تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 19 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

طبيب في قبضة الدولة: لماذا تخشى السلطة في إثيوبيا أصوات المهنة؟

16 يوليو, 2025
الصورة
طبيب في قبضة الدولة: لماذا تخشى السلطة في إثيوبيا أصوات المهنة؟
Share
الدكتور دانيال فنتانيه، أحد أبرز أطباء إثيوبيا وملهم أجيال من طلاب الطب، يقبع خلف القضبان منذ أكثر من أسبوعين، رغم انتهاء الإضراب الذي كان أحد وجوهه. تروي هذه المقالة قصته كاملة؛ من كتيباته الجراحية التي أصبحت مرجعًا للطلاب، إلى لحظة اعتقاله، مرورًا بإرثه الأكاديمي والنضالي. في ظل نظام صحي يتداعى، أصبح صوت "ديبول" صرخة أمل ومقاومة.

في اللغة الأمهرية، تعني كلمة "ديبول" (ደቦል) "الشبل" أو "الأسد الصغير"، رمزًا للقوة والشجاعة والثبات الهادئ الذي لا يتزعزع. وبالنسبة لكثير من طلبة الطب في إثيوبيا، لم يكن هذا الاسم مجرد لقب، بل كان بمثابة شريان حياة. وقد أصبح أيضًا عنوانًا لكتيب جراحي موجز وعملي يحمل اسم "ديبول: الجراحة الموجهة إلى سرير المريض"، وهو دليل تحوّل إلى مرجع لا غنى عنه في ليالي السهر الطويلة، والجولات المرهقة، وتفاصيل الدراسة الطبية المليئة بالتحديات. شارك في تأليف هذا الكتاب الدكتور دانيال فنتانيه، الذي كان حينها طبيبًا مقيماً في قسم التوليد وأمراض النساء بجامعة بحر دار. أما اليوم، فهو خلف قضبان السجن.

أصبح دانيال أحد أبرز وجوه حركة المهنيين الصحيين في إثيوبيا، وهي موجة من الاحتجاج اجتاحت مستشفيات وعيادات البلاد في مايو/أيار الماضي، حين خرج آلاف الأطباء والممرضين والعاملين في مجال الصحة إلى الشوارع مطالبين بزيادة الرواتب، وتحسين ظروف العمل، واحترام حقوقهم المهنية.

من خلال صفحاته واسعة الانتشار على فيسبوك وتيليغرام تحت اسم "دكتور ديبول"، تحول دانيال إلى منارة رقمية، يقدم من خلالها تحديثات، وتشجيعًا وتضامنًا لزملائه المنتشرين في أنحاء النظام الصحي المرهق في إثيوبيا. لم يقتصر تأثيره على النشاط الرقمي؛ فقد شارك في تأليف كتاب "ديبول: الجراحة الموجهة إلى سرير المريض" رفقة الدكتور داغماوي مولقيتا - الذي يدير أيضًا منصة "دكتور ديبول"، كما ألّف كتابًا بعنوان "كيف تفتح عيادة في إثيوبيا؟" (How to Open a Clinic in Ethiopia?)، وهو دليل عملي يمكّن الأطباء الشباب من بدء مشاريعهم الطبية.

يشغل دانيال كذلك عضوية مجلس إدارة منصة "(MAC Ethiopia) وهو مسؤول عن التعليم الإلكتروني فيها، وهي منصة تُعنى بتطوير التعليم الطبي والصحة الرقمية في البلاد. يقول الدكتور داغماوي مولقيتا، متحدثًا عن احتجاز صديقه: "الدكتور دانيال ليس مجرد زميل؛ إنه نبض هذه الحركة. واعتقاله ليس فقط ظلمًا، بل خطرًا يهدد الجميع. إنها رسالة مرعبة مفادها: من يبني ويعلم ويقود بصمت، سيُعاقب إذا ما تجرأ على الكلام".

