مع تصاعد تهديدات الحوثيين المدعومين من إيران لحركة الملاحة في البحر الأحمر، تتجه الأنظار إلى احتمال أن تعيد الولايات المتحدة النظر في استراتيجيتها الإقليمية. فالهجمات التي تستهدف السفن المارة عبر الممرات البحرية الحيوية قد تدفع واشنطن إلى تعزيز علاقاتها بشركاء أكثر موثوقية على امتداد الساحل الأفريقي.
في هذا السياق، تبرز صوماليلاند بوصفها شريكًا مؤيدًا للولايات المتحدة؛ فمنذ انفصالها عن الصومال الذي مزقته الحرب عام 1991، حافظت على قدر من الاستقرار، وهي تعرض اليوم على واشنطن استخدام أحد أطول مدارج الطائرات في أفريقيا، إلى جانب قاعدة جوية وميناء عميق المياه على البحر الأحمر.
يكتسب هذا العرض أهمية متزايدة في ظل تعهد الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب، الممر المائي الضيق الذي تصدّر السعودية عبره ما يصل إلى سبعة ملايين برميل من النفط يوميًا، بالتزامن مع القيود الشديدة المفروضة على الوصول إلى مضيق هرمز. خلال الشهر الماضي، أفادت تقارير بأن الحوثيين هاجموا سفنًا ترفع العلم السعودي في البحر الأحمر، كما نُسب إليهم إغراق سفينة شحن تجارية هندية. وفي 13 أغسطس/ آب الجاري، تعرضت سفينة شحن مصرية لهجوم أسفر عن مقتل أربعة على الأقل من أفراد طاقمها.
على الرغم من امتلاك الولايات المتحدة قاعدة عسكرية كبيرة على البحر الأحمر في جيبوتي، فإن الاعتماد عليها بات يواجه تحديات متزايدة، ولا سيما مع تنامي النفوذ الصيني هناك. وفي هذا الصدد، قال إدموند فيتون-براون سابقًا لشبكة «فوكس نيوز ديجيتال»: "تعمل الصين على توسيع حضورها العسكري والتجاري في جيبوتي بصورة كبيرة".
هناك شعور بأن جيبوتي ليست حليفًا موثوقًا به للولايات المتحدة، ولذلك ربما حان وقت صوماليلاند
في هذا السياق، يرى إدموند فيتون-براون، السفير البريطاني السابق لدى اليمن، حيث تنشط جماعة الحوثيين، والزميل الأقدم في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن موقع جيبوتي لم يعد يحظى بالثقة الأميركية نفسها. وقال: "هناك شعور بأن جيبوتي ليست حليفًا موثوقًا به للولايات المتحدة، ولذلك ربما حان وقت صوماليلاند".
يذهب اللواء كين إكمان إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن تصعيد الحوثيين قد يدفع الولايات المتحدة فعليًا إلى الاعتراف بصوماليلاند دولة مستقلة. وقال إكمان، الذي تقاعد العام الماضي من منصبه قائدًا لعنصر تنسيق غرب أفريقيا التابع لوزارة الحرب الأميركية: "قد يجبر الحوثيون الولايات المتحدة على تبني استراتيجية مختلفة في أفريقيا".
يعمل الحوثيون، بحسب إكمان، على فتح جبهة ثانية في الصراع الدائر بالشرق الأوسط، بما يؤدي إلى تشتيت الولايات المتحدة واستنزاف قدراتها. وأضاف: "للحوثيين استراتيجية خاصة بهم. إنهم يختبرون القدرة العسكرية الأميركية، ومن المرجح أن يقدموا على تحرك كبير عندما تتراجع فاعلية النفوذ الإيراني في مضيق هرمز بوصفه ورقة ضغط".
في المقابل، أشار إكمان إلى أن القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» ركزت خلال الفترة الماضية بصورة أساسية على التهديدات البرية. وقال: "حتى الآن، تظل استراتيجيتنا في أفريقيا محكومة بمهام مكافحة الإرهاب ضد الجماعات الإسلامية المرتبطة بالقاعدة وداعش والمتمركزة في القارة".
أعربت الولايات المتحدة عن استيائها من الفساد المستشري داخل الحكومة الصومالية، ومن اقتتالها الداخلي مع الإدارات المحلية والإقليمية ومع مختلف العشائر. غير أن الاعتراف الكامل باستقلال صوماليلاند سيُحدث شرخًا كبيرًا بين الولايات المتحدة والصومال
وأوضح أن هذه الجماعات "تمثل تهديدًا محدودًا وغير وشيك للأراضي الأميركية"، مضيفًا أن الانتشار العسكري في البحر الأحمر انصبّ، حتى الآن، بصورة أكبر على الاستجابة للأزمات في شرق أفريقيا، إلى جانب مواجهة روسيا والصين ومنافستهما.
وأضاف في حديث إلى «فوكس نيوز ديجيتال»: "أعربت الولايات المتحدة عن استيائها من الفساد المستشري داخل الحكومة الصومالية، ومن اقتتالها الداخلي مع الإدارات المحلية والإقليمية ومع مختلف العشائر. غير أن الاعتراف الكامل باستقلال صوماليلاند سيُحدث شرخًا كبيرًا بين الولايات المتحدة والصومال".
