تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

صوماليون في سجون الأسد

18 ديسمبر, 2024
الصورة
Geeska cover
Share

سقط جدار الخوف، بسقوط نظام بشار الأسد، لتُكتشف العديد من المآسي التي عانى منها الشعب على مدار عقود، التي لم يسلم منها الوافدون إلى البلاد، ممن اضطرتهم الحروب في بلدانهم إلى البحث عن ملاذ في سوريا.
كانت الجالية الصومالية من بين هؤلاء، خصوصا الطلبة منهم، الذين ذهبوا للدراسة في الجامعات والمعاهد العلمية في دمشق، لكن العشرات منهم تعرضوا للاعتقال والتعذيب والترحيل، وقُتل بضعة أفراد منهم تحت التعذيب وفي الحرب.

الحضور الصومالي

توافد الصوماليون إلى سوريا بأعداد ملحوظة بعد سقوط نظام سياد بري عام 1991، منقسمين بين المسجلين بوصفهم لاجئين في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وغير المسجلين، وهم النسبة الأكبر، من القادرين على إعالة أنفسهم وأسرهم.

بلغ عدد المسجلين لاجئين في عام 2003 نحو 272 حالة، من بينهم 22 حالة لأسر تتكون من خمسة أفراد في المتوسط، وقفز العدد إلى 1278 حالة في عام 2006، فيما بلغ مجموع الصوماليين في دمشق وحدها، من اللاجئين والمقيمين ثمانية آلاف فرد في عام 2008، واستمر العدد في الارتفاع حتى اندلاع الثورة في 2011.

دفعت الاضطرابات السياسية والأمنية والاقتصادية الصوماليين إلى الهجرة ثانيةً من سوريا، فتناقصت أعدادهم بشكل كبير، خاصة بعد 2013. وقد شكل الطلبة النسبة الأكبر بين الحضور في دمشق، من الدارسين في جامعتها ومعاهدها الشرعية، وتعرض هؤلاء قبيل الثورة في عام 2011، لضغوط أمنية، وتدخلات من حزب البعث.

يقول مسؤول في السفارة الصومالية في دمشق، طلب عدم الكشف عن اسمه، إنّ معظم المعاهد الشرعية التي درس فيها العشرات من الطلبة الصوماليين كانت تابعة لوزارة الأوقاف، ولهذا كانت لها بعض الاستقلالية عن حزب البعث، بخلاف جامعة دمشق التي كانت تحت هيمنة الحزب. 
يضيف المسؤول لـ"جيسكا" بأنّ الأجهزة الأمنية السورية كانت تحتجز جوازات سفر الطلاب الصوماليين في المعاهد الشرعية، حين يذهبون للتقديم أو تجديد الإقامات، ويطلبون منهم مراجعة الفروع الأمنية كل أسبوعين، ثم يحتجزون من يراودهم شك بشأنه، لمدة تتراوح بين أسبوعين إلى شهر، يتعرض خلالها للتعذيب، ثم يصدر قرار بترحيله بعد هذا، سواء أكانت إقامته سليمة أم لا.

يلفت إلى أنّ السفارة والعائلات كانوا ممنوعين من متابعة حالات المحتجزين لدى الجهات الأمنية، حتى صدور قرار الإفراج عن المحتجز والترحيل الفوري، فتقوم السفارة بتخليص أوراقه، وتدفع الأسر تكلفة تذاكر الطيران، دون وجود أية فرصة لأي استئناف ضد قرار الترحيل.

استهداف طلبة الشريعة

درست هبة شوكري؛ المواطنة الصومالية، الطب في جامعة دمشق، وكانت عضوة في اتحاد الطلبة الصوماليين في سوريا لمدة أربعة أعوام، وعملت مسؤولة عن الأنشطة الثقافية، حتى رحيلها عن البلاد في 2013. تقول لـ"جيسكا" إنّ السلطات السورية اشترطت أنّ يكون رئيس الاتحاد ونائبه وأمين السر من أعضاء حزب البعث، ما يعني أنّ عليهم حضور الاجتماعات الحزبية الأسبوعية والشهرية. وتضيف موضحة، أنّه كان على الطالب الراغب في الترقي داخل العمل الطلابي أنّ يكون عضوًا في الحزب، سواء أكان سوريًا أم وافدًا.

