الثلاثاء 20 يناير 2026
تحوّلت محاولة الانقلاب الفاشلة في بنين إلى أول اختبار ميداني لدور نيجيريا الإقليمي تحت قيادة الرئيس بولا تينوبو، بعد أن سارعت أبوجا إلى إرسال مقاتلات وقوات برية لدعم الرئيس باتريس تالون وإعادة بسط سيطرة الحكومة على العاصمة كوتونو.
في الساعات الأولى من فجر 7 ديسمبر/كانون الأول، أعلن عدد من الضباط عبر التلفزيون الرسمي في بنين عزل الرئيس تالون وتعليق الدستور وحلّ مؤسسات الدولة، بعد هجوم استهدف مقر إقامته في كوتونو. وقدّم العسكريون أنفسهم باسم «اللجنة العسكرية لإعادة التأسيس» بقيادة المقدم باسكال تيغري، وأعلنوا إغلاق الحدود ووقف نشاط الأحزاب السياسية.
شهود عيان تحدثوا عن إطلاق نار قرب مقر الرئاسة ومحيط معسكرات الحرس الوطني، فيما احتجز الجنود المتمردون عدداً من الصحفيين في مبنى الإذاعة والتلفزيون الحكومي، قبل أن ينقطع البث لبعض الوقت ثم يُستعاد لاحقاً مع تأكيد السلطات أن «الوضع تحت السيطرة» وأن الرئيس في مكان آمن.
مع تصاعد الفوضى، طلبت حكومة بنين دعماً عسكرياً عاجلاً من نيجيريا. واستجابت أبوجا سريعاً، فأقلعت مقاتلات تابعة لسلاح الجو النيجيري لتأمين المجال الجوي لبنين وتنفيذ ضربات دقيقة على مواقع قالت السلطات إنها تؤوي الانقلابيين، من بينها معسكر توغبن على أطراف العاصمة، بالتوازي مع إرسال قوات برية عبر الحدود للمشاركة في عمليات «تفكيك جيوب التمرّد» واستعادة مبنى التلفزيون وعدد من المواقع العسكرية.
مصادر رسمية أوضحت أن هذه العملية هي أول تدخل عسكري خارجي لنيجيريا منذ أزمة غامبيا الدستورية عام 2017، مشيرة إلى أن القرار اتُّخذ على أعلى مستوى في أبوجا باعتباره مسألة «أمن قومي» في مواجهة احتمال قيام نظام عسكري معادٍ على حدودها الغربية، في بلد يُعد منفذاً تجارياً أساسياً وواجهة بحرية مهمة لاقتصاد نيجيريا.
وبحلول ظهر اليوم نفسه، أعلنت وزارة الداخلية في بنين إحباط المحاولة الانقلابية واعتقال ما لا يقل عن 14 عسكرياً، بينهم ضباط شاركوا في الاستيلاء على مبنى التلفزيون. في المقابل، تواصلت عمليات الملاحقة بحق المقدم تيغري وعدد من رفاقه الذين ما زال مكانهم مجهولاً، وسط أنباء عن تحرير اثنين من الرهائن العسكريين الذين احتُجزوا أثناء الهجوم.
إقليمياً، أعلن تجمّع «إيكواس» عن نشر قوة استعداد سريع تضم وحدات من نيجيريا وغانا وسيراليون وساحل العاج لدعم حكومة بنين وحماية «النظام الدستوري»، في خطوة تعكس رغبة التكتل في إظهار حزم أكبر بعد سلسلة الانقلابات التي ضربت غرب أفريقيا في السنوات الأخيرة، من مالي وبوركينا فاسو إلى النيجر وغينيا وغينيا بيساو. كما دان الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة المحاولة واعتبراها تهديداً لمسار الانتقال الديمقراطي في المنطقة.
المتمردون برروا تحركهم باتهام الرئيس تالون بسوء إدارة ملف الأمن في شمال البلاد، حيث تنشط جماعات جهادية مرتبطة بتنظيمي القاعدة و«داعش»، وبالتقصير في رعاية أسر الجنود القتلى وتدهور الأوضاع المعيشية، إضافة إلى الشكوى من «تضييق» على المعارضة ورفع الضرائب وتخفيض موازنات الصحة. غير أن المحاولة جاءت قبل أشهر قليلة من موعد الانتخابات الرئاسية في أبريل/نيسان 2026، التي يفترض أن تغادر بعدها تالون السلطة بعد عشر سنوات في الحكم، مع ترشيحه وزير المالية روموالد واداغني لخلافته في أجواء يشوبها جدل حول إقصاء مرشحين من المعارضة.
في نيجيريا، لقي التحرك إشادة من مؤيدين رأوا فيه تعبيراً عن «قيادة حازمة» في الدفاع عن الديمقراطية في الإقليم، ورسالة إلى الضباط الطامحين للسلطة في ما بات يُعرف بـ«حزام الانقلابات» غرب أفريقيا. في المقابل، عبّرت أصوات معارضة عن قلقها من انزلاق الجيش النيجيري إلى عمليات خارجية جديدة فيما يواجه تحديات أمنية كبيرة داخلية، من تمرد الجماعات المسلحة في الشمال الغربي إلى العنف الطائفي في الوسط والهجمات الجهادية في الشمال الشرقي.
ويرى محللون أن ما جرى في بنين سيُسجَّل كنقطة تحوّل في دور نيجيريا الإقليمي؛ إذ يعكس استعداد أبوجا للانتقال من لغة التنديد السياسي إلى استخدام القوة دفاعاً عن أنظمة حليفة، في سياق تنافس دولي متزايد على النفوذ في خليج غينيا والساحل وحوض بحيرة تشاد. لكنهم يحذّرون في الوقت نفسه من أن نجاح هذا النهج سيعتمد على قدرة السلطات في كوتونو على معالجة جذور التوتر الداخلي، وليس الاكتفاء بقبضة أمنية مدعومة من الخارج.
فبرغم فشل الانقلاب، أظهرت الأحداث وجود تململ داخل جزء من المؤسسة العسكرية واحتقان شعبي في بعض الأوساط، ما يجعل استقرار بنين خلال المرحلة الانتقالية حتى انتخابات 2026 رهن توازن دقيق بين إصلاحات سياسية واقتصادية مطلوبة، وبين استمرار الدعم الإقليمي الذي مثّل تدخل نيجيريا ذروته العسكرية خلال الساعات الحرجة من يوم 7 ديسمبر.