تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 12 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

طبيب أم شريك في المجازر؟ تفاصيل استئناف محاكمة أوجين رواموسيو في فرنسا

17 يوليو, 2026
الصورة
طبيب أم شريك في المجازر؟ تفاصيل استئناف محاكمة أوجين رواموسيو في فرنسا
Share

طالبت النيابة العامة الفرنسية بإنزال عقوبة السجن ثلاثين عاما بحق الطبيب الرواندي أوجين رواموسيو (Eugène Rwamucyo)، خلال جلسات الاستئناف المنعقدة أمام محكمة الجنايات في باريس، في واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بالإبادة الجماعية التي استهدفت أقلية التوتسي في رواندا عام 1994. وتأتي هذه المطالبة بعد الحكم الصادر عن محكمة الجنايات في باريس في أكتوبر/تشرين الأول 2024، الذي قضى بسجنه سبعة وعشرين عاماً بعد إدانته بالتواطؤ في الإبادة الجماعية والتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، بينما تسعى النيابة في مرحلة الاستئناف إلى تشديد العقوبة، معتبرة أن الوقائع المنسوبة إليه تبرر رفعها إلى ثلاثين عاماً، وفق ما أوردته إذاعة فرنسا الدولية RFI)) في تغطيتها لجلسات الاستئناف.

وبحسب ملف الاتهام، فإن رواموسيو، الذي كان يشغل منصباً طبياً وإدارياً في منطقة بوتاري جنوب رواندا أثناء الإبادة الجماعية، متهم بالمشاركة في التخطيط والتنفيذ اللوجستي لبعض الجرائم، إلى جانب الإشراف على عمليات دفن آلاف الجثث في مقابر جماعية في محاولة لإخفاء آثار المجازر. كما تتهمه النيابة بالمساهمة في التحريض على استهداف المدنيين من أبناء التوتسي، وهي اتهامات ظل ينفيها بصورة متواصلة منذ بدء الإجراءات القضائية بحقه. أشارت صحيفة لوموند إلى أن المحكمة الابتدائية اعتبرت مشاركته في إخفاء الجثث جزءاً من المشروع الإجرامي المرتبط بالإبادة، حتى وإن لم تثبت مشاركته المباشرة في تنفيذ عمليات القتل.

خلال جلسات الاستئناف، أكدت النيابة العامة أن الأدلة التي قُدمت أمام المحكمة، بما في ذلك شهادات ناجين وشهود عيان ووثائق تاريخية، تدعم الإدانة بصورة قوية، مشددة على أن المتهم لم يكن مجرد طبيب يعمل في منطقة شهدت أعمال عنف، بل كان جزءاً من المنظومة التي ساهمت في تنفيذ المشروع الإجرامي ضد التوتسي. كما رأت النيابة أن العقوبة البالغة سبعة وعشرين عاماً لا تعكس بصورة كافية جسامة الجرائم، مطالبة المحكمة بتشديدها إلى ثلاثين عاماً. 

في المقابل، تمسك فريق الدفاع ببراءة رواموسيو، مؤكداً أن موكله لم يشارك في أعمال القتل أو إصدار الأوامر بارتكابها، وأن وجوده في بوتاري كان مرتبطاً بمهامه الطبية. كما دفع الدفاع بأن عدداً من الشهادات التي استند إليها الادعاء تعاني من تناقضات، مطالباً محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم الصادر في الدرجة الأولى أو تخفيفه. وأشارت RFI إلى أن رواموسيو استعان بفريق دفاع جديد في مرحلة الاستئناف، مع إصراره على نفي جميع الاتهامات الموجهة إليه.

وتحظى القضية باهتمام واسع من منظمات الناجين من الإبادة الجماعية، وعلى رأسها جمعية إيبوكا – فرنسا Ibuka France))، التي تمثل عدداً كبيراً من الأطراف المدنية في القضية، حيث يتجاوز عددهم 530 طرفاً مدنياً. وتتابع الجمعية جلسات المحاكمة بصورة يومية، معتبرة أن القضية تمثل اختباراً جديداً لالتزام القضاء الفرنسي بمحاسبة المتورطين في جرائم الإبادة الجماعية الذين استقروا في فرنسا بعد عام 1994. وقد نشرت الجمعية تقارير تفصيلية عن مجريات كل جلسة منذ انطلاق الاستئناف في يونيو 2026. 

تأتي هذه القضية ضمن سلسلة من المحاكمات التي تنظر فيها المحاكم الفرنسية استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يسمح بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية حتى وإن ارتكبت خارج الأراضي الفرنسية. وخلال السنوات الأخيرة أصدرت المحاكم الفرنسية عدداً من الأحكام بحق مسؤولين وعسكريين روانديين سابقين، في إطار تعاون قضائي متزايد بين باريس وكيغالي، بعد عقود من التوتر السياسي بين البلدين بشأن أحداث عام 1994.

تعد الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا واحدة من أكثر الجرائم دموية في التاريخ الحديث، إذ قُتل نحو 800 ألف شخص خلال ما يقارب مئة يوم ، بحسب تقديرات الأمم المتحدة. وقد شكلت تلك الأحداث أساساً لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، كما دفعت عدداً من الدول الأوروبية، من بينها فرنسا وبلجيكا، إلى ملاحقة المتهمين الذين لجؤوا إلى أراضيها بعد انتهاء الإبادة، في إطار الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة الإفلات من العقاب في الجرائم الدولية الكبرى.

ومن المنتظر أن تصدر محكمة الاستئناف في باريس حكمها بعد انتهاء المرافعات، وسط متابعة وثيقة من منظمات حقوق الإنسان والناجين من الإبادة، الذين يرون أن القضية تمثل محطة مهمة في مسار العدالة الدولية، بعد أكثر من ثلاثة عقود على واحدة من أكثر المآسي الإنسانية دموية في القارة الأفريقية.