تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

طفرة صادرات البن الإثيوبي تخفي هشاشة دخل المزارعين

27 أغسطس, 2026
الصورة
طفرة صادرات البن الإثيوبي تخفي هشاشة دخل المزارعين
Share

في 7 يوليو/تموز، قال رئيس الورزاء آبي أحمد أمام البرلمان إن إثيوبيا حققت عائدات قياسية من صادرات البن، بلغت 3.1 مليارات دولار. لكن بعد ستة أيام فقط، أفاد البنك الوطني الإثيوبي بأن حجم صادرات البن انخفض مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. للوهلة الأولى، يبدو الرقمان متناقضين، فثمة عائدات قياسية في مقابل تراجع الكميات المصدَّرة. ومع ذلك، يمكن أن يكونا صحيحين في آن واحد، وهنا تكمن المفارقة.

بالنسبة إلى أسرة تزرع البن في الحزام الممتد حول مدينة هرر، ضمن منطقتي شرق هررغي وغربها في إقليم أوروميا شرقي إثيوبيا، لا يُقرأ هذا التناقض بلغة الإحصاء وحدها. فالبن يوفّر للأسرة دخلا موسميا يأتي دفعة واحدة، بعد أشهر من العمل والتعرّض لتقلبات الأسعار العالمية. أما القات، وهو محصول منبّه تُـمضغ أوراقه على نطاق واسع في إثيوبيا والدول المجاورة، فيمكن جني أوراقه مرات عدة خلال العام، وبيعها في أسواق محلية وتصديرية نشطة.

لذلك، قد يتزامن تسجيل رقم قياسي وطني في عائدات البن مع قرار تتخذه أسرة مزارعة بأن زراعته لم تعد مجدية؛ لأنها لا تدرّ دخلاً بالوتيرة الكافية، ولا توفر قدرًا من الاستقرار يبرر إبقاء الأرض مخصصة لها.

تعرف إثيوبيا مقدار ما حققته صادرات البن عند عبورها الحدود، لكنها لا تنشر بانتظام ما تقاضاه المزارعون في مناطق الإنتاج الرئيسية، مثل: هررغي وجيما وسيداما وغوجي ويرغاتشيف، ولا ما تكبدوه من تكاليف لإنتاج المحصول، أو ما إذا كان قد تبقى لهم شيء بعد تغطية تلك التكاليف.

لا تقتصر هذه الثغرة على إثيوبيا وحدها، إذ تقدر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن ما يصل إلى 25 مليون أسرة زراعية تنتج نحو 80 ٪ من البن في العالم. ومع ذلك، تُحصي الدول المنتجة حجم صادراتها وعائداتها من النقد الأجنبي بدقة تفوق كثيرًا ما تعرفه عن قدرة تلك الأسر على تمويل الموسم الزراعي التالي.

حتى عندما ترتفع الأسعار العالمية، لا تصل الزيادة كاملة إلى المنتجين، ولا تتوزع عليهم بالتساوي. فقد يلتهم التضخم جزءًا منها قبل أن تبلغ المزرعة، كما تستنزفها تكاليف العمالة والنقل، وشحّ التمويل، ونفقات الامتثال للمتطلبات التنظيمية، فضلًا عن تفاوت القوة التفاوضية بين جميع الأطراف الواقعة على امتداد سلسلة التوريد، من المزارع إلى الميناء. ومن ثم، فإن ارتفاع القيمة الإجمالية للصادرات، على أهميته للاقتصاد الوطني، لا يخبرنا إلا بالقليل عما يتبقى فعليًا لدى المنتج.

لقد أنشأت الحكومات سجلًا للميناء، لكنها تفتقر إلى سجل موازٍ لأسعار باب المزرعة؛ أي إلى نظام يوثّق السعر الذي يتقاضاه المزارعون فعليًا في المكان الذي يبيعون فيه محصولهم للمرة الأولى.

لا تبدأ إثيوبيا من الصفر، إذ تمتلك بالفعل جانبًا كبيرًا من القدرات الإدارية اللازمة لإنشاء مثل هذا السجل، فمنذ عام 2020، تدير هيئة البن والشاي الإثيوبية والبنك المركزي نظامًا للحد الأدنى لأسعار التصدير. ولا يمكن تسجيل أي عقد تصدير يقل سعره عن الحد الأدنى المعمول به، وبالتالي لا يمكن شحنه. وتتغير هذه الحدود باختلاف منشأ البن ودرجته، فيما يسري الآن حد أدنى أسبوعي مماثل على مبيعات البن المحلية المرخصة التي تتم بالعملة الأجنبية.

عندما لا يعود في وسع الأسرة تبرير انتظار عائد واحد غير مضمون كل عام، تتحول قطعة الأرض المزروعة بالبن إلى حقل للقات

إلى جانب ذلك، أنشأت إثيوبيا عبر بورصة السلع الإثيوبية، وهي المنصة الوطنية لتجارة المنتجات الزراعية، أحد أكثر نظم المعلومات عن الأسعار الزراعية طموحًا في أفريقيا. وقد خلصت دراسة محكّمة إلى أن إتاحة شاشات عرض أسعار البورصة بالقرب من الأسر الريفية أسهمت في رفع دخلها الحقيقي، وكانت المكاسب أكبر لدى منتجي البن والسمسم.

