الثلاثاء 10 مارس 2026
ولدت شيرين رمضان عام 1953 في العاصمة الصومالية لأم صومالية وأب باكستاني، ونشأت في ظل الإدارة الإيطالية للبلاد، حيث تلقت تعليمها باللغة الإيطالية، وهو ما شكّل لاحقًا نواة مشروعها الأدبي. في عام 1971، غادرت إلى مدينة نوفارا شمالي إيطاليا، فكان الانتقال مفاجئًا ومؤلمًا، كما تصفه، مقارنةً بصفاء أجواء مقديشو ودفء حياتها فيها. لاحقًا تحولت إيطاليا إلى موطنها الدائم، بينما تنقلت أسرتها بين دول متعددة: زامبيا والولايات المتحدة وكينيا والسعودية وتونس.
أصدرت شيرين روايتها الأولى "بعيدًا عن مقديشو" (1994)، وهي سيرة ذاتية مكتوبة بالإيطالية، تُعد من أوائل النصوص ما بعد الكولونيالية التي صدرت في إيطاليا. ومثّلت الرواية صدمة ضرورية للوعي الثقافي الإيطالي، إذ كشفت عن تاريخ من الإنكار تجاه الماضي الاستعماري، وسلّطت الضوء على تجارب المهاجرين السود في الشمال الإيطالي، قبل أن تصبح الهجرة الأفريقية ظاهرة واسعة. يرى الباحث سيموني بريوني أن الرواية أدّت "دورًا محوريًا في تفكيك المخيال الإيطالي الكولونيالي"، حيث أتاحت، للمرة الأولى، سردًا ذا طابع أفريقي خالص من داخل إيطاليا. وما زال الكتاب يُعاد طبعه إلى اليوم، ما يعكس استمرارية تأثيره في النقاشات الثقافية والسياسية.
الروائي الصومالي المعروف نورالدين فارح وصف رواية شيرين بكونها نموذجًا استثنائيًا لكيفية تحويل الشتات الصومالي إلى مساحة للنقد والمساءلة. ويؤكد أن الرواية كانت من أولى المحاولات التي تناولت الحرب الأهلية الصومالية من منظور داخلي، وفضحت تجاهل الإعلام العالمي لما جرى من دمار وانهيار في البلاد، بما في ذلك أحداث 1993، وعملية "استعادة الأمل" العسكرية. ويرى فارح أن شيرين أسست لخطاب جديد يعيد امتلاك السردية الصومالية بأدواتها الذاتية.
واصلت شيرين استكشاف قضايا الهوية والعرق وما بعد الاستعمار في روايتها الثانية "غيوم فوق خط الاستواء: الإيطاليون المنسيون" (2010)، والتي نُقلت لاحقًا إلى اللغة الإنجليزية عام 2017. تتناول الرواية قصة فتاة من أصول صومالية وإيطالية، وتفتح من خلالها نقاشًا حول الانتماء والذاكرة والاختلاف الثقافي.
بعد انتقالها إلى مدينة برمنغهام البريطانية عام 2010، بدأت شيرين الكتابة باللغة الإنجليزية، وانضمت إلى جماعة "كتّاب بلا حدود"، وشاركت في عدد من المشاريع البحثية التي تدرس اللغات العابرة للحدود، وتداخلها مع التجارب المهاجرة.
وفي عام 2017، أصدرت أول مجموعة شعرية بالإنجليزية بعنوان "أجنحة"، تضم ثلاث وحدات رئيسية: "الشتات" و"عالق بين منزلين" و"المهاجرون". تتأمل في القصائد معاني الوطن والانتماء والاقتلاع والعبور، وقد ترجمت شيرين المجموعة بنفسها إلى الإيطالية. كما شاركت في الفيلم الوثائقي "ذكريات مقديشو" (2018)، الذي جمع شهادات حيّة من أفراد الشتات الصومالي حول مدينتهم الأم وتجاربهم في المنفى.
أثارت إحدى قصائدها، بحرنا المشترك، اهتمام المؤلفة الفرنسية إليزابيث بوسيرو، التي لحّنتها في عمل موسيقي بعنوان "صمتنا المشترك" عام 2018. وفي عملها التشاركي الأحدث الكتابة عن الإسلام: "سرديات من الشتات" (2020)، الصادر بالإنجليزية عام 2023 بعنوان "الإسلام وأنا"، تتناول شيرين، إلى جانب كاتبات أخريات، تجربة المرأة المسلمة في كل من بريطانيا وإيطاليا، في ضوء الجندر والهوية والدين. كما نشرت في العام نفسه ديوانها الشعري الأخير "رضعتُ الحلاوة – قصائد".
في هذا الحوار مع "جيسكا"، تسترجع شيرين رمضان علي فاضل بحنين ووضوح ملامح مقديشو التي نشأت فيها، وتتحدث عن لحظة انهيار الدولة، وتفاصيل الحياة في المنفى، وما دفعها للتمسك بالكتابة، كما تشاركنا نظرتها المتفائلة إلى مستقبل الصومال.
