السبت 6 ديسمبر 2025
كشف تحقيق استقصائي نشرته مجلة "سيتي جورنال" الأميركية عن شبكة احتيال واسعة على برامج الرعاية الاجتماعية في ولاية مينيسوتا، يُتهم بالضلوع فيها أفراد من الجالية الصومالية، ويُشتبه في أن جزءاً من الأموال المسروقة شقّ طريقه في نهاية المطاف إلى حركة "الشباب" الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة، وفق مصادر في أجهزة إنفاذ القانون الأميركية.
التقرير، الذي استند إلى وثائق قضائية ومقابلات مع مدّعين فدراليين ومسؤولين سابقين في أجهزة مكافحة الإرهاب، يقول إن "مليارات الدولارات" من أموال دافعي الضرائب في مينيسوتا تعرّضت للاحتيال خلال عهد الحاكم الديمقراطي تيم وولز، عبر استغلال ثغرات في برامج الرعاية والخدمات الطبية، ثم تحويل جزء من هذه الأموال إلى الصومال عبر شبكات الحوالة التقليدية.
يضع التحقيق في صلب الصورة برنامجاً تابعاً لميديكيد يُسمى "خدمات استقرار السكن" (HSS)، أطلق في 2020 بهدف مساعدة كبار السن وذوي الإعاقة والمدمنين على تأمين سكن. البرنامج صُمّم بـ"عوائق دخول منخفضة" وإجراءات تعويض مبسّطة، وقد قدّر المسؤولون كلفته السنوية بنحو 2.6 مليون دولار قبل الإطلاق، لكن الفواتير قفزت سريعاً إلى 21 مليون دولار في 2021، ثم 42 مليوناً، فـ74 مليوناً، وصولاً إلى 104 ملايين دولار، فيما بلغ حجم المدفوعات خلال النصف الأول من 2025 وحده 61 مليون دولار.
في أغسطس/آب، أعلنت وزارة الخدمات الإنسانية في مينيسوتا إلغاء البرنامج بعد إنهاء التعاقد مع 77 مزوّد خدمة بسبب "اتهامات موثوقة بالاحتيال". القائم بأعمال المدعي العام الفدرالي في الولاية حينها، جوزيف تومسون، وصف في مؤتمر صحافي القسم "الأكبر" من البرنامج بأنه كان قائماً على الاحتيال، مشيراً إلى أن العديد من الشركات المسجَّلة كانت "واجهات وهمية" لا تقدّم أي خدمات حقيقية، وإنما أُسست حصراً لسرقة أموال البرنامج.
في 18 سبتمبر/أيلول، أعلن تومسون توجيه أول مجموعة من لوائح الاتهام في ملف HSS ضد ثمانية أشخاص، بينهم ستة قال مكتب الادعاء إنهم من أبناء الجالية الصومالية في مينيسوتا، مؤكداً أن هذه مجرد "الدفعة الأولى" من قضايا سيجري ملاحقتها.
التحقيق يربط أيضاً هذه القضية بسلسلة من فضائح الاحتيال الأخرى، أبرزها ملف منظمة "فيدينغ أور فيوتشر"(Feeding Our Future)، وهي جمعية صغيرة كانت تشرف على تسجيل مراكز رعاية الأطفال في برنامج فيدرالي لتغذية الأطفال. بعد الجائحة، قفز تمويلها من 3.4 ملايين دولار في 2019 إلى نحو 200 مليون دولار في 2021، قبل أن تكشف السلطات أن أرقام الوجبات والسجلات مزورة في جزء كبير منها، وأن الأموال استُخدمت لشراء عقارات وسيارات فارهة داخل الولايات المتحدة وخارجها. حتى سبتمبر/أيلول، كان 56 متهَماً قد أقرّوا بالذنب في هذه القضية.
ومن بين الملفات الأخرى التي يستعرضها التقرير، قضية احتيال على برنامج حكومي لعلاج الأطفال المصابين بالتوحّد، تُتَّهم فيها عائشة فرح حسن وآخرون بالاستفادة من تضخّم غير مسبوق في فواتير خدمات التوحّد لميديكيد في مينيسوتا؛ إذ قفزت المطالبات من 3 ملايين دولار في 2018 إلى نحو 399 مليون دولار في 2023، بالتوازي مع زيادة عدد مزوّدي هذه الخدمات من 41 إلى 328 مركزاً خلال الفترة نفسها.
المفتاح الأخطر، بحسب التحقيق، يظهر عند تتبّع تدفقات الأموال إلى الخارج. فالتقرير يستشهد بمصادر في أجهزة مكافحة الإرهاب تقول إن جزءاً من الأموال المسروقة من برامج الرعاية حُوّل إلى الصومال عبر شبكات "حوالة" تقليدية تديرها عائلات وشبكات عشائرية، وأن حركة "الشباب" تحصل على "نصيب" من هذه التحويلات، سواء أكان المرسِل يقصد تمويلها أم لا، بحكم سيطرتها على جزء من الاقتصاد المحلي.
شرطي متقاعد عمل لسنوات في فريق مهام مشترك لمكافحة الإرهاب قال للمجلة إنه اكتشف شبكة تحويل أرسلت وحدها 20 مليون دولار في عام واحد، وإن مراجعة سجلات بعض مكاتب الحوالة أظهرت أن كثيراً من مرسلي الأموال يتلقون بدورهم مساعدات من برامج الرعاية الحكومية. مسؤول فدرالي سابق آخر نقلت عنه المجلة قوله إن "كل دولار يعود إلى الصومال من أماكن تركّز الجالية الصومالية في الغرب تستفيد منه حركة الشباب بطريقة أو بأخرى".
التقرير يربط هذه الشبكات أيضاً بسياق أوسع من قضايا "تطرّف" سابقة في مينيسوتا، إذ تشير وثيقة لوزارة الأمن الداخلي إلى أن الولاية سجّلت أعلى عدد من الأميركيين الذين حاولوا الالتحاق بتنظيم داعش خلال فترة معيّنة، وأن كثيرين منهم مرتبطون اجتماعياً أو جغرافياً بنفس الأوساط التي استفادت من برامج الرعاية.
كما يتوقف التحقيق عند البعد السياسي، مشيراً إلى أن بعض المتهمين أو المتورّطين في قضايا الاحتيال تبرّعوا لحملات أو ظهروا في مناسبات علنية مع سياسيين بارزين في مينيسوتا، بينهم شخصيات من الحزب الديمقراطي، وأن ملف "الاحتيال في الرعاية" مرشَّح لأن يكون أحد محاور الصراع في انتخابات الولاية عام 2026، مع اتهامات للقيادة الحالية بالتقاعس عن ضبط النظام.
في المقابل، ينقل التقرير عن شخصيات من الجالية الصومالية نفسها دعوات صريحة إلى مواجهة الظاهرة وعدم التغطية على المتورّطين بذريعة الخوف من الاتهامات بالعنصرية، مع التأكيد على أن المسؤولية الجنائية فردية، وأن الغالبية الساحقة من أبناء الجالية لا علاقة لهم بهذه الممارسات، لكنّ سمعة مجتمع كامل أصبحت مهدَّدة بسبب حجم هذه القضايا وتشابكها.