السبت 13 يونيو 2026
يشقّ موكب من سيارات الدفع الرباعي ذات الزجاج الداكن الأزقة الترابية في هرجيسا، عاصمة صوماليلاند، قبل أن يتوارى خلف بوابات وزارة الخارجية. يترجّل من السيارات أربعة رجال أعمال أستراليين ببدلات رسمية أنيقة، في مشهد يختصر ما تأمل السلطة المحلية في تحويله إلى واقع دائم ينقلها من هامش الاعتراف الإسرائيلي إلى خريطة المستثمرين. يمضي الضيوف نحو المبنى ذي الأعمدة المطلية بالأخضر والأبيض والأحمر؛ ألوان علم هذه الدولة المعلنة من جانب واحد في شمال غرب الصومال.
مطلع أبريل/نيسان، يستقبل وزير الخارجية عبد الرحمن بكال ضيوفه بابتسامة عريضة، مدركا أن الزيارة تتجاوز طابعها البروتوكولي. يسألهم، وهو يتخذ مقعده في قاعة استقبال مخصصة للزوار: "ما انطباعاتكم عن البلد؟". يأتيه الرد من أحد الأستراليين مطمئنًا: "إيجابية جدا. كان من المهم لنا أن نأتي ونرى الأمور على الأرض. سننقل رسالة إيجابية إلى مساهمينا". يلتقط الوزير العبارة سريعا ويحوّلها إلى رسالة سياسية جاهزة: "يمكنهم أن يطمئنوا. صوماليلاند واحة سلام واستقرار. إنها المكان الأكثر أمنا في القرن الأفريقي كله".
وصل المستثمرون من مدينة بيرث ممثلين لشركة التعدين الأسترالية EAU Mining، المتخصصة في المعادن الصناعية. وخارج الوزارة، يوضح الرئيس التنفيذي للشركة، جيمس دورانت، أن الزيارة جاءت بعد اعتراف إسرائيل، في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، باستقلال صوماليلاند المعلن عام 1991، لتصبح أول دولة في العالم تقدم على هذه الخطوة. بالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر باعتراف رمزي فقط، بل بإشارة سياسية قد تفتح الباب أمام اصطفاف دولي أوسع. يقول قبل أن يعود إلى الموكب: "إنها إشارة قوية توحي بأن صوماليلاند قد تدخل قريبا الساحة الدولية. نحن نراقب عن كثب مؤشرات الاعتراف الأوسع، وسنقدم على الخطوة عندما تتضافر هذه المؤشرات بما يكفي".
تراهن سلطات صوماليلاند على أن يفتح الاعتراف الإسرائيلي بابًا أوسع، لا على المستوى الدبلوماسي فحسب، بل اقتصاديًا أيضًا. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على انفصالها عن الصومال، إثر مجازر مروعة تتهم هرجيسا مقديشو بتدبيرها، يبدو المسؤولون هنا مقتنعين بأن لحظة الانتظار الطويل شارفت على نهايتها. يقول محمد عبد الرحمن، أحد أقرب معاوني وزير الخارجية: "لقد حان وقت صوماليلاند أخيرًا". ثم يضيف، بنبرة تعكس المزاج الرسمي السائد: "آن الأوان لكي يعترف العالم بأننا بنينا أمة حقيقية، وأن يقر بحقنا في تقرير المصير".
ثمة عواصم أخرى تراقب المشهد، وبعضها تبدو مغرية لها فكرة اللحاق بتل أبيب، رغم حساسية مبدأ عدم المساس بالحدود. إثيوبيا، الباحثة منذ سنوات عن منفذ بحري، كادت عام 2024 تبرم اتفاقا مع هرجيسا يمنحها شريطا ساحليا بطول 19 كلم على خليج عدن، قبل أن تتراجع تحت ضغط مقديشو. أما الإمارات العربية المتحدة، الحاضرة منذ زمن في تطوير ميناء بربرة الكبير، حيث تحتفظ أيضا بقاعدة عسكرية، فتتابع الملف عن كثب.
