تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

تحديات الصحافة المستقلة في القرن الأفريقي

20 فبراير, 2025
الصورة
Geeska cover
Share

عندما زار الكاتب السياسي الفرنسي أليكسيس دي توكفيل الولايات المتحدة الأمريكية قبل 200 سنة تقريبا، قال: "لا يمكن وجود صحف حقيقية بدون ديمقراطية، ولا يمكن وجود ديمقراطية بدون صحف"، ورغم مرور السنوات، إلا أن مقولته ما زالت صامدة في وجه الزمن، وما زال الصحفيون كما هم في القرن الماضي، يعتقدون أن "الهدف الأساسي للصحافة هو تزويد المواطنين بالمعلومات الدقيقة والموثوقة التي يحتاجون إليها للعب دورهم في مجتمع حر". كما جاء في استطلاع لجنة الصحفيين المهتمين بشؤون المهنة في أمريكا، إلا أن هذا الهدف السامي قد يتعارض مع مصالح الأنظمة الحاكمة أو المؤسسات ذات النفوذ، ما يضع الصحافة المستقلة تحت ضغط عالٍ قد يحد من استقلاليتها ودورها.
يرى بيل كوفاك وتوم روزينستيل، في كتابهما "مبادئ الصحافة"، أن التزام الصحافة الأول هو الحقيقة، وولاؤها الأول للمواطنين، وجوهرها نظام التحقق والتثبت، وعليها أن تلعب دور المراقب المستقل للسلطة. رغم هذا الدور المهم الذي يتفق معه الكثيرون، إلا أن استقلالية الصحافة ما زالت محل جدل ليس في البلدان النامية وحسب، بل حتى في بلاد الديمقراطيات العريقة، فهي تعاني من تدخل الساسة أو استغلالها من دوائر النفوذ، ففي أمريكا مثلا، شن الرئيس دونالد ترامب هجوما عنيفا على وسائل الإعلام الغربية، واتهمها بامتلاك أجندة حزبية، والترويج لأخبار كاذبة بهدف التأثير على شعبيته، والتقليل من إنجازاته، الأمر الذي ألقى الضوء على توتر العلاقة بين السلطة التنفيذية والإعلام.
على ضوء هذا السياق العالمي، يمكننا أن نفهم التحديات التي تواجه الصحافة المستقلة في القرن الأفريقي التي صُنفت من المناطق الأكثر خطورة في العالم، حسب التصنيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2024.

القيود السياسية والقمع

يقول الكاتب الأمريكي الساخر فينلي بيتر دان: "إن مهمة الصحفي هي مواساة المصاب وتعذيب المرتاح"، وإذا كانت الشعوب الأفريقية تعاني من استبداد حاكميها، فإنها تستحق المواساة بكل تأكيد، إلا أن الجزء الثاني من المهمة يظل صعب المنال بالنسبة لصحفي يعمل في ظروف هي من السوء بمكان. فالحكومات التي تعتمد في بقائها على القوة، تضِيق بالرأي الحر الذي يهدد سياستها المبنية على التعتيم واحتكار المعلومة، وحق تقييم منجزاتها أو إخفاقاتها. تود أن يظل المواطنون في حالة من الجهل أو السبات الذي يخدم بقاءها دون تهديد. 
هذا ما لا يحدث إلا في ظل الغياب التام للأصوات اليقظة التي ترى أنها حارسة حقوق المواطنين، ولها الحق في مراقبة نشاط السلطتين السياسية والقضائية في الحكومة، وتسعى إلي توفر المعلومة الدقيقة بنزاهة وباستقلال تام عن أي تدخل غير مشروع، ولكي تمنع كل ذلك، تفرض بعض الحكومات في المنطقة رقابة صارمة على وسائل الإعلام المستقلة، مما يؤدي إلى تقييد حرية التعبير والصحافة، وقد يتعرض الصحفيون المستقلون للاعتقالات التعسفية، والمضايقات، أو عمليات التفتيش غير القانونية وأحيانًا العنف أو الاغتيال.
في جيبوتي تواجه وسائل الإعلام رعبا حقيقيا بسبب الترسانة القمعية المسلطة على الصحفيين، في ظل نظام إسماعيل عمر جيله الذي أعيد انتخابه لولاية خامسة في عام 2021. 

