تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 13 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
سينما

تبييض الشاشة: السواد العِرقي في سينما إيران

10 أغسطس, 2025
الصورة
تبييض الشاشة: السواد العِرقي في سينما إيران
Share

كما يحدث غالبًا مع الكتب المفصلية، تبدو قراءة كتاب باريسا وزيري "السواد العِرقي وعبودية المحيط الهندي: الأرشيف السينمائي لإيران" (منشورات منيسوتا برس، 2024) عسيرة لا لصعوبة في الأسلوب، بل لأنه يفرض علينا مواجهة تاريخٍ مُهمَل. في عملها الأول، تتتبّع الباحثة في الأدب المقارن بجامعة كورنيل تمثيلات السواد في الثقافة والسينما الإيرانيتين: من أفلام «فيلم ‌فارسي» التجارية في خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين، إلى عروض «سياه‌بازي» - أي التمثيل بالوجه الأسود (blackface) في السياق الفارسي - وصولًا إلى أفلام إثنوغرافية عن الزار في أواخر الستينيات؛ وهي أفلام ترى أنها "تلتقط وتَكبت الصلة التاريخية للزار بالأسر الأفريقي" (والزار منظومة معتقدات وطقوس تتمحور حول «رياح» روحية تُصيب الذات بأوجاع جسدية ونفسية).

على خلاف الميل السائد في الدراسات الإيرانية المتصلة بالمحيط الهندي إلى توصيف إرث العبودية بوصفه «لا عِرقيًّا»، تمضي باريسا وزيري في اتجاه معاكس؛ إذ تربط بين المشاريع القومية الإيرانية - ولا سيما البهلوية التي حكمت بين 1925 و1979 - ومحاولاتٍ حثيثة لـ«عرقنة» إيران على أنها هندوأوروبية بيضاء. ورغم شيوع أطروحة «الآري/الهندوأوروبي» التي صاغت بعمق تمثّل إيران لبياضها، ظلّت الدراسات التقليدية تُحجم عن مساءلة هذا الخطاب نقديًا في علاقته بالسواد العِرقي.

من هذا المنظور تقرأ وزيري «سياه‌بازي» في السينما الفارسية، لا بوصفه تقليدا فولكلوريا معزولا، بل بكونه آلية تمثيل تُفضي إلى خلاصة صريحة: «اللعب الأسود يُبيّض إيران» - تمهيدًا لقراءةٍ تُعيد وصل الأرشيف السينمائي الإيراني بتاريخ العبودية في المحيط الهندي، وتمثلاته المعادية للسود.

تؤكد وزيري منذ الصفحات الأولى، من كتاب «السواد العِرقي وعبودية المحيط الهندي»، أن المشهد السينمائي الإيراني ما قبل الثورة - وما يتجاوزه - لم يكتفِ بتمثيل السواد، بل قدّمه من خلال عدسة معادية للسود. وتبني عبر عملها فكرة "أزلية مسار السواد العِرقي وكونه لا مفكَّرًا فيه، ومنسيًّا على صعيد الخبرة". فمن تكوين المشهد (الميزانسين) إلى التركيب (المونتاج)، وفي مختلف الصيغ السينمائية، لا يُفكَّر في السواد بوصفه موضوعًا واعيًا. والأفلام الإيرانية العديدة التي تقاربها تؤكد أن معاداة السود في الأرشيف السينمائي الإيراني ما قبل الثورة ظلّت غير مُعالَجة: إنها "غير مُستحضَرة"، كما تقول، لكنها - في تمثيلها – "لا تُنسى".

رغم شيوع أطروحة «الآري/الهندوأوروبي» التي صاغت بعمق تمثّل إيران لبياضها، ظلّت الدراسات التقليدية تُحجم عن مساءلة هذا الخطاب نقديًا في علاقته بالسواد العِرقي

ومن بين هذه الأفلام «ليلة الأحدب» (Shab‑i Qūzī)، بالأبيض والأسود، لفروخ غفاري (1964). تتوقّف وزيري خصوصًا عند مشهدٍ يظهر فيه ممثل أبيض بوجهٍ مُسوَّد، يدخل إلى المشهد (الكادر) ويسأل - بفارسية تكاد لا تُفهم - عمّا إذا كان سيّده استمتع بالموسيقى: "اسمحوا لهذا العبد المولود في البيت [ghulām‑i khānahzād] أن يُسليكم. أيها العازفون، اعزفوا!" يصيح بينما يواصل السيد - غير مُبالٍ - تدخين نرجيلته. ويصبّ "العبد المولود في البيت" ذو الوجه الأسود سائلًا من إبريقٍ على الرفّ، في كأس صغيرة أشبه بكأس «شوت»، ثم يضعها على جبهته، وهو يتمايل رقصًا، وينحني إلى الخلف بما يكفي ليتمكّن السيد من التقاطها.

ما يزال كثير من الإيرانيين داخل البلاد وخارجها يدافعون بحرارة عن التمثيل بالوجه الأسود في التقاليد الفارسية، وتُحاجج وزيري بدقةٍ دعاة «براءة سياه‌بازي العِرقية» الذين «يُصِرّون على فردانية شخصية الـ«سياه/الأسود». كما تتناول فيلم «باشو، الغريب الصغير» (1989) لما بعد الثورة من إخراج بهرام بيضائي - المُعرَّف في موقع دراسات إيران بجامعة ستانفورد بوصفه "مخرجًا وكاتبًا مسرحيًا وباحثًا ومربّيًا حائزًا لجوائز" - لكنه معروف أيضًا بكتابته وإنتاجه عروضًا بوجهٍ أسود، بينها عرض في ستانفورد عام 2016. فـ«سياه‌بازي»، بحسب هذا «الأستاذ» الإيراني بالنسبة لكثيرين، ليس تمثيلًا بوجهٍ أسود، بل تقليدا قديما يخلع عليه صفة الخصوصية الثقافية، ويؤطّره أخلاقيًا.

