تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

ثرثرة على دخان السجائر

12 نوفمبر, 2025
الصورة
ثرثرة على دخان السجائر
Share

قبل أن أَدلف إلى الكتابة، أستدعي قلمي، ولا سيّما سيجارتي وفنجان قهوتي، وهكذا أفعل في كل الليالي. يظن البعض أنّ السيجارة تأتي بوحي الكتابة، ويُضيف أحدهم أنّ معظم الكتّاب الكبار لا تفارق السيجارة أناملهم. غير أنّ الحقيقة أن لا علاقة للسيجارة بالإبداع، ولو كان الأمر كذلك لكان كل مدخّن كاتبًا فذًّا.

‎لديّ أصدقاء كثر، فيهم الشعراء والقصّاصون والروائيّون والنقّاد، لكن أكثرهم لا يتعاطون شيئًا من هذا القبيل. إنّها كذبة كبرى، ككذبة أبريل/ نيسان، ومن كرامة الأدباء أن أكشف لكم هذه الحقيقة. فالفكر والفن والأدب رسالة إنسانيّة مقدّسة، تُحطّم بعضًا من أصنام العادات الاجتماعيّة، كما تُعيد تشكيل الرؤى من جديد.

‎الآن، على طاولتي بقايا سيجارة دخنتها قبل عامين؛ أي قبل أن تولد ابنتي تمر النيل. كنتُ قد وعدتُ شريكة حياتي أن أفطم نفسي عن التدخين بعد الزواج، وقد وفيتُ بوعدي، فأنا وفيٌّ للناس، ولأصدقائي الأحياء منهم والأموات. لا أحبُّ العواطف المزيّفة، لكنّني أؤمن بالاعتدال في العلاقات.

المجتمع الذي تربّى على سفك الدماء، حتى إدراكه للحياة يصبح محدودًا، كمن اعتاد زيارة المقابر، فهو ميتٌ وإن كان حيًّا، لا يتذوّق لذّة الحياة

‎يا ناندي، إنّي شديد التعلّق بالذكريات، شديد الحب للبلاد والعباد. دثّريني بحضنكِ، فقد أنهكني موتُ أبناء وطني، ودماؤهم التي تنساب كل يوم إلى الوديان. دثّريني، لنُواصل ما انقطع من حديثنا. وحديثي معكِ لم ينفد، كما قلتُ لك في نصوص سابقة. فصوتُ قلمي ثرثارٌ أجوف. أكتب لأتلمّس كوامن النفوس، فالحروف والكلمات والمفردات التي أنسجها بصمت مفعم، هي ما تجعلني أتمسك بالحياة أكثر.

‎ناندي، أنا تانجو إن لم تعرفيني. هكذا أسميتُ نفسي بعد أن تفتّحت عيناي على الحياة. غير أنّ أمي سمّتني [عبدَ المحب} قبل أن أُولَد، فالأمّ أدرى بابنها من الأب، إذ شعرت قبل ميلادي بأنّي سأولد رجلًا ذا شأن.

‎وحين كبرتُ سألتها: "كيف عرفتِ يا أمي أنّي سأكون رجلًا ذا شأن؟" فلم تجب، لكنّ نظرتها يومئذٍ كانت تقول: "ذاك شأن النساء، لا دخل لكم به أنتم الرجال". غير أنّ الطبّ اليوم قد تطوّر إلى درجةٍ يُمكِّن للمرء أن يختار ما يريد: ذكرًا أم أنثى. ‎

هكذا أنا منذ عنفوان شبابي، كثيرُ السؤال، مولعٌ بالإجابات المفرطة. أتذكّر أنّي في السادسة من عمري سألتُ أبي يومًا: "ماذا تفعل الريح حين لا تهب؟"، فسكت طويلًا ولم يجب. كما قلتُ لكِ يا ناندويتي، لقد سمّتني أمي قبل ميلادي عبد المحب، وأنا حقًّا المحبّ الصامت… لكِ، ولبلادي. يا ليت لكِ رهافةٌ في الحسّ لتُدركي ما أقول.

إنّ نصوصي لا تخدم جيل الحروب، ولا جيل العسكر المؤدلج، ولا جيل الميليشيات المستبدّة ولا أطراف النزاع. بل تسطر حكاية الإنسان الذي ضاع بين رصاصتين، أكتب حكايته لكيلا ينسى ومن كتب حكايته سيظل هو أسطورة الكلام

‎ناندي، أنا أبتعد عنكِ وعنكم. أبتعد لا لأتجنّب رؤيتكم، بل لأجعلكم ترونني عن بعد. كان لابدّ لي أن أرحل عن وطني دون سابق إنذار، أن أبتعد مسافاتٍ طويلة، مسافات في الجسد، والروح والأرض والمناخ والهواء. كان لا بد أن أعيش وأتذوّق مرارة الغربة، ولذّة الوحدة، ووحشة الاغتراب، كي أُلملم شتات نفسي، فأعود إليها… ثم أعود إليكم.