شيرين رمضان علي فاضل: حين اندلعت الحرب الأهلية عام 1991، لم أصدّق ما كانت تنقله وسائل الإعلام من صور الخراب والموت. حتى سكان مقديشو لم يتوقعوا أن يستمر العنف أكثر من أسبوعين. لكن الأمور خرجت عن السيطرة، وتحوّل الوطن إلى ركام. كان صادمًا أن إيطاليا، رغم إرثها الاستعماري في الصومال، لم تبادر إلى تقديم قراءة مسؤولة لما يحدث. أما الإعلام الدولي، فقد اختزل الصومال في صور البؤس والدمار، وطمس تمامًا وجهها الآخر، ذلك الوجه الذي أعرفه، والذي كان رمزًا للتسامح والتعايش والخير.
لم أكن أحتمل أن أرى مدينتي تُعرض بهذا الشكل المجتزأ: مدينة اغتصاب ونهب وموت. المدينة التي عرفتها كانت مليئة بالمحبة والكرامة والاحترام المتبادل. ولأني لستُ سياسية، ولا أملك سلطة تغيير الواقع، لجأت إلى الكتابة. أردتُ أن أكتب عن الوجه الجميل لذلك الوطن، أن أستعيده بالذاكرة والحنين، من هذا الألم وُلدت الرواية.
شيرين: كانت مقديشو آنذاك مدينة يعيش فيها الصوماليون إلى جانب العرب واليمنيين والإيطاليين والهنود والباكستانيين، بل وحتى عدد قليل من اليهود. لم نكن نُعرّف أنفسنا بالعشائر، بل بالأحياء التي ننتمي إليها: شنغاني وبيلاجو وبونديري وأنسالوتي وحمر ويني... كانت هذه الأحياء تشكّل نسيجًا اجتماعيًا بديلاً عن التقسيمات القبلية. وكانت اللغتان الإيطالية والصومالية تُستخدمان بصورة طبيعية، يسودها الاحترام والتفاهم.
كان الكبار يُعاملون بكل تقدير، وكأنهم آباء للجميع. الجيران يتشاركون كل شيء: الأفراح والأتراح والمناسبات... لم يكن هناك تمييز أو كراهية أو عزلة. كان ذلك عالمًا مختلفًا.
أما الإسلام، فلم يكن مجرد شكل أو مظهر، بل ممارسة يومية قائمة على الرحمة والعطاء والاحترام المتبادل. أمهاتنا كنّ يرتدين "الغرايس" و"الغرابسار"، وكان التدين ينعكس في السلوك، لا في الزينة. أتمنى حقًا أن يستعيد الصومال تلك الروح.
شيرين: كانت تلك الأخبار كاشفة لعجز الغرب ونفاقه. لم تُقدّم الحكومات الأوروبية أي مساعدة تُذكر للشعب الصومالي، بل تُرك اللاجئون ليغرقوا في البحر أو يعانوا من ظروف لجوء قاسية. حكاياتهم كانت تُقابل بالتشكيك أو التجاهل. كان واضحًا أن الغرب سيتعامل بطريقة مختلفة تمامًا لو أن الكارثة وقعت في بلد أوروبي. فهم لا يتعاملون مع القيم الإنسانية والديمقراطية إلا من منظور نفعي.
شيرين: هذا الشعور شائع، وأسبابه متعددة. أولًا، هناك الأمل الكامن في العودة، والذي قد يمتد لسنوات طويلة دون أن يتحقق. وثانيًا، هناك الإحساس المستمر بأنك غريب، لا يُعرّفك المجتمع إلا من خلال مظهرك ولونك أو حجابك، لا من خلال تجربتك وهوّيتك. وثالثًا، هناك اصطدام القيم التربوية التي نحملها معنا بقيم المجتمع الجديد، ما يؤدي إلى فجوات تربوية داخل الأسر، وتصدّع في العلاقة بين الأهل والأبناء.
لكنني أؤمن أن على الإنسان أن يتصالح مع واقعه، أن يُعيد تشكيل هويته على نحو نقدي، ويعيش في مجتمعه الجديد بوعي انتقائي: يأخذ ما يناسبه، ويترك ما لا ينسجم مع قيمه. هذا ما يُساعدنا على تجاوز التيه الثقافي.
شيرين: الأمهات هنّ العمود الفقري للمجتمع في الشتات. لقد تحملن عبء تربية الأجيال في ظروف غاية في الصعوبة، ونجحن في الحفاظ على اللغة والهوية والدين. الأم ليست مجرد فرد في الأسرة، بل حافظة للثقافة، وناقلة للذاكرة، وجسر بين الماضي والمستقبل. وبالنسبة لي، أمي هي من غرس فيّ الوعي بهويتي الصومالية.
شيرين: نعم، لديّ الكثير من الأمل، وقد عبّرت عنه في كتابي التالي "عبق الأونسي: بين الصومال وإيطاليا". تحدّثت فيه عن التحولات الإيجابية التي بدأت تشهدها البلاد. أنا على يقين أن مرحلة الدمار قد انتهت، وأن الصومال لن يعود إلى الوراء، بل سيتقدم إلى الأمام بثبات.