تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

سياسة المنافذ البحرية في القرن الأفريقي: إثيوبيا وصوماليلاند وما بعد الوضع القائم

25 يناير, 2026
الصورة
سياسة المنافذ البحرية في القرن الأفريقي: إثيوبيا وصوماليلاند وما بعد الوضع القائم
Share

مدفوعةً بسعي إثيوبيا الحثيث إلى منفذٍ بحري، وبكفاح صوماليلاند من أجل انتزاع الاعتراف الدولي، تُجسّد العلاقة بين الطرفين منذ عام 2018 تحوّلًا مدروسًا من نمط التعايش الهادئ إلى مساومات استراتيجية عالية المخاطر.

لطالما كان القرن الأفريقي فضاءً للتناقضات: فهو ملتقى جيو-استراتيجي للتجارة العالمية، وفي الوقت نفسه مسرحا مضطربا للصراعات الداخلية. فكل عام، تعبر زهاء 40 ألف سفينة ممرّ البحر الأحمر، ناقلةً نحو 40٪ من إمدادات النفط العالمية، وما يقارب 700 مليار دولار من السلع. هذا الممر التجاري العالمي الحيوي، الذي ينقل أكثر من 12٪ من حجم التجارة العالمية، وقرابة ثلثي تجارة السلع بين آسيا وأوروبا، بات ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى الساعية إلى إقامة قواعد عسكرية وحماية مصالحها الوطنية.

غير أنّ ما يكمن تحت هذا الطريق البحري لا يقل تعقيدًا، إذ يتمثل في شبكة متداخلة من "المجمّعات الأمنية الإقليمية المترابطة"، حيث تؤدي التحركات الداخلية لأي فاعل إلى إحداث ارتدادات لا مفرّ منها تتجاوز حدود جيرانه. وفي قلب هذه الدينامية الراهنة تبرز العلاقة المتنامية بين إثيوبيا، أكبر دولة غير ساحلية من حيث عدد السكان في العالم، وكيان صوماليلاند بحكم الأمر الواقع.


اتسمت العلاقة بين أديس أبابا وهرجيسا، على مدى ثلاثة عقود، بالهدوء والود، بفضل السياسة البراغماتية الإثيوبية القائمة على "الاعتراف العملي لا الاسمي" بصوماليلاند. فقد وفّرت صوماليلاند المستقرة لإثيوبيا حاجزًا أمنيًا وممرًا للتجارة، في حين استفادت هرجيسا من صديق قوي كان ينظر إليها بوصفها كيانًا سياديًا فاعلًا، حتى في الوقت الذي كان فيه العالم يتغاضى عنها. غير أنّ هذه العلاقة «النموذجية» شهدت منذ عام 2018 تحوّلًا كبيرًا. مدفوعة بإعادة توجيه السياسة الخارجية الإثيوبية نحو الصومال، وما أعقب ذلك من حاجة ملحّة إلى منفذ بحري، وبالحاجة الوجودية لصوماليلاند إلى اعتراف قانوني، انخرط الطرفان في مقامرة دبلوماسية عالية الرهانات، تعيد رسم الجغرافيا الجيوسياسية لشمال شرق أفريقيا. ولم تقتصر مذكرة التفاهم الموقّعة بينهما عام 2024 على إعادة صياغة قواعد علاقتهما الثنائية، بل أحدثت أيضًا ارتدادات واسعة في الإقليم بأسره.

جذور الشراكة الاستراتيجية

تعود الروابط السياسية الودية الرسمية بين إثيوبيا وصوماليلاند إلى عام 1991، حين أعلن الكيان بحكم الأمر الواقع استقلاله، ودخل معترك السياسة الإقليمية. وقبل استعادة استقلالها عام 1991، كانت صوماليلاند (المحمية البريطانية السابقة) قد نالت استقلالها سنة 1960، ثم ما لبثت - بعد خمسة أيام فقط من التمتع بالحرية - أن اندمجت مع الجزء الصومالي الخاضع سابقًا للاستعمار الإيطالي لتشكيل جمهورية الصومال.