تتابع شوكري، أنّ الآلاف من الطلبة والطالبات من الصومال درسوا في الجامعات والمعاهد السورية، مستفيدين من التسهيلات التي كان النظام يمنحها للطبة العرب. وحول مدى تغلغل الأجهزة الأمنية في الجامعات، تقول إنّ النصيحة التي كانت توجه للطلاب الجدد هي الابتعاد عن التجمعات، وعدم الخوض في السياسية أيًا كان نوعها، وتجنب الحديث بأي شكل من الأشكال عن الدين.

تحكي أنّه في بداية عام 2010، دخلت عناصر من المخابرات السورية إلى مكتب اتحاد الطلبة، وطلبوا معلومات عن زميل يدرس بكلية الشريعة في دمشق، وبحثوا في الملفات عن سكنه. وتتابع بأنّهم لاحقًا علموا باعتقال الطالب بتهمة الإرهاب، مشيرة إلى أنّ هذه الواقعة لم تكن استثناء؛ فجميع طلبة العلوم الشرعية من المواطنين والوافدين كانوا تحت مراقبة الأجهزة الأمنية.

تغيّر الوضع للأسوأ، بعد اندلاع المظاهرات ضد النظام في عام 2011، تقول شوكري، إنّها علمت من زملاء في الاتحاد أنّ الأجهزة الأمنية طلبت منهم كتابة تقارير حول زملائهم السوريين والعرب، والتبليغ عمن لديه توجه معارض، أو حتى من يتهامس حول الثورة. وتذكر أنّ الطلبة الصوماليين تعهدوا بالنأي عن النفس، وعدم الوشاية عن زملائهم، وقال أحدهم في تجمع لهم: "أتيت هنا للدراسة، لا للعمل كجاسوس".
تضيف شوكري، إنّ العديد من الصوماليين الذين كانوا يعيشون في ريف دمشق تعرضوا للاعتقال، أثناء المداهمات وحصار الريف، وقتلت سيدة صومالية وطفليها في قصف النظام على حرستا أثناء حصارها.

قتلى تحت التعذيب

توجد أربعة حالات موثقة لمواطنين صوماليين تعرضوا لتعذيب شديد، أدى إلى وفاة اثنين، وإصابة ثالث بعجز دائم عن الحركة، في حين نجا الرابع بعد قضائه 9 أعوام كاملة السجن.

تعود أولى هذه الحالات إلى عام 2003، وهي لشاب صومالي يحمل الجنسيتين الدنماركية والهولندية، وكان يعيش في النرويج. يقول المسؤول في السفارة الصومالية، إنّ النظام رعى توافد المقاتلين إلى سوريا، كممر للتوجه للقتال ضد القوات الأمريكية وحلفائها في العراق، واشتهرت منطقة الجراجات كنقطة تجمع، وانطلاق للمقاتلين، بعلم وإشراف من السلطات الأمنية.

يتابع، أنّ الشاب كان يجمع تبرعات لدعم المقاتلين، وزار سوريا مرتين بجواز سفره الدانماركي، وفي المرة الثالثة حين جاء بجواز سفره الهولندي بصحبة عائلته، ألقت السلطات القبض عليه، واحتجزته في أحد فروع الأمن السياسي، ثم أطلقوا سراح زوجته بعد 10 أيام. يسرد لـ"جيسكا"، بأنّ السفارتين الصومالية والهولندية لم تنجحا في التوصل لمعلومات بشأنه، ولم تتعاون معهما السلطات السورية، ثم بعد ثلاثة أشهر أُفرج عن الشاب.
يقول إنّ الشاب قبيل اعتقاله كان بصحة جيدة للغاية، وحين خرج من المعتقل كان مقعدًا، وفاقدًا للقدرة على الحركة من شدة التعذيب، ولا يزال حتى اليوم غير قادر على الحركة.