غير أن هذه الشاشات كانت تعرض السعر الذي بيعت به دفعة من البن في البورصة، بعد أن يكون المحصول قد غادر المزرعة. ولم تكن تُظهر ما تقاضاه مزارعو كل مديرية خلال ذلك الأسبوع، ولا ما أنفقوه على إنتاج المحصول. بعبارة أخرى، كان في وسع المزارعين رؤية سعر السوق، لكنهم لم يكونوا يرون السعر الذي وصل إليهم فعليًا.

اتسعت هذه الفجوة مع انتقال كميات متزايدة من البن إلى صفقات مباشرة تُعقد خارج البورصة، حيث باتت أسعار أكثر تُحدَّد عبر اتفاقات خاصة لا تظهر على أي شاشة عامة. والواقع أن إثيوبيا لم تفقد سجلًا لأسعار باب المزرعة؛ فهي لم تنشئه منذ البداية.

في الوقت نفسه، تدفع لوائح الاتحاد الأوروبي لمكافحة إزالة الغابات، إلى جانب متطلبات أخرى للتحقق من المنشأ، المشترين إلى تتبع البن وصولًا إلى الموقع الذي زُرع فيه. نتيجة لذلك، تتوسع منظومات التتبع التي يقودها المشترون. لكن نظام التتبع المصمم لخدمة احتياجات المشترين لا يقوم مقام سجل عام لأسعار باب المزرعة. فالأول يفرض التزامًا إضافيًا على صغار المزارعين، أما الثاني فيمنحهم حافزًا للمشاركة. ويمكن لسجل موثّق للمدفوعات أن يجمع بين الوظيفتين: إثبات منشأ المحصول، ودعم مطالبة المزارع بالتعويض عندما ينخفض السعر الإقليمي عن معيار مرجعي معلن.

تزداد أهمية هذا السجل المفقود لأن البن محصول معمّر، حيث تستطيع الحكومات تمويل الشتلات والمشاتل وخدمات الإرشاد ومعدات المعالجة، كما يمكنها أن تطلب من المزارعين قطع الأشجار القديمة أو تقليمها بشدة لكي تنتج محاصيل أوفر في المستقبل. لكن الأشجار التي تخضع للتجديد لا تنتج إلا القليل، وقد لا تنتج شيئًا على الإطلاق خلال فترة تعافيها، فيما تظل الأسرة مطالبة بتأمين معيشتها طوال تلك المواسم.

قد تبدأ الأسرة بخفض نفقاتها أو بيع أحد أصولها. لكن بعد موسمين أو ثلاثة من ضعف الدخل، يصبح تحويل جزء من المزرعة إلى محصول أسرع عائدًا خيارًا عمليًا. وفي هررغي، يكون القات غالبًا هو البديل الأقرب.

تؤكد الأرقام هذا التحول، فقد وجدت دراسة أُجريت عام 2025، وشملت 788 أسرة زراعية في أربع مديريات ضمن هررغي الشرقية والغربية، أن 64٪ من تلك الأسر أحلت القات محل البن. وكان تفسير المزارعين مباشرًا: يمكن حصاد القات أكثر من مرة في السنة، كما أنه يدرّ عائدًا أسرع في سوق تشهد طلبًا قويًا. أما البن، فيتطلب انتظارًا أطول ويحمّلهم تكاليف عمالة أعلى.

أعرف هذا المشهد عن قرب؛ فقد وُلدت في جيجيغا، ونشأت في شيرو ودير داوا، ودرست الاقتصاد الزراعي في جامعة أليمايا. وفي شرقي إثيوبيا، لا تمثل المنافسة بين البن والقات نقاشًا نظريًا، بل تتجسد في القرارات اليومية المتعلقة بما ينبغي زراعته، وموعد حصول الأسرة على دخلها التالي.

سجلّ الميناء يخبرنا بما دفعه العالم. أما سجلّ أسعار باب المزرعة، فيخبرنا ما إذا كان الذين زرعوا البن قادرين على تحمّل تكلفة زراعته من جديد

أما الرقم القياسي الوطني، فلا يرصد هذا التحول الجاري على الأرض. فعندما لا يعود في وسع الأسرة تبرير انتظار عائد واحد غير مضمون كل عام، تتحول قطعة الأرض المزروعة بالبن إلى حقل للقات. ولا تنحصر الخسارة في الأشجار وحدها؛ فزراعة البن تقوم على معارف تتوارثها العائلات جيلًا بعد جيل، من اختيار الأصناف وإدارة الظل، إلى تحديد موعد الحصاد وإتقان عمليات التخمير والتجفيف.

