تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

صوماليلاند ومقديشو في سباق لوبيات بواشنطن لحسم ملف الاعتراف

17 يناير, 2026
الصورة
صوماليلاند ومقديشو في سباق لوبيات بواشنطن لحسم ملف الاعتراف
Share

تتصاعد في العاصمة الأميركية معركة نفوذ دبلوماسية صامتة بين صوماليلاند والحكومة الفدرالية الصومالية، مع انتقال ملف الاعتراف الدولي إلى قلب "كيه ستريت" حيث تعمل شركات الضغط والعلاقات العامة على صياغة الرسائل، وترتيب اللقاءات، وبناء سرديات متنافسة داخل الكونغرس وأوساط صنع القرار. وفيما تراهن هرجيسا على أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تعيد النظر في سياسة "صومال واحد" التي تبنتها واشنطن لعقود، تتحرك مقديشو سريعاً لاحتواء أي انعطافة محتملة قد تمنح صوماليلاند مكسباً تاريخياً.

وثائق مسجلة لدى وزارة العدل الأميركية ضمن نظام تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) تُظهر حجم الرهان المالي والسياسي على "الدبلوماسية عبر اللوبيات". ففي جانب الحكومة الفدرالية الصومالية، تحتفظ سفارة الصومال في واشنطن بعقد مع شركة BGR Group يبدأ من 1 ديسمبر/كانون الأول 2024 ولمدة 12 شهراً، مقابل 50 ألف دولار شهرياً، لتقديم خدمات علاقات حكومية تتعلق بالعلاقات الأميركية–الصومالية، وفق نص خطاب الاتفاق المرفق في الإيداعات الرسمية.

في المقابل، تكشف إيداعات منفصلة ضمن (FARA) أن وزارة خارجية صوماليلاند تمدد تعاونها مع شركة FGS Global (US) LLC — التي كانت تُعرف سابقاً باسم Glover Park Group—حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، مقابل 29 ألف دولار شهرياً كرسوم غير قابلة للاسترداد، وفق نص ملحق التعديل للعقد.

لا ينحصر جوهر الصراع في واشنطن في العقود، بل في المسار السياسي الذي تحاول هرجيسا فتحه داخل المؤسسات الأميركية. ففي يونيو/حزيران 2025، طُرح في مجلس النواب مشروع قانون بعنوان “Republic of Somaliland Independence Act” (H.R. 3992)، ويذهب نصه إلى أبعد من مجرد دعوة رمزية، إذ ينص على أن سياسة الولايات المتحدة تعتبر “المطالبات الإقليمية” للصومال على منطقة صوماليلاند "غير صالحة وبلا سند"، ويُجيز للرئيس الأميركي الاعتراف بصوماليلاند كدولة مستقلة. 

أما مقديشو، فتتعامل مع هذا المسار بوصفه تهديداً مباشراً لوحدة أراضيها، وتدفع باتجاه تثبيت الموقف الأميركي التقليدي، مع التركيز على أن أي اعتراف بصوماليلاند قد يفتح الباب أمام سوابق انفصالية في القارة. غير أن تحدي مقديشو—وفق مقاربات متداولة في واشنطن—لا يقتصر على الحجة القانونية، بل يمتد إلى معضلة التنفيذ والشرعية الفعلية على الأرض، وهو ما يحاول خصومها استثماره سياسياً. كيف يمكن لحكومة فدرالية تعاني تباينات داخلية وتحديات أمنية مزمنة أن تُقنع واشنطن بالتمسك الصارم بمبدأ السيادة، بينما تُقدّم هرجيسا نفسها نموذجاً أكثر استقراراً وتماسكاً من حيث المؤسسات المحلية والانتخابات وإدارة الموانئ؟

ويبرز البعد الجيوسياسي بقوة في هذا الملف. ففي مارس/آذار 2025، كشفت وكالة رويترز عن رسالة من الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعرض فيها "سيطرة حصرية" للولايات المتحدة على قواعد وموانئ، من بينها بربرة وبوصاصو، سعياً لتعزيز الحضور العسكري واللوجستي الأميركي في ممر شديد الحساسية. إلا أن إدراج بربرة أثار اعتراضاً من صوماليلاند؛ إذ نقلت رويترز عن وزير خارجية صوماليلاند قوله إن واشنطن تعرف الجهة التي ينبغي أن تتعامل معها في ملف بربرة، في إشارة إلى أن الميناء خارج سلطة مقديشو الفعلية. 

وفي السياق ذاته، كانت صحيفة "الغارديان" قد نقلت في مايو/أيار 2025 عن رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله (عرّو) قوله إن الاعتراف "على الأفق"، مع حديث عن اهتمام أميركي بتقييم “أصل” بربرة لأغراض أمنية ولوجستية، في ظل وجود قاعدة أميركية رئيسية في جيبوتي وتزايد القلق الأميركي من النفوذ الصيني هناك.

اكتسب الدفع نحو الاعتراف زخماً إضافياً بعد خطوة إسرائيل في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 بالاعتراف بصوماليلاند، وهي خطوة اعتبرتها هرجيسا اختراقاً سياسياً، فيما رفضتها مقديشو وعدّتها مساساً بسيادتها. كما تغذت حملة الاعتراف في واشنطن من سجالات داخلية أميركية ومقالات رأي تدعو إلى التعامل مع صوماليلاند باعتبارها “واقع دولة” من حيث مؤسسات الحكم والعملة والانتخابات، مقابل التشكيك في جدوى الرهان الأميركي التقليدي على مركز ضعيف في مقديشو.

وفي حين تُظهر الوثائق الرسمية أن الطرفين ينفقان على التأثير السياسي عبر قنوات قانونية معلنة، يبقى السؤال الحقيقي في واشنطن هل تتحول هذه الحرب الناعمة إلى تغيير فعلي في الموقف الأميركي؟ بالنسبة لأنصار الاعتراف، توفر صوماليلاند بميناء بربرة وموقعها على خليج عدن قرب باب المندب فرصة استراتيجية لتوسيع الخيارات الأميركية في القرن الأفريقي. أما بالنسبة لمقديشو، فإن أي اعتراف سيُنظر إليه كضربة لمفهوم الدولة الصومالية وحدودها المعترف بها دولياً. وبين هذين الخطين، تتحرك شركات الضغط لتأطير الملف في لغة المصالح الأميركية، من خلال الحديث حول الأمن البحري، مكافحة الإرهاب، منافسة الصين، وحسابات الاستقرار—وهي مفردات تبدو، حتى الآن، الأكثر تأثيراً في صناعة القرار داخل "واشنطن ترامب".