يأتي تاليًا، ابن السفير الصومالي السابق في القاهرة، عبد الله حسن، الذي يعتبر أطول الصوماليين اعتقالًا في سوريا، بحسب المصدر السابق. فقد قبضت السلطات السورية على الشاب في أواخر عام 2010، بتهمة مشكوك في صحتها، وهي التجسس، وحُكم عليه بالسجن لمدة 15 عامًا. كان الشاب يحمل الجنسيتين الهولندية والصومالية، فتدخلت سفارتا البلدين، إلى جانب والده الذي استعان بعلاقاته مع مسؤولين مصريين وعرب، لكن هذه الجهود لم تؤت أكلها، حتى 2019، حين قررت السلطات الإفراج عن الشاب، وترحيله إلى هولندا، ولم يشهد والده هذه اللحظة، فقد توفى قبيل أنّ يرى ابنه حرًا ثانيةً.
ذكر الشاب للمسؤولين في السفارة الصومالية أنّه تعرض لأصناف عديدة من التعذيب خلال الأعوام الأربعة الأولى من سجنه، وقضى فترات في سجون صيدنايا وغزة العسكري، وغيرها من السجون السرية. وفي إحدى المرات، ظل يسير لمدة ثلاث ساعات معصوب العينين، وأمامه يسير السجانون في سيارة داخل نفق في أحد السجون.

هناك حالتان آخريان، توفيتا تحت التعذيب، الأولى لشاب يدعى سامي، اُعتقل في 2011، مع اثنين من مواطني دولته، من داخل مقهي إنترنت. تقول مواطنة صومالية تعيش في سوريا، فضلت عدم كشف هويتها، في إفادتها لـ"جيسكا" إنّ الأجهزة الأمنية اعتقلت الشباب الثلاثة، حين كانوا في المقهى، بسبب فتح رابط حول الثورة على أحد الأجهزة التي كانوا يستخدمونها. وتضيف أنّه أُفرج عن الشابين، فيما اعتقل سامي، رغم أنّه لم يفتح الرابط، بل قام بذلك شخص آخر استخدم الحاسوب قبل دخولهم المقهى.

بحسب منشور لشقيق سامي على منصة "إكس"، لم تنجح العائلة التي كانت تقيم في دمشق في معرفة أي شيء عن مصير ابنها لمدة أعوام، ولم تصل لأي معلومة، حتى ظهر الشاب ضمن الصور التي سُربت في القضية المعروفة باسم "قيصر"، في الصفحة رقم 45، وبعدها اضطرت الأسرة لمغادرة سوريا. تقول المواطنة السابقة، إنها علمت أنّ الشاب سامي كان مصابًا بداء السكري، ورفضت الأجهزة الأمنية منحه الدواء، وتوفى بسبب هذا في سجنه، ولم تستلم أسرته الجثمان أبدًا.

الحالة الثانية لرجل يدعى الشيخ أدن طيري، قضى نحبه تحت التعذيب، وتمكنت الجالية والسفارة الصوماليتين من استلام جثمانه ودفنه. يقول مسؤول في اتحاد الطلبة الصوماليين، أنّه بحسب المتابعة لم يكن هناك سجين صومالي وقت انهيار النظام، وخرج آخر سجين في عام 2019. ويذكر أنّ خمسة صوماليين قضوا نحبهم خلال قصف عشوائي للنظام على مدينة التل في ريف دمشق، وسمح النظام بجمع الجثث، ودُفنوا جميعًا مع 50 سوريًا في مقبرة جماعية قرب مستشفى الحسن في التل.

نهاية نظام الأسد في سوريا بفرار الطاغية إلى موسكو، تحرر للسوريين والسوريات من أبناء البلد أولا، وأيضا بطاقة أمان وسلام للأجانب الوافديين على سوريا؛ زوارا ومقيمين، فمزاجية عصابة البعث لم تكن تفرق بين الوطنيين والأجانب فالجميع لديها "متهم حتى تبث إدانته".