تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 21 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

تفكيك استعمار اللغة.. وصية نغوغي واثيونغو الأخيرة

23 أغسطس, 2025
الصورة
تفكيك استعمار اللغة.. وصية نغوغي واثيونغو الأخيرة
Share

ألقى الروائي الكيني الكبير نغوغي واثيونغو في 17 يوليو/تموز 1979 خطابًا في نيروبي، شكّك فيه في منطق وجود أدب أفريقي مكتوب بلغات أوروبية. كان قد خرج لتوه من السجن، بعد أن أثارت انتقاداته للفساد واللامساواة حفيظة قادة الدولة الفتية بعد الاستقلال. غير أن خطابه تلك المرة أثار ضجة لسبب آخر؛ فحتى ذلك الحين كان نغوغي مقترنًا بقوة بصعود تقليد أفريقي للكتابة بالإنجليزية، ومعترفًا به بوصفه شخصية مفصلية في ترسيخ الرواية جنسٍا أدبيٍا رئيسيٍا في القارة؛ وكانت أعماله الروائية تُستشهد على نطاق واسع مثالًا على "إعادة تشكيل" الإنجليزية في المجتمعات ما بعد الاستعمار.

منذ روايته الأولى «لا تبكِ يا طفل» (1964) لامست كتاباته وجدان جمهور أنغلوساكسوني عالمي جزئيًا، لأنها رددت صدى روائيين إنجليز قرأهم طالبًا في «كلية جامعة ماكيريري» بكمبالا، فرع جامعة لندن في أوغندا، ثم في جامعة ليدز، معقل دراسات «الكومنولث» في ستينيات القرن الماضي.

بحلول موعد ذلك الخطاب كان نغوغي عضوًا في المؤسسة الأدبية الأفريقية، ووجهًا بارزًا في الأدب العالمي، ورائدًا في الفكر ما بعد الاستعماري. صحيح أنه كان قد تحدّى، في بيان عام 1968 بعنوان "حول إلغاء قسم اللغة الإنجليزية" شاركه فيه اثنان من زملائه بجامعة نيروبي، ما رآه هيمنة الإنجليزية؛ لكنه كان يفترض أن "إلغاء الإنجليزية" لا يعني الاستغناء عن لغة المستعمر كليةً. والحقيقة أنه، طوال الستينيات والسبعينيات، شارك كثيرين من نخب ما بعد الاستعمار الاعتقاد بأن الأدب المكتوب بلغة المستعمِر السابق قادر بدوره على أن يكون ثوريًا. لكن الروائي قرر الآن القطيعة مع الإنجليزية، وأن "ينفصل عن الأدب الأنغلو-سكسوني كي يعاود الاتصال بالتقاليد الوطنية والثقافية المتجذرة بين الناس". ومنذئذ سيكتب بلغته الأم «الغيكويو»(Gĩkũyũ) المعروفة لدى الناطقين بالسواحلية والإنجليزية باسم «كيكيويو».

غير أن الجديد هنا هو يقظته الحادة تجاه الأخطار المحدقة باللغات الأم حول العالم، من إيرلندا المستعمَرة إلى أراضي السامي في النرويج، مرورًا بنيوزيلندا وأماكن أخرى

من الطبيعي أن يعود نغوغي، الذي غاب مطلع هذا العام عن سن 87 عامًا، في كتابه «تفكيك استعمار اللغة»إلى سؤال اللغة بوصفه بيانه الختامي. يضم الكتاب عشرين مقالة تستعيد مواقف صاغها في أعماله السابقة، مثل: «الكتّاب في السياسة» و«تفكيك استعمار الذهن»، غير أن الجديد هنا هو يقظته الحادة تجاه الأخطار المحدقة باللغات الأم حول العالم، من إيرلندا المستعمَرة إلى أراضي السامي في النرويج، مرورًا بنيوزيلندا وأماكن أخرى.

