السبت 6 ديسمبر 2025
تثير محاولة إثيوبيا فتح منفذ بحري على البحر الأحمر توتراً متزايداً مع إريتريا وقلقاً في جيبوتي، وسط مخاوف من توظيف القومية العفرية كأداة صراع جديدة في القرن الأفريقي.
وتعيش إثنية العفر على امتداد متصل جغرافياً لكنه مقسّم سياسياً بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، بعد أن فرقتهم الحدود الاستعمارية قبل أكثر من قرن. هذا الانقسام أضعف حضورهم السياسي وجعلهم عرضة للاستغلال من العواصم الثلاث.
في هذا السياق، يصف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد حصول بلاده على منفذ بحري بأنه «مسألة وجودية» لدولة يفوق عدد سكانها 130 مليون نسمة لا تملك ساحلاً منذ استقلال إريتريا عام 1993. ويكرر أن فقدان إثيوبيا منفذها على البحر الأحمر «خطأ تاريخي» يجب تصحيحه عبر تفاهمات مع دول الجوار أو ترتيبات خاصة بالموانئ.
تقارير ميدانية تشير إلى تمركز جماعات معارضة إريترية من أصول عفرية داخل إقليم عفر الإثيوبي، بينها «منظمة عفر البحر الأحمر الديمقراطية» (RSADO) و«لواء نحمدو» و«جبهة الإنقاذ الوطني الإريترية». وأعلنت إحدى هذه الجماعات تخرج مقاتلين بعد تدريب عسكري، في خطوة تقول إنها موجهة لـ«دعم حقوق العفر» بينما تراها أسمرة محاولة إثيوبية لفتح جبهة ضغط غير مباشرة.
إلى جانب البعد العسكري، تتحرك أديس أبابا على المسار السياسي الداخلي عبر دمج النخبة العفرية في مؤسسات الحكم. فقد اندمج الحزب الوطني الديمقراطي للعفر في حزب الازدهار الحاكم، وتولت السياسية العفرية عائشة محمد وزارة الدفاع. وتقدم الحكومة هذه الخطوات على أنها تعزيز للاندماج الوطني، بينما يربطها منتقدون بتهيئة بيئة داخلية مساندة لمشروع الوصول إلى البحر.
على الضفة الأخرى، تنظر إريتريا إلى هذه التطورات بوصفها تهديداً مباشراً لسيادتها على موانئها، وفي مقدمتها عصب على البحر الأحمر. وتؤكد أسمرة أن وضع الحدود والموانئ حُسم بنهاية حرب الاستقلال ولا يمكن إعادة فتحه، متهمةً إثيوبيا بتبني نزعة توسعية تحت غطاء المطالبة بمنفذ بحري. وتحدثت مصادر دبلوماسية عن تعبئة لقوات الاحتياط الإريترية ورفع مستوى الجاهزية على الحدود المشتركة.
التوتر السياسي ترافق مع تبادل علني للاتهامات؛ إذ يتهم مسؤولون إثيوبيون إريتريا بتمويل جماعات مسلحة لإرباك الوضع الداخلي، فيما تتهم أسمرة جارتها بدعم «انفصاليين عفر» ومحاولة فرض أمر واقع جديد على البحر الأحمر.
ورقة العفر نفسها ليست موحدة. فالمجتمع العفري يعاني انقسامات داخلية بين من يرى في التقارب مع أديس أبابا فرصة لتعزيز النفوذ، ومن يخشى من استخدامهم كورقة تفاوضية يجري التخلي عنها لاحقاً. وبرزت هذه الانقسامات عندما انشق السياسي العفري البارز إبراهيم عثمان عليو واتجه إلى إريتريا مع أنصار له، احتجاجاً على تقارب الحكومة الإثيوبية مع عشائر عيسى الصومالية، الخصم التقليدي للعفر في مناطق متداخلة.
في جيبوتي، الحليف الاقتصادي الرئيس لإثيوبيا ومركز القواعد العسكرية الدولية، تتابع السلطات تصاعد الخطاب القومي العفري بقلق. فالبلاد تقوم على توازن حساس بين مجموعتي عيسى والعفر، وقد شهدت مطلع التسعينات حرباً أهلية شاركت فيها «جبهة استعادة الوحدة والديمقراطية» (FRUD) ذات القاعدة العفرية.
ومع اشتداد التجاذبات الإقليمية، نفذت جيبوتي في فبراير الماضي ضربة جوية استهدفت مجموعة مسلحة من العفر داخل الأراضي الإثيوبية، في رسالة تحذير ضمنية لأديس أبابا من مغبة تشجيع حركات عفرية مسلحة قرب الحدود. كما صعّدت ضغوطها السياسية عبر تشديد التعامل مع مهاجرين إثيوبيين وإرسال إشارات دبلوماسية بأنها قادرة على إعادة النظر في بعض تفاهماتها مع أديس أبابا.
داخلياً، يحذر محللون من أن توظيف القومية العفرية كأداة في السياسة الخارجية الإثيوبية قد ينعكس على تماسك النظام الفيدرالي القائم على قوميات متعددة، ويشجع مجموعات أخرى على إحياء مشاريع وحدوية أو انفصالية.
في المقابل، يؤكد مسؤولون إثيوبيون أن هدفهم هو الوصول إلى ترتيبات تعاقدية «عادلة» مع الدول الساحلية تضمن المصلحة المشتركة، ويتحدثون عن مسارات تفاوضية تشمل موانئ في الدول المجاورة ووساطات إقليمية. لكن خبراء في شؤون القرن الأفريقي يحذرون من أن أي خطأ في حسابات القوة أو سوء تقدير لردود الفعل الإريترية والجيبوتية قد يحول سعي إثيوبيا إلى منفذ بحري إلى شرارة صراع أوسع يعيد خلط أوراق المنطقة من جديد.