الأحد 9 أغسطس 2026
في تطور يعكس حجم القلق الدولي المتزايد من مسار الحرب السودانية، أطلقت عشرات الدول الغربية تحذيرا عاجلاً من خطر وقوع فظائع جماعية ومجازر واسعة النطاق في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وسط مؤشرات متزايدة على اقتراب قوات الدعم السريع من تنفيذ تصعيد عسكري كبير ضد المدينة التي تمثل آخر معاقل الجيش السوداني الرئيسية في الإقليم. وجاء التحذير خلال جلسة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، حيث أكدت دول من بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا والنرويج وهولندا وإيرلندا أن نحو نصف مليون مدني داخل المدينة ومحيطها يواجهون خطراً مباشراً إذا تطورت العمليات العسكرية إلى هجوم شامل. وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من مئة ألف نازح داخل الأبيض فروا سابقاً من المعارك الدائرة في دارفور وغرب كردفان ومناطق أخرى من البلاد.
لا تمثل الأبيض مجرد مدينة كبيرة في وسط السودان، بل تعد نقطة الارتكاز الأهم في إقليم كردفان. فالمدينة تربط شرق السودان بغربه، وتشكل بوابة العبور بين مناطق سيطرة الجيش في الوسط والشمال وبين مناطق النفوذ الواسعة التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في دارفور وأجزاء من كردفان.
منذ استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة الخرطوم ومناطق واسعة من الوسط خلال العام الماضي، تحولت كردفان إلى ساحة المواجهة الرئيسية بين الطرفين. ويُنظر إلى الأبيض باعتبارها الجائزة الاستراتيجية الأهم في هذه المرحلة من الحرب، إذ إن سقوطها قد يفتح الطريق أمام إعادة رسم خريطة السيطرة العسكرية في السودان بأكمله
التحذيرات الغربية جاءت بالتزامن مع موجة غير مسبوقة من الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت المدينة خلال الأسابيع الأخيرة. وتشير تقارير أممية وحقوقية إلى أن الأبيض تعرضت لعشرة أيام متواصلة من الهجمات الجوية والطائرات المسيرة، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى وإلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية. وكانت المدينة قد شهدت في وقت سابق ضربات استهدفت مناطق سكنية ومحطات وقود ومواقع مدنية، فيما أفادت منظمات محلية بأن بعض الهجمات أصابت تجمعات للمدنيين أثناء تشييع جنازات وفي مناطق عامة مكتظة بالسكان.
بحسب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فإن استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية تصاعد بصورة حادة خلال عام 2026، مع تسجيل أكثر من ألف قتيل مدني نتيجة هذه الهجمات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام فقط، في مؤشر على التحول الخطير في طبيعة الصراع. السبب الرئيسي وراء القلق الدولي لا يتعلق فقط بالحشود العسكرية الحالية، بل أيضاً بالتجارب السابقة التي شهدتها مناطق أخرى سقطت تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
فالأمم المتحدة وثقت في تقارير سابقة انتهاكات واسعة النطاق خلال المعارك التي شهدتها مدينة الفاشر ومعسكرات النزوح المحيطة بها، بما في ذلك عمليات قتل جماعي وعنف جنسي وتهجير قسري وانتهاكات وصفت بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما تحدثت بعثات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة عن وجود مؤشرات تحمل "سمات الإبادة الجماعية" في بعض الهجمات التي استهدفت جماعات إثنية محددة في دارفور.ولهذا شددت الدول الغربية على ضرورة منع تكرار السيناريو نفسه في الأبيض، معتبرة أن التحرك المبكر والضغط السياسي والدبلوماسي قد يكونان الفرصة الأخيرة لتجنب كارثة إنسانية جديدة في كردفان.
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم بحسب توصيف الأمم المتحدة. فالحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أدت إلى نزوح ما يقارب 14 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، بينما يحتاج عشرات الملايين إلى مساعدات إنسانية عاجلة وسط انتشار المجاعة والأوبئة وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة. ويخشى العاملون في المجال الإنساني من أن يؤدي أي حصار أو اقتحام واسع للأبيض إلى قطع أحد أهم ممرات الإغاثة المتبقية نحو إقليم كردفان، ما قد يفاقم معاناة مئات الآلاف من المدنيين الذين يعتمدون على المساعدات الغذائية والطبية للبقاء على قيد الحياة.
في ختام بيانها، دعت الدول الغربية المجتمع الدولي إلى ممارسة "أقصى درجات الضغط" على طرفي الحرب، وعلى وجه الخصوص قوات الدعم السريع لوقف أي هجوم محتمل على الأبيض، كما طالبت بضمان حماية المدنيين وفتح ممرات إنسانية آمنة وإتاحة وصول المساعدات دون عوائق. وبينما تتزايد التقارير عن حشود عسكرية وتحركات ميدانية حول المدينة، تبدو الأبيض اليوم على مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تتحول إلى ساحة معركة كبرى قد تعيد تشكيل مسار الحرب في السودان، أو تنجح الضغوط الدولية في تجنيبها مصيراً يشبه ما شهدته مدن أخرى خلال السنوات الثلاث الماضية.