وأضاف إكمان: "إن إعادة توجيه استراتيجية الولايات المتحدة في القرن الأفريقي نحو مواجهة الحوثيين ستجعل حرية الملاحة أولوية قصوى. وتتمتع صوماليلاند بموقع جغرافي قريب، كما تتيح لواشنطن تجاوز بعض القيود المرتبطة بالدول المضيفة الأخرى في المنطقة، مثل جيبوتي، وبشركائها في الشرق الأوسط".
يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه مؤشرات الإحباط الأميركي من الصومال، جار صوماليلاند وخصمها، وهو ما عكسته تصريحات تحذيرية أدلى بها الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم».
خلال مقابلة حديثة مع صحفي صومالي، سُئل أندرسون عما إذا كانت الولايات المتحدة تستعد للانسحاب من الصومال وإدارة ظهرها له. ونفى أن تكون واشنطن قد تخلت عن البلاد، مؤكدًا استمرار التزامها تجاهها منذ عدة سنوات. كما أشاد بقوة مكافحة الإرهاب المعروفة باسم «دَنَب»، واصفًا إياها بأنها "واحدة من أكثر القوات كفاءة في القارة".
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن مسؤولية الحفاظ على هذه القوة تقع على عاتق الصومال، موضحًا أن على الحكومة "بناءها، ومواصلة تعزيز فاعليتها مستقبلًا، واستخدامها في الغرض الذي أُنشئت من أجله، وهو مكافحة الإرهاب".
في إشارة إلى ما يبدو أنه عجز الحكومة الصومالية عن التعامل بحسم مع مسلحي حركة الشباب، لمح أندرسون إلى احتمال سحب جزء من الدعم العسكري الأميركي أو وقفه بالكامل. وقال: "إذا نهض الصومال بمسؤولياته، وتقدمت الحكومة لتولي زمام القيادة، فسنواصل وجودنا هناك لأن ثمة مصالح مشتركة". وأضاف: "أما إذا لم نر ذلك، واستمر عدم الاستقرار السياسي والاقتتال الداخلي، فسيكون من الصعب جدًا علينا مواصلة الانخراط". ومع ذلك، يرى بيل روجيو، محرر مجلة «لونغ وور جورنال»، أن استياء واشنطن المتزايد من مقديشو لم يبلغ بعد المستوى الذي يدفعها إلى تغيير موقفها لصالح صوماليلاند.
قد يجبر الحوثيون الولايات المتحدة على تبني استراتيجية مختلفة في أفريقيا
لم يستبعد روجيو أن تنشئ الولايات المتحدة قاعدة ثانية لها على البحر الأحمر في صوماليلاند، رغم اعتقاده بأن القوات الأميركية المتمركزة في معسكر ليمونييه بجيبوتي تتمتع بموقع جغرافي أفضل بكثير لردع الحوثيين عن إغلاق مضيق باب المندب. وأضاف: "مع ذلك، يظل وجود خيار احتياطي أمرًا مفيدًا في العمليات العسكرية".
من جانبه، أكد بشير غوث، ممثل صوماليلاند لدى الولايات المتحدة، حاجة واشنطن إلى شركاء موثوقين على امتداد الساحل الأفريقي. وقال لشبكة «فوكس نيوز ديجيتال»: "صوماليلاند هي هذا الشريك. وقد انخرط مسؤولو الدفاع لدينا في حوار نشط مع القيادة الأميركية في أفريقيا بشأن أمن البحر الأحمر. تمتلك صوماليلاند الموقع الجغرافي والاستقرار والإرادة اللازمة للعمل عن كثب مع واشنطن، وستواصل القيام بذلك".
لكن الموقف الرسمي الأميركي لا يزال منحازًا إلى الصومال بدلًا من صوماليلاند. وفي هذا السياق، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للشبكة: "تعمل الولايات المتحدة مع الشركاء الصوماليين والدوليين لمواجهة التهديدات الإرهابية في الصومال، كلما كان ذلك ضروريًا وملائمًا لحماية مصالح الأمن القومي الأميركي".
وفي مواجهة التهديدات المتصاعدة في البحر الأحمر، أنشأت السعودية و13 دولة أخرى تحالفًا جديدًا للدفاع البحري بهدف التصدي للحوثيين، لكن الولايات المتحدة ليست، وفق المعلن على الأقل، عضوًا فيه. وردًا على سؤال بهذا الشأن، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية: "تقف الولايات المتحدة بحزم إلى جانب المملكة العربية السعودية في مواجهة الإرهاب الحوثي. ونحن على تشاور وثيق مع حلفائنا السعوديين، ونظل ملتزمين بأمنهم".
ورغم هذا الموقف الرسمي، تبدو واشنطن عازمة على تكثيف تواصلها مع صوماليلاند. فقد زار قائد القيادة الأميركية في أفريقيا، الجنرال داغفين أندرسون، صوماليلاند مجددًا خلال الأسبوع الماضي، وتوجه، وفق بيان رسمي، إلى مدينة بربرة الساحلية "لتقييم البيئة الأمنية ومراجعة القدرات التشغيلية للميناء".
وخلال الأسبوع نفسه، أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة استضافت في مقر القيادة الأميركية في أفريقيا بمدينة شتوتغارت الألمانية وفدًا من صوماليلاند برئاسة وزير دفاعها، حيث جرت مناقشة أمن البحر الأحمر مجددًا.