الأحد 9 أغسطس 2026
اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارًا يقضي بإجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات المرتكبة بمدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، في خطوة تعكس تصاعد القلق الدولي من تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في المدينة، مع تحذيرات أممية من احتمال تكرار السيناريو الذي شهدته مدينة الفاشر في دارفور العام الماضي. وجاء القرار خلال جلسة طارئة للمجلس في جنيف، حيث أدانت الدول الراعية للقرار تصاعد الهجمات على المدنيين، ودعت إلى مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وبحسب القرار، فإن التحقيق سيشمل الانتهاكات التي وثقتها بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، بما في ذلك مزاعم الإعدامات الميدانية، والاختفاء القسري، والتعذيب، والعنف الجنسي، والهجمات التي استهدفت المدنيين والمنشآت الحيوية في مدينة الأبيض ومحيطها. وأكد المجلس أن تدهور الوضع الإنساني يفرض تحركًا عاجلًا لمنع وقوع مزيد من الجرائم وحماية السكان المدنيين، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاق القتال في إقليم كردفان.
جاء اعتماد القرار بعد أيام من تحذير فولكر تورك من أن مدينة الأبيض تواجه "كارثة إنسانية وحقوقية" مع استمرار الهجمات وتفاقم أوضاع المدنيين الذين يعيشون منذ أكثر من عام ونصف في ظروف أشبه بالحصار، نتيجة انقطاع الخدمات الأساسية وتراجع إمدادات المياه والغذاء والدواء. وأشار تورك إلى أن مكتبه وثق أنماطًا متكررة من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك السريع لمنع تكرار الفظائع التي شهدتها الفاشر.
يقود القرار كل من المملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والأفريقية، التي رأت أن التطورات الأخيرة في شمال كردفان تستدعي آلية تحقيق مستقلة، خاصة مع ورود تقارير عن تصاعد هجمات قوات الدعم السريع على المناطق المدنية واستخدام الطائرات المسيّرة والقصف المدفعي ضد أحياء مأهولة بالسكان. كما طالب القرار جميع أطراف النزاع باحترام القانون الدولي الإنساني، وضمان حماية المدنيين، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون قيود.
ورغم اعتماد القرار بالتوافق، أبدت الصين تحفظات على ما اعتبرته تركيزًا متزايدًا من المجلس على حالات قطرية بعينها، فيما رأت منظمات حقوقية أن القرار يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يزال أقل من مستوى الأزمة، لعدم تضمينه إجراءات تنفيذية أكثر صرامة أو معالجة مباشرة للدور الذي قد تلعبه أطراف خارجية في تغذية النزاع. كما دعت تلك المنظمات إلى تعزيز ولاية بعثة تقصي الحقائق، وتوفير الموارد اللازمة لتوثيق الأدلة تمهيدًا لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
تحتل مدينة الأبيض أهمية استراتيجية في الحرب الدائرة بالسودان، إذ تمثل مركزًا رئيسيًا يربط ولايات كردفان بإقليم دارفور وبالولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش في شرق ووسط البلاد. ويقيم في المدينة نحو نصف مليون نسمة، إضافة إلى عشرات الآلاف من النازحين الذين فروا من مناطق القتال، ما يجعل أي تصعيد عسكري فيها ذا تداعيات إنسانية واسعة النطاق. وتشير الأمم المتحدة إلى أن العمليات العسكرية الأخيرة أدت إلى موجات نزوح جديدة، وزادت من الضغوط على الخدمات الأساسية والمنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة.
يُنظر إلى قرار مجلس حقوق الإنسان باعتباره تصعيدًا جديدًا في مسار المتابعة الدولية للحرب السودانية، وقد يفتح الباب أمام خطوات قانونية ودبلوماسية إضافية إذا خلص التحقيق إلى وجود أدلة على ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، في وقت تتواصل فيه الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، ومنع انزلاق مدينة الأبيض إلى مصير مشابه لما شهدته الفاشر.