صوت الدكتور دانيال، وإن أُسكت خلف القضبان، لا يزال حاضرًا في كتبه، وطلابه، وزملائه. إن إرثه لا يتمثل فقط في المقاومة، بل في الرعاية والشجاعة والقناعة العميقة بأن النظام الصحي في إثيوبيا يمكن أن يُبنى من جديد

لم يكن الإضراب الصحي الذي اندلع في منتصف مايو/أيار فعلًا عفويًا أو لحظة غضب مفاجئة، بل بلغ ذروته بعد سنوات من الإحباط والإهمال. العاملون في قطاع الصحة بإثيوبيا هم من بين الأقل دخلًا في المنطقة، إذ لا يتجاوز راتب بعض الأطباء المتخصصين 110 دولار شهريًا. والأسوأ من ذلك أن أوجه القصور في النظام الصحي لا تؤثر فقط على العاملين، بل تطال عموم السكان، في ظل النقص المستمر في المستلزمات الطبية الأساسية - من القفازات إلى الأدوية الضرورية- لا سيما في المستشفيات الحكومية. يعمل الأطباء تحت ضغط دائم، وغالبًا ما يضطرون للعمل في نوبات تمتد لـ36 ساعة من دون راحة.

تحدث كثير من العاملين في القطاع الصحي عن أن معاناتهم لا تقتصر على الإرهاق الجسدي فحسب، بل تمتد إلى الجانب النفسي والمعنوي؛ فمشاهدة المرضى وهم يتألمون، بسبب عجز النظام الصحي عن تقديم الرعاية اللازمة، تترك في نفوسهم جرحًا أخلاقيًا عميقًا. لذلك، لم يكن الإضراب مجرد احتجاج على الأجور أو ساعات العمل، بل كان صرخة من أجل الكرامة، من أجل الحق في ممارسة الطب في ظروف تُمكّن من العلاج الحقيقي، لا مجرد البقاء على قيد الحياة.

الدكتور دانيال ليس مجرد زميل؛ إنه نبض هذه الحركة. واعتقاله ليس فقط ظلمًا، بل خطرًا يهدد الجميع. إنها رسالة مرعبة مفادها: من يبني ويعلم ويقود بصمت، سيُعاقب إذا ما تجرأ على الكلام

لكن الحكومة لم تتأخر في الرد، فجاء موقفها حادًا وصادمًا. إذ سارع رئيس الوزراء آبي أحمد إلى التنديد بالحركة، متهمًا إياها بأنها واقعة تحت سيطرة "انتهازيين سياسيين"، ووصف الأطباء المضربين بأنهم "سياسيون يرتدون المعاطف البيضاء". وقد ترددت هذه التصريحات في أروقة المستشفيات كأنها حكم قاسٍ أُعلن من أعلى، فأغلقت أبواب الحوار وساهمت في تعميق الفجوة بين الحكومة والأطر الطبية.

تم اعتقال الدكتور دانيال في 25 يونيو/حزيران، حوالي الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، في مدينة بحر دار. وجاء احتجازه في وقت كان فيه العديد من العاملين في الصحة قد عادوا إلى عملهم مكرهين، لا لأن مطالبهم لُبّيت، بل بسبب تصاعد الخوف: الخوف من الاعتقال أو فقدان الوظيفة أو الاستبدال. وجهت إليه السلطات تهمًا تتعلق بـ"التحريض والتعبئة والتنظيم" للإضراب، واتهمته بالتسبب في "خسائر بشرية"، وهي تُهم لم يتم تقديم أي دليل علني عليها حتى الآن.

في أول مثول له أمام المحكمة بعد يومين من اعتقاله، تحدّث الدكتور دانيال عن ظروف احتجازه القاسية في مركز الشرطة رقم 13، الواقع بالقرب من مستشفى فليغي هيوت، حيث كان محتجزًا في غرفة ضيقة برفقة 16 معتقلاً آخر. طالب حينها بنقله إلى منشأة احتجاز أكثر ملائمة، لكن المحكمة قررت تمديد توقيفه لخمسة أيام إضافية، ما أطال من فترة اعتقاله. ومع مرور أكثر من أحد عشر يومًا على احتجازه، لا يزال قابعًا خلف القضبان دون محاكمة أو إفراج.

لا تُمثّل قضيته حالة معزولة، بل تأتي ضمن حملة قمع أوسع طالت القطاع الصحي. فمنذ انطلاق الإضراب، اعتقلت السلطات 149 مهنيًا صحيًا؛ أفرج عن 145 منهم، بينما لا يزال عدد منهم في السجون، من بينهم: الدكتور توفيق أمان ووندمنيو والي جنبر ويارغال هاولتو، الذين تم توقيفهم جميعًا ما بين 12 و15 مايو/أيار الماضي.