أنا تانجو، ككل البشر، أحبّ نفسي أكثر منكم. هناك شيء فيّ أحبّه وأكرهـه أكثر مما ينبغي. وهكذا أنا ومعظم الرجال يحبون الحياة، ويلتصقون بها كالتصاق النهد بصدر عذراء. وأعرف بعض الرجال لديهم عفويّة مفرطة، كعفويّة الأطفال. لأرجع إليك مجدداً، وابدأ بإسمك يا ناندي. أنا ربيع مدفون تحت الجليد وفي داخلي حياةٌ وأمل، لكنّهما مكبوتان تحت قسوة الظروف وضراوة الحروب. كيف أعبّر لكِ عن روحٍ تحمل الربيع في أعماقها، لكنها أسيرةُ ببردِ الشتاء؟

‎ناندي، أنا لا أنتمي إلى هذا العالم الدموي الذي يقتل النساء، ويسفك دماء الأطفال، ويقذف المنازل. لديّ عالمٌ خاص، عالمٌ افتراضيٌّ أعيش فيه ومعه. لم أستطع أن أنطوي مع هذا العالم العسكريّ المجبول على القسوة والدم. لكن هذا لا يعني أنّ العالم كلَّه قبيح، ربما نفسي هي التي لا تستقيم مع مجتمع عسكري يفكّر بالسلاح، وينتصر بالسلاح، مجتمع لا يعرف لغةً سوى لغةِ السلاح. ‎المجتمع الذي تربّى على سفك الدماء، حتى إدراكه للحياة يصبح محدودًا، كمن اعتاد زيارة المقابر، فهو ميتٌ وإن كان حيًّا، لا يتذوّق لذّة الحياة.

‎أنا تانجو، أنتمي لدولةٌ فقدت ذاكرتها وبصيرتها. ففي كل عقدٍ من الزمان تأتي بتعريف جديد للزول السودانيّ. يتبدل مفهوم الزول السوداني بتبدّل الطبقات الحاكمة. وكلّ مجتمع يرسم صورةً ذهنية خاصة عن الشخصية السودانية. الانتماءات الوطنية والهوية السودانية تتغيّر بتغيّر المصالح، حتى غدت المصلحة فوق الذات السودانية. ولهذا علينا أن نضع تعريفًا دقيقًا لمعنى الزول السوداني، وأن نتوافق على معنى كلمة سوداني نفسها. وإلا سننتج في كلّ عصر تعريفًا جديدًا، وفق ما يقتضيه الدوامة السياسية وقتها.

أنا ربيع مدفون تحت الجليد وفي داخلي حياةٌ وأمل، لكنّهما مكبوتان تحت قسوة الظروف وضراوة الحروب. كيف أعبّر لكِ عن روحٍ تحمل الربيع في أعماقها، لكنها أسيرةُ ببردِ الشتاء؟

هناك سؤال يطرح نفسه، هل السودانية محصورة فيمن يعيش داخل حدود الوطن، أو من يحمل هويته فقط؟ كلا، فهناك آلاف الأشخاص تأثّروا وتشربوا من الثقافة السودانية، حتى أصبحوا سفراء لنا حيثما حلّوا وارتحلوا. وهؤلاء ينبغي أن ننظر إليهم بوصفهم سودانيين متطوّعين، امتدادًا جغرافيًّا ووجدانيًّا لفكرنا وثقافتنا وإرثنا المتنوّع المتناغم. علينا أن نستلهم فكرة جديدة، أن نسميها مثلاً "السودانية الجامعة " أو "البان-سودانيزم"، لنرمّم به شتاتنا الفكريّ. ولن يتحقّق ذلك إلا بإرساء دعائم السلام والأمن والاستقرار القوميّ السودانيّ.

‎دثّريني يا ناندي، فقد غدوت لا أسمع صوت العصافير، ولا قرير الماء، ولا حفيف الشجر، بل ألفت أذناي صوت الرصاص. ومن طبائع الأشياء أن يولد من رحم هذا الحرب والخراب أدب جديد، أسميه "أدب الحرب السوداني" فالبشر يكتبون ما يسمعون، وما يعيشون.

‎إنّ نصوصي لا تخدم جيل الحروب، ولا جيل العسكر المؤدلج، ولا جيل الميليشيات المستبدّة ولا أطراف النزاع. بل تسطر حكاية الإنسان الذي ضاع بين رصاصتين، أكتب حكايته لكيلا ينسى ومن كتب حكايته سيظل هو أسطورة الكلام. فأعلمي يا ناندي الصغرى، أنّي في ظلّ حربٍ داميةٍ كنت أكتب حكايات أجدادكم بأسطرٍ من وجع، وصفحاتٍ من أحاجي الحرب. بينما كان العالم الآخر مشغولًا بثورة الذكاء الاصطناعي.

فأعلمي يا كنداكة بلادي، كان هناك سودانٌ آخر يسكنني كل حينٍ، ولم أسكنه قطُّ يا أختاه. ولكن، من وراء الغمام، أرى أطفالًا في بداية النفق يترنّمون بأغنية الفنان سيد أحمد: "الأطفالُ يا فاطمةُ بغنّوا، والأفراحُ لا بدَّ أن ترجع. الأطفالُ يا بنيّة بغنّوا، الأفراح لا بدَّ أن ترجع."

سلامٌ لكِ من أصحاب اليمين، وسلامٌ لكِ من اليساريين، وسلامٌ لكِ من سودانٍ ينبض بحلم الحالمين. سلامٌ إلى سودانٍ سيزدانُ بتنوّع الشعب أجمعين. آمين، آمين، والحمدُ لله ربِّ العالمين. فأقِم يا دولةَ الاحترام بالاحترام، والحبَّ بالحب، والودَّ بالود، والفكرَ بالفكر. اصطفّوا واتفقوا حول بلادكم قبل أن تذهب ريحُكم.

المزيد من الكاتب