يبدو أن الجهات التنظيمية في إثيوبيا بدأت تدرك حجم المشكلة، فهيئة البن والشاي تعمل على إنشاء صندوق وطني للبن يهدف إلى تخفيف آثار صدمات السوق، وتمويل إعادة زراعة الأشجار المتقادمة. غير أن الوصف الأولي للصندوق يوحي بأن الموردين والمصدّرين قد يحصلون هم أيضًا على تعويضات عندما تنخفض الأسعار العالمية، وتتوقف عمليات الشراء.

قد يخفف ذلك من مشكلة التمويل، لكنه لا يحمي صغار المزارعين الذين لا يستطيعون الانتظار لبيع ثمار البن بعد نضجها. لذلك، ينبغي لإثيوبيا أن تنشئ صندوقًا لتثبيت دخل مزارعي البن، تحكمه قواعد واضحة، ويستند إلى سجل أسعار باب المزرعة الغائب. ولا يتطلب ذلك أن تجمع الحكومة قوائم الأرباح والخسائر من كل مزرعة، بل أن تحدد سعرًا موثوقًا عند باب المزرعة في كل منطقة، وأن تضع تقديرًا لتكلفة استمرار مزارع نموذجي في إنتاج البن، إلى جانب آلية تتحقق ممن باع، وكم باع، ومن أي قطعة أرض جاء المحصول.

من شأن هذه البيانات أن تتيح آليتين محددتين للحماية؛ تساعد الأولى صغار المزارعين المسجلين على تجاوز فترة انخفاض الدخل التي تعقب التقليم الجذري المعتمد أو إعادة الزراعة، بينما تغطي الثانية جزءًا من الفارق عندما ينخفض السعر الإقليمي عن السعر المرجعي. وتتوقف المدفوعات فور زوال سبب الاستحقاق، فيما تُربط المطالبات بحجم الإنتاج الموثّق.

لا يعني ذلك فرض سعر موحد على المستوى الوطني أو ضمان تحقيق الأرباح، كما ينبغي ألا يتحول الصندوق إلى خطة لإنقاذ المصدّرين. فالغرض منه هو توفير حماية مؤقتة للمزارعين، تُفعّل بموجب قاعدة عامة ومعلنة.

إن ارتفاع القيمة الإجمالية للصادرات، على أهميته للاقتصاد الوطني، لا يخبرنا إلا بالقليل عما يتبقى فعليًا لدى المنتج

من الضروري أيضًا الفصل بين الصلاحيات، فالجهة التي تحتسب السعر المرجعي ينبغي ألا تكون هي نفسها الجهة التي توافق على المطالبات أو تتولى صرف الأموال. ويجب أن تُدفع المستحقات مباشرة إلى المزارعين المؤهلين، وأن تُنشر إجماليات المدفوعات ونتائج عمليات التدقيق على الملأ. وإذا موّل الصندوق رسمٌ مفروض على صادرات البن، فينبغي أن تكشف بيانات أسعار باب المزرعة، بمرور الوقت، ما إذا كان المشترون يستردون قيمة ذلك الرسم من خلال خفض الأسعار التي يدفعونها للمزارعين.

لا تستطيع إثيوبيا تحمّل التزام مفتوح بلا سقف، لكنها تستطيع اختبار برنامج محدود النطاق. ويقدّر نموذج إيضاحي يشمل منطقتين وموسمين، أوردته في ورقة عمل أعددتها، تكلفة السيناريو الأساسي بنحو 2.6 مليون دولار، أي ما يقارب 0.08 ٪ من قيمة الصادرات القياسية المعلنة. وهذا الرقم ليس ميزانية نهائية، لكنه يبيّن أن المقترح يمكن أن يبدأ على نطاق صغير، وأن يعتمد على بيانات فعلية، وأن يتوقف إذا ثبت أن قواعده لا تعمل.

قد تتبنى الدول الأفريقية الأخرى المنتجة للسلع ترتيبات مؤسسية مختلفة، لكن معيار الحكم على نجاحها يظل بسيطًا: هل تستطيع الدولة إثبات أن المزارعين يتمتعون بالحماية خلال فترة تعافي الأشجار، وأن السعر عند باب المزرعة يغطي تكلفة استمرارهم في الإنتاج؟ وهل يستطيع طرف من خارج الحكومة إعادة إجراء الحسابات والوصول إلى النتائج نفسها؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن هذه السياسة لم تبلغ بعد مستوى المساءلة المطلوب.

لقد أمضت مؤسسات التنمية الدولية عقودًا في مساعدة الحكومات الأفريقية على إحصاء ما يعبر حدودها. وقد حان الوقت لأن تساعدها على إنشاء السجل الذي يكشف ما إذا كان المنتج قادرًا اقتصاديًا على مواصلة الإنتاج. فسجلّ الميناء يخبرنا بما دفعه العالم. أما سجلّ أسعار باب المزرعة، فيخبرنا ما إذا كان الذين زرعوا البن قادرين على تحمّل تكلفة زراعته من جديد.