الخميس 22 يناير 2026
كشف تحقيق استقصائي جديد اعتمد على تحليل صور ومقاطع منشورة في الفضاء المفتوح عن وجود شبكة معقّدة لتوريد طائرات مسيّرة قتالية متطورة إلى قوات الدعم السريع في السودان، يُشتبه في أن جزءاً من مسارها يمر عبر صربيا، حيث تُجمَّع أو تُعدَّل طائرات ذات تصميم صيني قبل إعادة تصديرها إلى ساحة الحرب.
وبحسب التحليل، أظهرت صور لحطام طائرة مسيّرة أسقطتها قوات الجيش السوداني في ولاية كردفان في 8 نوفمبر/تشرين الثاني، وتشظيات قذائف سقطت على مركز لإيواء النازحين في مدينة الفاشر بدارفور في 7 أكتوبر/تشرين الأول، مكوّنات متطابقة من حيث الشكل والتصميم مع طائرات مسيّرة تجارية وعسكرية صينية الصنع، جرى رصدها سابقاً في أسواق السلاح الدولية.
ويشير التحقيق إلى أن القوات شبه العسكرية التابعة للدعم السريع حققت، خلال الأشهر الأخيرة، تفوقاً ميدانياً ملحوظاً في عدد من جبهات القتال بفضل الاستخدام الكثيف لهذه الطائرات المسلّحة، التي تُستعمل في ضرب مواقع الجيش السوداني واستهداف تجمعات المدنيين في مناطق محاصرة، خاصة في دارفور وكردفان.
البيانات التي جُمعت من الأرقام التسلسلية والعلامات المطبوعة على بعض أجزاء الحطام، إضافة إلى مقارنة نماذج الأجسام والمحركات والمراوح، تدفع المحققين إلى الاشتباه في أن طائرات الدعم السريع المسيرة وصلت إلى السودان عبر حلقة صربية، تضم منشآت لتجميع أو تعديل الطائرات الصينية قبل إعادة تصديرها، في ما يبدو أنه محاولة للالتفاف على القيود الرقابية على صادرات السلاح.
ويقول التحليل إن صربيا، التي تمتلك صناعة سلاح نشطة وتاريخاً في تصدير الأسلحة الخفيفة والذخائر إلى مناطق نزاع، تبدو حلقة مناسبة لمثل هذا النوع من العمليات، خصوصاً في ظل تقارير سابقة عن شبكة أوسع من الوسطاء تسعى لبيع أسلحة خفيفة وطائرات مسيّرة عبر مراكز مثل أبوظبي وإسطنبول وبلغراد، مع الحرص على البقاء بعيداً عن أنظار هيئات الرقابة الدولية.
يتقاطع ما كشفه التحقيق مع موجة مقلقة من الهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت المدنيين في السودان خلال الأسابيع الأخيرة. فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أن 114 شخصاً، بينهم 63 طفلاً، قُتلوا الأسبوع الماضي في ضربات بطائرات مسيّرة طالت روضة أطفال ومواقع إسعاف ومستشفى في ولاية كردفان. واتهمت السلطات السودانية قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن تلك الهجمات.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، قُتل ما لا يقل عن 53 مدنياً – بينهم نساء وأطفال – عندما أصابت قذائف وهجمات بطائرات مسيرة مركز إيواء للنازحين في مدينة الفاشر، في هجوم حمّلته لجان المقاومة المحلية ومنظمات إغاثية أيضاً لقوات الدعم السريع، في سياق حصار طويل تفرضه على المدينة.
هذه الهجمات، التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها ترقى إلى «جرائم حرب»، تسلط الضوء على الأثر الكارثي للتطور السريع في قدرات الطائرات المسيّرة لدى أطراف النزاع، وتحولها إلى أداة رئيسية لإيقاع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين بتكلفة منخفضة نسبياً مقارنة بالأسلحة التقليدية.
التحقيق يثير في جوهره سؤالاً أوسع حول فعالية نظم الرقابة على تجارة السلاح، خاصة في ما يتعلق بالتكنولوجيا المزدوجة الاستخدام والطائرات المسيّرة ذات المنشأ التجاري التي يمكن تعديلها لأغراض قتالية. فبينما تشير قواعد البيانات الدولية إلى أن الصين أصبحت خلال العقد الماضي أكبر مصدّر عالمي للطائرات المسيّرة العسكرية، فإن تتبّع مسارات إعادة التصدير، بعد دخول المكونات أو المنصات إلى دول وسيطة، يظل مهمة شديدة التعقيد.
ويحذّر خبراء من أن نموذج حرب السودان يُظهر كيف يمكن لشبكات صغيرة من الوسطاء وشركات الواجهة أن تحوّل طائرات مدنية أو تجارية، تُباع قانونياً في البداية، إلى منصات هجومية فتّاكة بأيدي أطراف متهمة بانتهاك جسيم للقانون الإنساني، من دون أن تترك أثراً واضحاً في سجلات شحنات السلاح التقليدية.
في ظل هذه المعطيات، تتصاعد الدعوات في أوساط حقوقية ودبلوماسية لفتح تحقيقات دولية مستقلة في مسار إمداد قوات الدعم السريع بالأسلحة، وخصوصاً الطائرات المسيّرة، وتحديد الجهات الحكومية أو الخاصة التي سهّلت أو تغاضت عن عمليات التوريد، تمهيداً لفرض عقوبات أو تقييد صادرات السلاح نحوها.
كما يربط محللون بين ما كشفه التحقيق والتحركات الجارية في البرلمان الأوروبي وجهات دولية أخرى للمطالبة بوقف كل أشكال الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة في السودان، باعتبار أن استمرار تدفق السلاح والتكنولوجيا المتقدمة إلى ساحة القتال هو ما يطيل أمد الحرب ويزيد من كلفتها الإنسانية الهائلة على المدنيين.