وتعد إريتريا من أكثر الدول قمعًا لحرية الصحافة، حيث لا توجد تقريبًا أي وسائل إعلام مستقلة، وقد تم إغلاق جميع الصحف المستقلة منذ عام 2001. ولا يزال العديد من الصحفيين مسجونين دون محاكمة منذ ذلك الوقت. 
 

يُعد الصحفي دويت إسحاق- الكاتب والمسرحي وأحد مالكي صحيفة ستيت المستقلة التي نشرت عددها الأول عام 1997- مثالًا بارزًا، حيث تم اعتقاله في 2001، وقبع في السجن لأكثر من عقدين دون اتهام أو محاكمة، ولم يُعرف مصيره حتى اليوم.

التنظيمات المسلحة

تواجه منطقة القرن الأفريقي تهديدات متزايدة من قبل الجماعات المسلحة، سواء كانت ذات توجهات عرقية، كما في إقليم تيغراي بإثيوبيا، أو ذات توجهات دينية كما هو الحال في الصومال، مما يعيق دورها الحيوي في نقل المعلومات، وكشف الحقائق للرأي العام. 

تتعدد التهديدات بين الاعتداءات المباشرة على الصحفيين ووسائل الإعلام، ومحاولات الترهيب والاختطاف، وتعرُّض حياة الصحفيين للخطر قد تحمل الكثيرين على عدم المخاطرة في مواجهة هذه الجماعات شديدة  الخطورة، والتي لا تأبه كثيرا بموت أحد، خاصة إذا رأت ما يبرر قتله من وجهة نظرها.


واجه الصومال التهديد الأكثر خطورة واستمرارية من حوادث التطرف العنيف في القارة على مدار العقد الماضي، وتمثل منطقة الساحل والصومال أكثر من 80٪ من جميع الوفيات الناجمة عن حوادث التطرف العنيف في القارة، والصحفيون ليسوا استثناءً من جملة المدنيين الذين يتعرضون للاغتيال بواسطة هذه الجماعات، ففي العام 2011 تعرض الصحفي الصومالي عبد السلام شيخ حسن لطلق ناري في رأسه أثناء خروجه من القناة التي يعمل بها. 
نددت اليونسكو بتلك الحادثة على لسان المديرة العامة إيرينا بوكوفا قائلة: "إن وضع شروط عمل أكثر أمنا بالنسبة للعاملين في الصحافة أمر بالغ الأهمية في إطار بناء الديمقراطية ودولة القانون في الصومال".
كما شهد الصومال إعدام حسن حنفي حاج القيادي بحركة الشباب لقتل صحفيين صوماليين من بينهم نور محمد أبكي محرر وكالة سونا الصومالية. وفي نوفمبر/ تشرين الأول 2021 فجر انتحاري نفسه مستهدفا مدير إذاعة مقديشو عبد العزيز محمود جوليد بشكل مباشر، مما أسفر عن مقتله في الحال. أعلنت حركة الشباب مسؤوليتها عن الحادث، وغير هؤلاء كثير، وتعد هذه الاغتيالات مهددا خطيرا للصحافة المستقلة ولحياة الصحفيين.