يُقوِّض عمل وزيري السرديةَ الإيرانية الغالبة عن «البراءة العِرقية» التي يروّج لها باحثون مثل بيضائي، ويقدّم أكثر من مئتين وخمسين صفحة من التحليل الذي يُبيّن كيف أن المجتمع الإيراني لم يكن يومًا خارج العرقنة - عبر قصصٍ مخفية عن الهجرة الأفريقية والحضور الأسود في الخليج ومساعي التبييض القومي للذات - وكيف صاغت السينما الإيرانية تمثيلات يغلب عليها عداءٌ عميقٌ للسود. ولا يكتفي كتاب وزيري برصد محو السرديات السوداء من الأرشيف السينمائي الإيراني، بل يعرّي هذا الأرشيف ما قبل الثورة على عمق معاداته للسود.

بهذا العمل اللافت تُواجِه وزيري «النظرة الإيرانية البيضاء» - غير المُقَرّ بها - وتُجادل، بوجاهة، السردية السائدة التي تستبعد، كما تكتب "وعيًا بمنظورٍ قد نسمّيه أسود". تحليلاتها لتمثيلات السواد واستدعاءاته في أفلام تُعدّ جزءًا من المتن الإيراني تُركّز البُعد العِرقي الذي طال تجاهله في الواقع الإيراني. وهي تنقّب في الوثائقيات بالأبيض والأسود والأفلام التجريبية عن الزار، تلك التي - كما تقول - غالبًا ما تستبطن «افتتانًا إثنوغرافيًا بطقس الروح الأفريقية».

كثيرًا ما يقول إيرانيون - حتى لبعض الإيرانيين السود أنفسهم، ومنهم صاحبة هذه الكلمات – "لا وجود لسود في إيران". وقد علّمتني التجربة أن هذه العبارة ليست تأكيدًا لحقيقةٍ مُعتقَدة، بقدر ما هي انعكاسٌ للإحجام المستحيل عن الإقرار بأن الوعي الإيراني مشبَع أصلًا بمعاداة السود. فإذا لم يكن في إيران «سودٌ» فلن تكون ثمة معاداة للسود. وبما أن فئةً واسعة ما تزال ترى أن سودَ الجنوب «سودٌ من الشمس»، سيُحرَص دائمًا على نزع سياق السواد في إيران.

يُقوِّض عمل وزيري السرديةَ الإيرانية الغالبة عن «البراءة العِرقية» التي يروّج لها باحثون، ويقدّم أكثر من مئتين وخمسين صفحة من التحليل الذي يُبيّن كيف أن المجتمع الإيراني لم يكن يومًا خارج العرقنة

يُفضي هذا في النهاية إلى تجاهُل إمكانية أن يتبلور منظورٌ لامرأةٍ إيرانيةٍ سوداء - مثلي - وإلى إنكار شعور الوصم العِرقي، وأنا أشاهد «ليلة الأحدب» لفروخ غفاري حين يقبّل الممثل الأبيض بوجهٍ مُسوَّد «قدم سيّده»؛ يصبح ذلك الشعور مستحيلًا، ومن ثمّ غير مُعتدٍّ به. ومن المعلوم أن السينما تُحاكي الواقع؛ وكتاب وزيري شاهدٌ قوي على ذلك.

من الأفلام ما قبل الثورة إلى عروض سياه‌بازي، ومن الوثائقيات الإثنوغرافية عن الزار والجنوب إلى غيرها، لم تتوقّف الدراسات الإيرانية التقليدية مرةً أمام الدلالات العِرقية لمثل هذا الرصيد من «الأعمال». وكأن السواد ليس واقعيًا أصلًا، بما يفسح المجال لازدهار معاداة السود. وحين يُواجَه هذا الإرثُ من قِبل إيرانيين سود - مثل «التجمّع من أجل الإيرانيين السود» (Collective for Black Iranians)، وهو "أول مشروع إعلامي ينجزه إيرانيون سود عن كونهم سودًا وإيرانيين" - الذي وصف ممارساتٍ كـ«سياه‌بازي» بأنها معادية للسود، يسارع أنصار «البراءة العِرقية» الإيرانية إلى الامتعاض والقول بوقوع «تلوّثٍ بسياق أجنبي»، فيجرّدون الإيرانيين السود - أينما كانوا - من وكالة تشكيل وجهات نظر مستقلة عن الفهم الإقصائي المُسبَق لما ينبغي أن تُفهَم عليه «سياه‌بازي».

بهذا العمل تتقدّم باريسا وزيري بكونها من قلائل الباحثين الذين يقرأون الأرشيف السينمائي الإيراني بمنظار العِرق، فتنتزع حيّزًا لوجود السرديات السوداء الإيرانية وأشكال التمثيل الذاتي. ومع هذا الكتاب - وإلى جانب عددٍ متزايدٍ من الباحثين في الشأن الإيراني - ترفض تكريس محوِ السواد العِرقي من الواقع الإيراني.