يبقى مفتاح الاعتراف الأوسع في واشنطن، حيث يدفع جزء من المؤسسة الجمهورية باتجاه إعادة النظر في موقع صوماليلاند على الخريطة السياسية للقرن الأفريقي. ويعد السيناتور الجمهوري النافذ عن ولاية تكساس، تيد كروز، القريب من إسرائيل، من أبرز الأصوات المدافعة عن هرجيسا. ففي جلسة لمجلس الشيوخ في 23 أبريل/نيسان، شدد كروز على "الأهمية الاستراتيجية المتنامية لصوماليلاند"، معتبرا أن دونالد ترامب قد يقدم على الاعتراف بهذه الدولة المعلنة من جانب واحد قبل نهاية ولايته. وفي الاتجاه نفسه، قدّم عدد من أعضاء مجلس النواب في مارس/آذار مشروع قانون يطلب من وزارة الخزانة تحديد العقبات القانونية التي تمنع صوماليلاند من الوصول إلى النظام المالي الأميركي. والهدف العملي من ذلك هو إدماجها في شبكة التحويلات الدولية "سويفت"، وهي بوابة أساسية للمعاملات المقومة بالدولار.
يمكنهم أن يطمئنوا صوماليلاند واحة سلام واستقرار. إنها المكان الأكثر أمنا في القرن الأفريقي كله
مع ذلك، لا تبدو الجاذبية الاستثمارية غائبة. فمن الميدان، تقدم صوماليلاند صورة تفاجئ كثيرين ممن ينظرون إليها فقط من زاوية عدم الاعتراف. في هرجيسا، تبدو ملامح مدينة أفريقية صاعدة من المقاهي التي يرتادها شباب أنيق ومتصل بالعالم، طالبات يلتقطن صورا احتفالًا بافتتاح مطعم يقدم وافل النوتيلا، ومركز تجاري جديد من الزجاج والفولاذ يستعد لفتح متاجره ووكالات السفر فيه. انقطاعات الكهرباء نادرة، الشوارع مقبولة الصيانة، والأسواق عامرة. كما يوفر المطار رحلات مباشرة إلى مراكز إقليمية رئيسية مثل دبي وجدة وأديس أبابا. وفوق المدينة، على قمة تل، يقف فندق من فئة خمس نجوم في البلاد، وقد افتتح في صيف 2025، كإشارة رمزية إلى الطموح الذي تحاول هرجيسا تسويقه للعالم.
على بعد نحو 150 كلم شمال هرجيسا، وفي نهاية طريق أسفلتي جيد التمهيد، يبرز ميناء بربرة برافعاته الثلاث الحديثة على الرصيف. المحطة التي بنتها شركة "DP World" لا تبدو مشروعا محليا فحسب، بل رهانا استراتيجيا على منافسة جيبوتي في خدمة إثيوبيا، العملاق السكاني في المنطقة. وبعد خضرة سلسلة جبال غوليس، تنفتح الهضبة العليا في منطقة برعو على مشهد رعوي واسع. مساحات شبه قاحلة تتناثر فيها قطعان الماعز والإبل والماشية كبقع فاتحة على امتداد الأرض، وإلى أن يتوسع ممر بربرة ـ أديس أبابا، يبقى الاقتصاد معتمدا بدرجة كبيرة على صادرات المواشي إلى شبه الجزيرة العربية، وعلى تحويلات المغتربين.
لقد حان وقت صوماليلاند أخيراً... آن الأوان لكي يعترف العالم بأننا بنينا أمة حقيقية، وأن يقر بحقنا في تقرير المصير
ورغم غياب الاعتراف الدولي وضعف الوصول إلى مساعدات التنمية، تبدو مؤشرات صوماليلاند الاقتصادية أفضل من بقية الصومال. فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أعلى بنحو 50 في المئة، فيما يقارب معدل الفقر نصف المعدل المسجل هناك. غير أن ما تفخر به هرجيسا أكثر من الأرقام هو قدرتها على بناء نظام سياسي مستقر نسبيًا وديمقراطي في محيط مضطرب، رغم التوترات المستمرة بين عشيرة إسحاق، المهيمنة ديموغرافيًا وجغرافيًا، والمجموعات الكبرى الأخرى، ولا سيما دير في الغرب ودارود في الشرق.