التمويل والموارد

تحتاج الصحافة إلى ميزانيات ضخمة من أجل القيام بواجبها الذي يعتمد على موارد كبيرة ومستمرة، فكثيرا من المؤسسات الصحفية تبدأ بإيمان مؤسسيها فتشرع في العمل، لكن سرعان ما تتوقف لأسباب مالية، فالتكاليف الكبيرة لتغطية القصص والجاهزية في أن تكون في موقع الحدث، واستقطاب الصحفيين المحترفين كل ذلك يحتاج إلى ميزانيات كبيرة.
بينما تحصل المؤسسات الإعلامية الحكومية على ميزانياتها من الدولة، تعاني المؤسسات الإعلامية المستقلة -خاصة الناشئة- من نقص الموارد المالية، كما أن الوضع الاقتصادي العام يؤثر أيضا على ضعف عوائد الإعلانات. إذا لم توجد مصادر أخرى للدعم غير المصادر الذاتية من الإعلانات أو الرعاية المحدودة من رجال الأعمال، فإن هذا سيحد من قدرة هذه المؤسسات على توظيف صحفيين محترفين، وقدرتها على توفير تغطيات معمقة.
قد ترضى بعض المؤسسات بالتمويل الخارجي الذي لن يأتي بلا مقابل، بل هو أقرب للاستعمار الجديد، لأنه سيؤثر على توجهات المؤسسة الاعلامية، وبالتالي لن تكون مستقلة همها الأول هو الحقيقة، بل سيكون همها الحقيقة التي لا يمانع الممول في إبرازها، أو الصورة التي يريد الممول ترسيخها، أو إعداد المسرح للتدخل الخارجي، أو تهيئة الرأي العام لقبول أمرٍ ما، وهذا سينفي عن المؤسسة الصحفية صفة الحيادية، ويجعلها عرضة للاتهامات بالتحيز أو التدخل الأجنبي. مأزق التمويل الأجنبي هذا قد يبدو أن المخرج منه في مساهمات رجال الأعمال، لكن ذكرت مراسلون بلا حدود إن "تمركز العديد من المنابر الإعلامية في أيدي نخبة قليلة من رجال الأعمال يطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى استقلاليتها، في حين أن تكلفة إنشاء وسيلة إعلامية جديدة، خاصة في القطاع السمعي البصري، تعتبر من أكبر المعوقات".

ضعف الأطر القانونية

غياب أو عدم تطبيق قوانين تدعم حرية الصحافة يترك الصحفيين المستقلين دون حماية قانونية كافية. ففي بعض البلدان نجد أن حرية الصحافة مكفولة بموجب الدستور، لكنها تبقى حبراً على ورق، حيث يظل العمل الصحفي المستقل محظوراً بشكل فعلي، أو يواجه قيودا تمنعه تماما من ممارسة دوره.
في جيبوتي مثلا لم يتم بعد إنشاء اللجنة المكلفة بدراسة طلبات إطلاق وسائل إعلام مرئية ومسموعة، رغم أن القانون المتعلق بحرية الاتصال ينص على إحداث هذه الهيئة منذ 30 عاماً. كما أن هذا القانون يشكل في حد ذاته عائقاً أمام حرية التعبير والتعددية الإعلامية، وهو الذي ينص على عقوبة السجن في المخالفات الصحفية، بل ويفرض شروطاً تتعلق بالسن والجنسية لإنشاء وسيلة إعلامية. وقد تستخدم الدولة القوانين المتعلقة بالتشهير والأمن القومي كأدوات لقمع الصحافة المستقلة.
شهدت الصحافة الإثيوبية انفتاحا نسبيا في عهد آبي أحمد، فقد عادت أكثر من 200 وسيلة إعلامية معطلة للعمل، وهنالك بعض التشريعات المتعلقة بالصحافة، إلا أن النزاع في إقليم تيغراي كان الامتحان الصعب. يرى بعض المهتمين بالصحافة أن قانون مكافحة الإرهاب والقانون المتعلق بخطاب الكراهية يشملان أحكاماً شديدة الغموض، تنص بعضها على عقوبات بالسجن لمدة طويلة، مما يتيح استخدامها ضد الصحفيين الناقدين. كما أن حالة الطوارئ التي أُعلنت في منطقة أمهرة، خلال شهر أغسطس/آب 2023، تتيح تجاهل جميع القوانين التي يُراد منها توفير الحماية لوسائل الإعلام والصحفيين.
كل هذا يجعل من الضروري توفير الغطاء القانوني الذي يضمن استقلالية الصحافة وسلامة الصحفيين، من كافة الانتهاكات التي يتعرضون لها، في سبيل تقديم الحقيقة للمواطنين بشفافية وبمهنية عالية. فلا بد لاتحادات الصحفيين أن تفعل كل ما في وسعها بمساعدة الهيئات والمؤسسات العالمية المعنية بحرية الصحافة، وأن تبحث عن المناصرة الشعبية من مجتمعها الذي تخدمه، وتقدم له المعلومات كي يقوم بدوره كمجتمع حر.