يُعد استمرار احتجاز هؤلاء رسالة صادمة ومقلقة: ففي إثيوبيا اليوم، قد يُفضي الدفاع عن إصلاح النظام الصحي إلى الزج بك في السجن. وقد أدانت منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية هذه الاعتقالات، ووصفتها بـ"التعسفية"، معتبرةً إياها جزءًا من "نمط مقلق" يهدد حرية التعبير والحق في التجمع السلمي. وطالبت المنظمة بالإفراج "الفوري وغير المشروط" عن الدكتور دانيال، كما جاء في بيانها الرسمي.

تزايد أصوات التضامن

رغم محاولات الحكومة إسكات أنصاره، لم تخفت الموجة الداعمة للدكتور دانيال. فقد كتب طبيب زاره مؤخرًا على فيسبوك: "وجدت الدكتور دانيال في مركز الشرطة الثالث ببحر دار. ابتسامته وقوته لا تزالان صامدتين. رغم أن الحكومة، المعروفة بالتعذيب، حاولت سحق روحه، فإن دانيال رجل حديدي لا ينكسر". وختم بالدعوة إلى زيارة زملائه له قائلا: "إنه محتجز من أجلنا".

وكتب الطبيب أمهاغيتا يلما، معبرًا عن حجم تأثيره: "داني (اسم دانيال المختصر) ديبول قدّم للصحة الإثيوبية أكثر مما قدم أي وزير. ملاحظاته الدراسية المجانية أنقذتنا خلال سنوات ممارسة الطب. ودليله لإطلاق العيادات منحنا الأمل عندما اختفت الوظائف. والآن، يُسجن لأنه وقف معنا. إنه تشي غيفارا الخاص بنا".

تحدث كثير من العاملين في القطاع الصحي عن أن معاناتهم لا تقتصر على الإرهاق الجسدي فحسب، بل تمتد إلى الجانب النفسي والمعنوي؛ فمشاهدة المرضى وهم يتألمون، بسبب عجز النظام الصحي عن تقديم الرعاية اللازمة، تترك في نفوسهم جرحًا أخلاقيًا عميقًا

بوصفي مهنيّة صحية ومدافعة عن هذا القطاع، تابعت قصة الدكتور دانيال بمزيج من الحزن والعزم. لقد تحمل العاملون في القطاع الصحي في إثيوبيا ويلات الصراع ونقص الموارد وإرهاقًا متواصلًا. ومع ذلك، لم نمر من قبل بلحظة يُجرَّم فيها من يرعى صحة الناس، فقط لأنه طالب بأن يُصغى إليه. إن اعتقال الدكتور دانيال لا يمثل مجرد ظلم فردي، بل هو رسالة تحذير لكل من يعلّم، ويهتم، ويتشبث بالأمل في بناء نظام صحي أفضل.

ورغم جسامة التحديات التي واجهناها، لا يزال الأمل ثابتًا في داخلي، أتشبث به بإصرار لا ينكسر. لقد كان صمود العاملين في الصحة واقعًا يوميًا نعيشه، لا مجرد فكرة مثالية. ظللنا إلى جانب مرضانا في خنادق النزاع، نوفر الرعاية في منشآت بالكاد تصلها الكهرباء، ووسط نقص مزمن في أبسط الضروريات. ومع ذلك، نواصل العمل بلا كلل، مدفوعين بإيمان لا يتزعزع بمسؤوليتنا تجاه المهنة وتجاه من نخدمهم.

صوت الدكتور دانيال، وإن أُسكت خلف القضبان، لا يزال حاضرًا في كتبه، وطلابه، وزملائه. إن إرثه لا يتمثل فقط في المقاومة، بل في الرعاية والشجاعة والقناعة العميقة بأن النظام الصحي في إثيوبيا يمكن أن يُبنى من جديد.

لقد جسّد دانيال معنى الاسم الذي حمله، "ديبول" ليس بالكلام، بل بالفعل والمثال. واليوم، تقع علينا جميعًا، سواء كنا من الجمهور العام أو من المجتمع الدولي مسؤولية أن نضمن ألّا يُخمد صوته. فلا ننسى أن وراء كل طبيب معتقل، نظامًا صحيًا على شفير الانهيار، ووراء كل جناح صامت في مستشفى، مستقبلًا بأكمله مهدد بالضياع.