يقول المحامي غوليد جامع، أحد أبرز المدافعين عن الحقوق الأساسية: "نحن ديمقراطية فاعلة، الأكثر تقدمًا في المنطقة كلها. منذ انفصال عام 1991، أجرينا ستة انتخابات رئاسية، وشهدنا ست عمليات انتقال سلمي للسلطة". لكنه، لا يقدم هذه الصورة بلا تحفظات. فالديمقراطية، في رأيه، لا تزال محكومة بثغرات قانونية وسياسية واضحة. ويضيف: "دستورنا، الصادر عام 2001، تقدمي نسبيا. لكن قانون العقوبات لدينا لا يزال يستند إلى الإرث الموسوليني للاستعمار الإيطالي، وهو ما يدفع الشرطة بانتظام إلى عرقلة عمل الصحفيين والمعارضين السياسيين"
تتفق معه ماروو سعاد، القيادية في حزب "كاه" أو وهو تحالف معارض للحزب الحاكم. من مقر الحزب، وهو مبنى أحمر فاقع متوارٍ في ضواحي هرجيسا، تقول: "حكوماتنا منتخبة ديمقراطيًا، من دون أدنى شك. كانت حملة 2024 حيوية، وكانت نسبة المشاركة مرتفعة". لكنها تستدرك سريعًا: "لا يزال هناك ما ينبغي تحسينه: الفساد موجود، والنساء ما زلن مستبعدات إلى حد كبير من السلطة. لكن أي ديمقراطية تستطيع حقًا أن تزعم أنها كاملة؟".
في اليمن، لم يتأخر الحوثيون في إرسال رسالتهم. فمنذ 28 ديسمبر/كانون الأول، أعلنوا أن بربرة أصبحت "هدفًا مشروعًا"، في تهديد يكشف هشاشة موقع هرجيسا إذا انتقلت التوترات الإقليمية من السياسة إلى الميدان. فصوماليلاند لا تملك قدرة كبيرة على الردع. جيشها، المجهز أساسًا بدبابات وراجمات صواريخ استولى عليها من مقديشو في نهاية الحرب الأهلية في ثمانينيات القرن الماضي، يفتقر إلى منظومات دفاع جوي. ومع ذلك، يتمسك محمد عبد الرحمن بخطاب الطمأنة الرسمي، قائلًا: "صوماليلاند تستعد لهذا النوع من المواقف. يعمل جنرالاتنا ليل نهار لضمان أمن البلاد".
لكن القلق الأعمق، في نظر سُعاد عامريي من حزب "كاه" المعارض، لا يأتي من اليمن وحده، بل من احتمال أن يعيد الاعتراف الإسرائيلي إشعال الصراع الكامن مع مقديشو. تقول: "لا تزال المنطقة الشرقية موضع نزاع. ويمكن للصومال، التي تحظى بدعم الأتراك والصينيين والمصريين والسعوديين، أن تستأنف الأعمال العدائية ردًا على الاعتراف الإسرائيلي. تقول: "نحن على شفا حرب أخرى". وتذكّر بأن حركة الشباب أعلنت في 27 ديسمبر/كانون الأول أنها "ستقاتل" أي محاولة إسرائيلية "لاستخدام" صوماليلاند.
إنها إشارة قوية توحي بأن صوماليلاند قد تدخل قريباً الساحة الدولية. نحن نراقب عن كثب مؤشرات الاعتراف الأوسع، وسنقدم على الخطوة عندما تتضافر هذه المؤشرات بما يكفي
بهذا المعنى، تحتاج واحة السلام التي تسوّقها هرجيسا عن نفسها إلى ما هو أكثر من اعتراف تل أبيب كي تتحول إلى مشروع قابل للاستمرار. فبالنسبة إلى سُعاد، لا توجد قوة قادرة على ضبط داعمي الصومال سوى الولايات المتحدة. وتقول: "واشنطن وحدها قادرة على ضبط داعمي الصومال. لذلك، فهي الحماية الوحيدة ذات الأثر".