التحديات التكنولوجية

رغم انتشار التكنولوجيا، لا تزال هناك فجوة رقمية في بعض مناطق القرن الأفريقي، مما يجعل الوصول إلى المعلومات الرقمية محدودًا. تواجه الصحافة الإلكترونية تحديات مثل التضييق على الإنترنت وحجب المواقع، وحتى مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت من مصادر الأخبار، لما تتميز به من سهولة في النشر وسرعة تلقي الأخبار، إلا أن الحكومات تقوم بالتضييق على الإعلاميين وتشدد الرقابة على المواقع وقد تحجبها أحيانا، وهنالك حادثة مشهورة، يجدر الإشارة إليها، وهي اختفاء حسابات المستخدمين الصوماليين وقرصنتها، وسواءً حدث ذلك عن قصد أو بدون قصد، إلا أنه جدير بالملاحظة، وقد نفى وزير الإعلام الصومالي عبد الرحمن يوسف الادعاءات بأن الحكومة متورطة في اختفاء حسابات وسائل التواصل. 
واجه الصحفيون المستقلون، في خضم النزاع في إقليم تيغراي، صعوبات كبيرة في تغطية الأحداث بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى المنطقة. وتم حجب الإنترنت لفترات طويلة، مما عرقل نقل الأخبار. وتعرّض بعض الصحفيين المستقلين للاعتقالات أو التهديد، بسبب تغطيتهم للحرب والانتهاكات الحقوقية، ففي مايو/أيار 2022، شهدت البلاد موجة من الاعتقالات التعسفية التي طالت نحو 15 صحفياً.


ليست كل التحديات من صناعة الأنظمة الحاكمة، فقد تتأثر الصحافة المستقلة بالانقسامات السياسية والقبلية في المنطقة، مما قد يعرضها لفقدان مصداقيتها أو للانحياز القسري، في إثيوبيا مثلا، تطغى الاعتبارات العرقية والإقليمية والسياسية بقوة على معظم وسائل الإعلام الإثيوبية، مما يقوض الاستقلالية والتعددية والتوازن في معالجة المواضيع والقضايا

علماً أن الرقابة الذاتية متجذرة في الحقل الإعلامي وفي أوساط الصحفيين، وجيبوتي ليست بعيدة عن إثيوبيا، إذ يتعين على الصحفيين التعامل بحذر شديد مع الحساسيات العرقية والعشائرية، لتجنب الضغوط التي قد تطالهم، إضافة إلى المواضيع المتعلقة بالمرأة وغير ذلك.
كل هذه التحديات العظيمة تحتاج جهودا جبارة للتخفيف من آثارها أو القضاء عليها، فمن الحلول مثلا: تعزيز الدعم الدولي لحرية الصحافة والمبادرات الإعلامية المستقلة، وإنشاء صناديق دعم محلية أو دولية لتمويل وسائل الإعلام المستقلة، والضغط على الحكومات لسن تشريعات تحمي الصحفيين ومصادرهم، وتقديم المنح والبرامج التدريب المستمرة للصحفيين لتطوير مهاراتهم وتعزيز معايير المهنية. كذلك تشجيع التعاون الإقليمي بين المؤسسات الإعلامية لتعزيز التبادل المعرفي وحماية الصحفيين، لتمارس الصحافة المستقلة دورها المأمول، على أكمل وجه.