تميل القوى الكبرى التي تمتلك قواعد عسكرية راسخة في المنطقة إلى تفضيل الإبقاء على الوضع القائم، إذ تنظر بعين الريبة إلى إثيوبيا قوية ذات منفذ بحري ناشئ، خشية أن تقود حكومات المنطقة إلى تحدّي سيطرتها على طرق الملاحة في البحر الأحمر

بدأت التفاعلات بين الطرفين بشكل إيجابي، واستمرت على هذا النحو، إذ كانت إثيوبيا واحدة من 35 دولة اعترفت رسميًا باستقلال صوماليلاند الذي دام خمسة أيام، كما واصلت دعم النضال القومي للصوماليلانديين ضد نظام مقديشو. ونتيجة لذلك، وظّفت إثيوبيا - التي كانت على خلاف مع جمهورية الصومال بسبب طموحاتها التوسعية المعروفة بمشروع «الصومال الكبير» - والحركة الوطنية الصوماليلاندية، التي كانت تقاوم الاضطهاد والتهميش الذي تعرّضت له صوماليلاند داخل جمهورية الصومال، منطق «عدوّ عدوي صديقي» لتأسيس علاقاتهما الثنائية.

أصبحت إثيوبيا بعد "بعث" صوماليلاند عام 1991، أول دولة أفريقية تفتح قنصلية في هرجيسا، رُفعت لاحقًا إلى مستوى بعثة دبلوماسية (سفارة) عام 2006. وعلى الرغم من افتقارها إلى الاعتراف الدولي، كانت صوماليلاند تعمل بجواز سفرها الخاص وعملتها الوطنية وقواتها العسكرية، ما وفّر لإثيوبيا بديلًا مستقرًا عن حالة الفوضى التي سادت جنوب الصومال. وكان الحفاظ على استقرار صوماليلاند أمرًا حيويًا للأمن القومي الإثيوبي، إذ شكّل هدوء الحدود رادعًا أمام الجماعات المتطرفة والإرهابية القادمة من الصومال. كما أن إثيوبيا تُعد شريكًا محوريًا في السياسة الخارجية لصوماليلاند، بما تمثله من المسار الأكثر واقعية نحو نيل الاعتراف الدولي الذي كانت هرجيسا تتطلع إليه بإلحاح.

عهد آبي أحمد: تحوّلات السياسة وبؤر الاحتكاك

شكّل صعود رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 أول تصدّع حقيقي في هذه الشراكة الراسخة. فقد انطلقت سياسته الخارجية المبكرة، المسترشدة برؤية «توحيد القرن الأفريقي»، من إعطاء الأولوية للعلاقات الرسمية بين الدول مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو. وأدّى هذا التحوّل، إلى جانب تبنّي سياسة «عدم التدخّل» في الشؤون الداخلية للصومال، إلى فتور العلاقات مع هرجيسا. كما أن المساعي الأولى لإعلاء شأن الاندماج الإقليمي وإعادة توحيد الصومال، وضعت العلاقة مع صوماليلاند تحت ضغط، إذ نظرت هرجيسا بريبة إلى ما اعتبرته حسن نية إثيوبيًا مستجدًا تجاه الإدارة الفيدرالية في مقديشو.

تكشف ديناميات القرن الأفريقي بعد عام 2018 عن إقليم يشهد عملية إعادة تشكّل عميقة. فقد أسهمت العوامل الداخلية في إثيوبيا وصوماليلاند، إلى جانب الهواجس الإقليمية والدولية، في إعادة صياغة تفاعلاتهما. ولم يعد الوضع التقليدي القائم على "الإهمال الحميد" تجاه صوماليلاند خيارًا قابلًا للاستمرار بالنسبة لإثيوبيا

تصاعدت حدّة التوتر أكثر عندما دخلت إثيوبيا في اتفاقات ثلاثية مع إريتريا والحكومة الفيدرالية الصومالية، وهو ما رأت فيه صوماليلاند محاولة لفرض عودتها إلى اتحاد طالما رفضته. وتفاقم هذا المسار باستضافة إثيوبيا عام 2022 مؤتمر العشائر المناهض لصوماليلاند. هذا "الجبل الجليدي" الدبلوماسي دفع هرجيسا إلى تبنّي استراتيجيات "توازن القوى"، من خلال الانفتاح على منافسي إثيوبيا الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر. ونتيجة لذلك، استقبلت هرجيسا وفودًا مصرية رفيعة المستوى للتفاوض حول التعاون التجاري، بل وحتى بشأن قاعدة عسكرية محتملة، ما وضع إثيوبيا في موقع جيوسياسي بالغ الهشاشة، خاصة في ظل صراعها مع القاهرة حول سدّ النهضة الإثيوبي الكبير.