تتكامل المقالات لتشكل بيانًا ثقافيًا من أجل اللغة الأم، بوصفها "جوهر وجودنا ولبّ كينونتنا"، وآخر جدار حماية في مواجهة "الهيمنة الروحية". إن المهمة التي ينهض بها الكتاب - وهي «الفكرة الثورية» التي يتبناها عنوانه الفرعي - تتمثل في رفض قاطع للاعتقاد بأن اللغات الأوروبية "عالمية بطبيعتها والأقدر على التعبير عن الفكر الكوني والعقلانية"، أو أنها وحدها هي اللغات المهيمنة، التي تُعامل وكأنها طبيعية وبديهية.

لم يتراجع نغوغي، بل انطلق في حملة عالمية يدافع فيها عن اللغات الأم، بوصفها أدوات لا غنى عنها في "تفكيك استعمار الذهن"

وأنا أطالع الكتاب، أستعيد حواراتي الطويلة مع نغوغي، وهو يحاول التكيّف مع منفاه بعدما تلقّى تهديدًا لحياته عام 1982؛ وتذكّرتُ كم كان المشهد مختلفًا عام 1979، يوم أقدم على قطيعته المعرفية مع الإنجليزية. كنتُ قد تخرّجت قبل أشهر قليلة من جامعة نيروبي، والتحقتُ متدرّبًا للتحرير في مكتب «هاينمان للكتب التعليمية» بنيروبي، الذي كان آنذاك ناشرًا رئيسيًا للأدب الأفريقي. وكانت أولى مهامي تحرير أولى روايات نغوغي بلغته الأم الغيكويو، «الشيطان على الصليب». وقد اشترط الكاتب الشهير شرطين على محرره الشاب: أن تُحرَّر الرواية بالمعايير نفسها التي نطبّقها على الأعمال الإنجليزية، وأن تُوجَّه إلى القرّاء العاديين لا إلى النخب. عملتُ على المخطوط الذي كتبه في السجن، وحين فرغنا ورأيتُ ابتسامته العريضة أدركتُ أن الكتابة بالغيكويو كانت عنده عودةً إلى البيت. وقد ظلّ وقع استقبال تلك الرواية معه لسنوات: "كانت تُقرأ جماعيًا في البيوت وساحات المصانع، وحتى في وسائل النقل العام؛ ويصبح من يجيدون القراءة "المؤلف الحاضر" للحكاية»، كما كتب عام 2010.

أثارت قطيعته مع الإنجليزية ردود فعل حادّة ومتباينة: رحّب بها كتّاب وناشطون ثقافيون يكتبون باللغات الأفريقية، وقد شعروا بالتهميش في سجالات ما بعد الاستعمار التي منحت الأفضلية للإنجليزية، فيما انتقدها كتّاب أفارقة بارزون، في مقدمتهم تشينوا أتشيبي، «الأب المؤسِّس» للأدب الأفريقي الحديث، الذي رأى في الإنجليزية أداةً لازمةً للحفاظ على تماسك الدول المتعددة الإثنيات.

لم يتراجع نغوغي، بل انطلق في حملة عالمية يدافع فيها عن اللغات الأم، بوصفها أدوات لا غنى عنها في "تفكيك استعمار الذهن". وفي هذا السياق، يُقرأ «تفكيك استعمار اللغة» بوصفه القول الفصل في مشروعه النقدي الأثير: تشخيصًا واضحًا للتحديات التي تواجهها اللغات الأم في عالمٍ محكومٍ بتراتبية لغوية. وعلى مستوى أكثر شخصية، يقدّم الكتاب شهادةً أخيرة على اقتلاع الكاتب من أرضه، وعلى العبء الثقيل الذي يحمله أولئك الذين يكتبون ويتكلّمون بلغة الآخر. حجج الكتاب مدهشة ومحفِّزة؛ وقراءتها في غياب صاحبها لا تخلو من شجنٍ ظاهر.