ويبدو أن حكومة صوماليلاند تميل إلى القراءة نفسها. فهي أقل غموضًا في الملف الأميركي مما هي عليه في الملف الإسرائيلي. ففي أواخر فبراير/شباط، أبلغت وكالة الصحافة الفرنسية استعدادها لمنح الولايات المتحدة "وصولًا حصريًا" إلى مواردها المعدنية، فضلًا عن الوصول إلى "قواعد عسكرية". كما زار موفدون من الجيش الأميركي هرجيسا وبربرة في يونيو/حزيران ثم في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. غير أن ذلك لا يعني أن واشنطن مستعدة للمضي بعيدًا. فلا شيء يشير حتى الآن إلى حماسة أميركية لنشر قوات هناك، خصوصًا أن الولايات المتحدة تحتفظ أصلًا بقاعدة في جيبوتي، وتتعاون مع مقديشو في عمليات مكافحة الإرهاب.
تراهن صوماليلاند أيضًا على ما تخفيه أرضها من ثروات. فباطنها يُعتقد أنه يحتوي على النفط والغاز والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة ومعادن أخرى، وهو ما دفع عدة شركات أجنبية إلى التمركز مبكرًا. فالشركة البريطانية Genel Energy تنقب عن المحروقات منذ عام 2012، فيما تبدي شركة Chang Development Company التايوانية وشركة Kilomass السعودية اهتمامًا بالليثيوم. وقد تنضم إليهما قريبًا شركة EAU Mining الأسترالية. غير أن هذا الاهتمام لا يزال، في معظمه، قائمًا على مؤشرات جيولوجية أكثر منه على اكتشافات مؤكدة؛ إذ لم يُثبت رسميًا حتى الآن إلا عدد محدود من المكامن.
لذلك، يحذر رجل الأعمال أحمد غيليه، مؤسس أكبر مصنع لتصنيع الأغذية في البلاد، من اختزال مستقبل صوماليلاند في الاعتراف الدولي أو في وعود التعدين وحدها. من داخل مستودع شمال هرجيسا، تتكدس فيه منصات عبوات كوكاكولا المعبأة في مصنعه، يقول بحزم: "ليست هذه هي الطريقة التي سنخلق بها آلاف الوظائف الصناعية التي يحتاج إليها شبابنا". بالنسبة إليه، يبدأ البناء الاقتصادي من قاعدة أوسع وأكثر صلابة: "علينا أن نوجه جهودنا نحو التصنيع والتكنولوجيا والزراعة. وحين ترسخ تلك القاعدة الاقتصادية، سيتبعها الاعتراف الدولي بصورة طبيعية".
لكن الطريق إلى هذه القاعدة لا يبدو سهلًا. فصوماليلاند تدخل سباق التنمية وهي مثقلة بعوائق بنيوية واضحة، بدًا من طاقة باهظة الكلفة لأنها تعتمد بالكامل على الوقود الثقيل، ويد عاملة محدودة التدريب، ومياه شحيحة في بيئة يفرض عليها المناخ الجاف قيودًا قاسية.
في فبراير/شباط، سافر خمسة وعشرون مهندسا من صوماليلاند إلى إسرائيل للتدرب على تقنيات الري. عادوا مبهورين بما رأوه، لكنهم عادوا أيضًا بإحساس أعمق بحجم الفجوة. يقول مهندس من وزارة المياه، التي لا تتجاوز ميزانيتها السنوية مليوني يورو إلا بقليل: "بنيتهم التحتية مذهلة، لكننا لا نملك حتى أول قرش لازم لاستنساخ ذلك النموذج". وهنا تتضح محدودية الرهان على الاعتراف الإسرائيلي وحده. ففي إقليم محاصر بقيود التمويل والبنية التحتية والمناخ، لا تكفي الشرعية السياسية لإزالة عقبات التنمية.