارب دول أفريقية عدة أن استخراج الثروات الطبيعية عبر اتفاقيات خارج الأطر القانونية والتنظيمية والتوافق الوطني لم ينعكس نفعًا على الشعوب
عزّزت هذه الشكوك بعض التسريبات بشأن بنود الاتفاقية التي ظهرت إلى العلن، ومن بينها حصول تركيا على 90٪ من العوائد مقابل 10٪ للصومال خلال مرحلة استرداد تكاليف التشغيل، رغم أن الحكومة الفيدرالية بررت ذلك بأنه يخص فترة استعادة تركيا لتكاليف التشغيل، على أن يعقبها اتفاق أكثر وضوحًا وعدالة لتقاسم الإنتاج بين الجانبين، مؤكدة أن بلادها لم يخسر شيئًا في المشروع الذي تُقدَّر كلفته بنحو 300 مليون دولار، بينما يتحمل الجانب التركي تلك التكاليف ويخسرها في حال عدم نجاح المشروع في استخراج الموارد.
يعزو عبد الرحمن عبد الشكور، النائب في البرلمان الفيدرالي والسياسي المعارض، المخاوف المرتبطة بالاتفاقية إلى توجيه الجزء الأكبر من العوائد إلى طرف واحد، دون وجود نظام ضريبي واضح أو التزامات باستثمارات اجتماعية ملموسة، إضافة إلى غياب ضمانات تتعلق بتوظيف الصوماليين، أو إشراك الشركات المحلية، أو نقل الخبرات، فضلًا عن غياب الشفافية، وعدم التشاور مع الولايات الإقليمية، وعدم عرض الاتفاقية على البرلمان الفيدرالي.
بفعل نشاطها الإنساني والتنموي، إلى جانب التعاون العسكري والدبلوماسي الفاعل، بنت تركيا في الصومال سمعة إيجابية خلال العقدين الماضيين، لكن طريقة إدارة هذه الاتفاقية أثارت علامات استفهام حول ما تسعى إليه أنقرة، خاصة مع تزايد المؤشرات بشأن عدم حيادية الاتفاقية واختلال التوازن فيها، ومنها تسريبات تحدثت عن اعتماد المحاكم التركية للفصل في النزاعات المحتملة، وهي نقطة تحفظ وزير البترول والمعادن الصومالي عن التعليق عليها.
وفي ظل ما سبق، يبدو أن الشكوك والمخاوف لا تتعلق برفض استغلال الموارد الطبيعية للبلاد أو التعاون مع تركيا، بقدر ما ترتبط بغياب الشفافية والتوافقات الوطنية، وعدم طرح الاتفاقية على المؤسسات المعنية بها، وهو ما يعزز الانطباع بوجود انحياز لصالح طرف واحد، أو ارتباطها بأشخاص بعينهم بدلًا من أن تكون محكومة بإطار مؤسسي واضح.
وبعيدًا عن الزخم الشعبي والترويج الرسمي الذي يحظى به المشروع، وكذلك الانتقادات المتزايدة بشأن الخلل والمخالفات القانونية التي تحيط بالاتفاقية، يظل الملف مفتقرًا إلى توافقات محلية واضحة بشأن آلية تقاسم عوائد الثروات الطبيعية، إذ لا يوجد إطار توافقي مُحدَّث بعد ما يُعرف باتفاقية بيدوا الموقعة عام 2018 بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، والتي لم تعد بعض الولايات تعتبرها مرجعية ملزمة، مما يجعل المشروع متأرجحًا بين الفرص والمخاطر، وتبقى نتائجه مرهونة بطريقة إدارته والتعامل معه.
إن دخول طرف ثالث قد يكون على حساب الصومال، حتى وإن كان ضروريًا من الناحية الهندسية والتقنية، بسبب تقاسم العوائد بين ثلاثة أطراف بدلا من طرفين، ما قد يقلص الحصة المفترضة لمقديشو
وتكمن الفرص في إتاحة المجال أمام الصومال لاستغلال موارده الطبيعية التي ظلت لعقود رهينة التقديرات والادعاءات دون استثمار فعلي، بما قد يسهم في إنعاش الاقتصاد، وزيادة إيرادات الدولة، وفتح مسارات تنموية مستدامة، إلى جانب تقليص الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية، وتعزيز قدرة الدولة على بناء مؤسساتها، وبسط سلطتها، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار، فضلًا عن خلق فرص عمل تحد من البطالة والفقر، اللذين يشكلان أحد أبرز دوافع الاضطرابات الأمنية والسياسية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد منذ عقود.
وفي المقابل، تبرز مخاطر لا تقل حجما، تتمثل في احتمال تحول المشروع إلى مصدر جديد للخلافات والصراع الداخلي بدلا من أن يكون بوابة للتنمية، بسبب الخلل والمخالفات القانونية التي تشوب الاتفاقية، وما يعزز ذلك من هشاشة مؤسسات الدولة، وضعف استقلال القضاء، وانتشار الفساد والمحسوبية وسوء استخدام السلطة، فضلًا عن غياب التوافقات اللازمة بشأن تقاسم العوائد في مثل هذه المشاريع.
وفي مثل هذه البيئة، قد يتحول المشروع إلى عبء على البلاد بدلًا من أن يكون رافعة اقتصادية وتنموية لها، إذ تُظهر تجارب دول أفريقية عدة أن استخراج الثروات الطبيعية عبر اتفاقيات خارج الأطر القانونية والتنظيمية والتوافق الوطني لم ينعكس نفعًا على الشعوب، بل أصبح رهينة لاستغلال الجهات المنخرطة في استثماره أو فئات وطنية محدودة، مما قاد في بعض الحالات إلى صراعات وفوضى مزمنة.
وفي المحصلة، تبدو الشفافية، والإدارة الرشيدة، وحسن التفاوض مع المستثمر، وإيجاد التوافق الوطني الجامع، هي المعيار الحاسم لنجاح المشروع لضمان نجاح المشروع، لا الوعود الاقتصادية ولا حجم الاحتفاء به، إذ تشكل هذه الأسس السبيل الوحيد لمنع تحوله إلى مصدر جديد للأزمات والانقسامات، وبناء شراكة مستدامة تحقق تنمية اقتصادية مشتركة ومصلحة متبادلة بين البلدين.