مذكرة 2024: واقعية جديدة

منذ أن أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة عقب استقلال إريتريا عنها عام 1991، اتسم نهج سياستها الخارجية إزاء الموانئ بتوسيع الخيارات بما يخدم تنمية الاقتصاد الإثيوبي، الأمر الذي أفضى إلى تنافس بين الدول المجاورة لإقناع أديس أبابا باستخدام موانئها. وعلى هذا الأساس، قبلت الحكومة الإثيوبية عام 1991 بوضعها كدولة غير ساحلية، ولم تبذل جهودًا لإعادة بناء إثيوبيا كشريك في المياه الدولية، إذ نظرت إلى الميناء بوصفه مجرد خدمة أو سلعة يمكن شراؤها واستعمالها. غير أنّ هذه المسألة، بعد عام 2018، حظيت باهتمام متزايد وجرى «أمننتها»، لتُعتمد لاحقًا سياسة تهدف إلى الوصول إلى البحر، والسيطرة على ميناء يمكن لإثيوبيا إدارته، والتحوّل إلى قوة بحرية.

جاء الاختراق- وما رافقه من عاصفة إقليمية- في الأول من يناير/كانون الثاني 2024، مع توقيع مذكرة تفاهم تاريخية. إذ وافقت صوماليلاند على تأجير إثيوبيا شريطًا ساحليًا بطول 20 كلم لمدة 50 عامًا، لإقامة قاعدة بحرية وميناء تجاري. وفي المقابل، عرضت إثيوبيا "مراجعة معمّقة" لوضع الاعتراف الأمر الواقع بصوماليلاند، إلى جانب منحها حصة في شركة الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة. وقد مثّلت هذه المذكرة ذروة التلاقي بين المصالح الوطنية للطرفين: فإثيوبيا كانت بحاجة إلى إرواء "عطش دام ثلاثة عقود" إلى منفذ بحري مستقل، يضمن مستقبلها الاقتصادي وأمنها، ويتيح لها الانضمام إلى منتدى البحر الأحمر؛ في حين تسعى صوماليلاند إلى توظيف أصلها الحقيقي الوحيد - موقعها الجيوستراتيجي ـ لتجاوز العزلة الدبلوماسية وانتزاع الاعتراف القانوني الدولي .

الارتدادات الإقليمية و"صندوق باندورا"

أعاد منطق "الأخذ والعطاء" الثنائي الذي قامت عليه مذكرة التفاهم إحياء أشباح قديمة. فقد رأت جمهورية الصومال في هذه المذكرة انتهاكًا لسلامة أراضيها، وردّت بتشكيل تحالف عسكري مع كلٍّ من مصر وإريتريا. ويُظهر وصول الأسلحة والقوات المصرية إلى مقديشو في أواخر عام 2024 مدى السرعة التي يمكن أن تتحوّل بها النزاعات المحلية إلى حروب بالوكالة على نطاق أوسع. وإلى جانب ذلك، تميل القوى الكبرى التي تمتلك قواعد عسكرية راسخة في المنطقة إلى تفضيل الإبقاء على الوضع القائم، إذ تنظر بعين الريبة إلى إثيوبيا قوية ذات منفذ بحري ناشئ، خشية أن تقود حكومات المنطقة إلى تحدّي سيطرتها على طرق الملاحة في البحر الأحمر.

ومع مرور الوقت، صعّد بعض الفاعلين الإقليميين والقاريين ضغوطهم المناهضة لمذكرة التفاهم. ويرتكز جوهر حجج المعارضين على نظرية "صندوق باندورا"، التي تفترض أن الاعتراف بصوماليلاند سيفتح الباب أمام موجة من المطالب الانفصالية في أفريقيا. غير أنّ مذكرة 2024 تناقض هذا الطرح من خلال تأصيل مطالبة صوماليلاند تاريخيًا؛ إذ يرى مؤيدوها أن صوماليلاند ليست كيانًا انفصاليًا «جديدًا»، بل هي في الواقع تستعيد حدودها التي كانت قائمة عند تصفيتها من الاستعمار البريطاني عام 1960، وهو موقف ينسجم مع سياسة الاتحاد الأفريقي القائمة على احترام الحدود الاستعمارية الموروثة.

ظلّ اتفاق السلام في أنقرة محل جدل لأنه لم يُلغِ المذكرة، فيما لا تزال صوماليلاند تمثّل المسار الأكثر واقعية لتحقيق حلم إثيوبيا بالوصول إلى البحر، ليس فقط لما تتمتع به من ثقافة ديمقراطية واستقرار، بل أيضًا بسبب الموقف الإيجابي الحقيقي لسكانها تجاه إثيوبيا والدعم الشعبي الذي تحظى به هناك

وقّعت إثيوبيا والصومال تحت ضغط دولي كثيف، «إعلان أنقرة» في ديسمبر/كانون الأول 2024، بوساطة تركية، بهدف إنهاء الأعمال العدائية الفورية. وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق أقرّ بـ «الهواجس المشروعة لإثيوبيا بشأن الوصول إلى البحر»، فإنه تجاهل على نحو لافت شروط مذكرة التفاهم مع صوماليلاند، ما زرع بذور تعقيدات مستقبلية.

يذكّر اتفاق أنقرة صوماليلاند بهشاشتها إزاء تقلبات إرادات الدول الكبرى. أما بالنسبة لإثيوبيا، التي تعرّضت لضغوط كبيرة من جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي وحلفاء دوليين، فإن الاتفاق يعكس تراجعًا تكتيكيًا أكثر منه تخليًا عن طموحاتها البحرية. كما أبقى وضع مذكرة التفاهم الإثيوبية–الصوماليلاندية غامضًا، ما مهّد لاحتمالات توتّر لاحقة.

ظلّ اتفاق السلام في أنقرة محل جدل لأنه لم يُلغِ المذكرة، فيما لا تزال صوماليلاند تمثّل المسار الأكثر واقعية لتحقيق حلم إثيوبيا بالوصول إلى البحر، ليس فقط لما تتمتع به من ثقافة ديمقراطية واستقرار، بل أيضًا بسبب الموقف الإيجابي الحقيقي لسكانها تجاه إثيوبيا والدعم الشعبي الذي تحظى به هناك. وعلى الرغم من الجدل المحيط بالمذكرة، واصل البلدان إعادة ضبط علاقاتهما الثنائية وتأكيدها؛ إذ زار الرئيس الصومالي أديس أبابا في أكتوبر/تشرين الأول 2025، كما أوفدت إثيوبيا بعثة رفيعة المستوى إلى هرجيسا في ديسمبر/كانون الأول لتعزيز التجارة الثنائية وفرص الاستثمار والعلاقات الاقتصادية.

آفاق الطريق إلى الأمام

تكشف ديناميات القرن الأفريقي بعد عام 2018 عن إقليم يشهد عملية إعادة تشكّل عميقة. فقد أسهمت العوامل الداخلية في إثيوبيا وصوماليلاند، إلى جانب الهواجس الإقليمية والدولية، في إعادة صياغة تفاعلاتهما. ولم يعد الوضع التقليدي القائم على «الإهمال الحميد» تجاه صوماليلاند خيارًا قابلًا للاستمرار بالنسبة لإثيوبيا، التي تحتاج بإلحاح إلى منفذ بحري وتنويع منافذها المينائية. وفي المحصلة، ينبغي أن يكون الهدف هو تحقيق «ترابط اقتصادي» يتجاوز المقاربات الأمنية الضيقة. فتعزيز الروابط عبر السياحة العلاجية ـ التي تدرّ حاليًا على إثيوبيا نحو 20 مليون دولار سنويًا من مواطني صوماليلاند ـ إلى جانب الاستثمار العابر للحدود، قد يوفّر أساسًا أكثر ديمومة للسلام من أي تحالف عسكري.

يقف القرن الأفريقي اليوم عند مفترق طرق: فإمّا أن يستمر في دوّامة زعزعة الاستقرار المتبادل، أو أن يتّجه نحو مستقبل تُدار فيه قضايا الوصول إلى البحر والحق في الدولة، لا عبر فوهات البنادق، بل من خلال السعي المشترك إلى الاندماج الإقليمي. وتكتسب تطلعات إثيوبيا إلى الوصول البحري شرعية أكبر إذا تحققت عبر إقليمية تعاونية قائمة على القواعد، بدلًا من خطوات أحادية أو مساس بمبدأ السيادة. ولتحقيق ذلك، يتعيّن عليها تسويق رؤيتها المشتركة لجيرانها، مع توظيف مزاياها الاجتماعية-الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، مثل اقتصادها المتنامي وسوقها الواسع، وتطوّر بنيتها التحتية، وموقعها الاستراتيجي، ونفوذها العسكري والأمني، ودورها الدبلوماسي بوصفها مركزًا قاريًا، فضلًا عن مكانتها القيادية إقليميًا. وقبل كل شيء، فإن تعزيز الاندماج الاقتصادي الإقليمي يحقق مصلحة الطرفين ويحافظ على علاقات سلمية ومستقرة.

المقال الأصلي هنا