الجمعة 9 أكتوبر 2026
في مدارس صوماليلاند، كما يتذكّرها جيل ما بعد الحرب الأهلية، لم تكن الحرب التي دمّرت أجزاء واسعة من المدن الكبرى قد غادرت الفصول الدراسية تمامًا. ظلّت آثارها ماثلة على السبورات والأبواب المتضررة، وكانت المقاعد شحيحة إلى حدّ أن بعضنا اضطر إلى الجلوس على علب الحليب الفارغة أو قوالب الطوب. حتى المباني التي تلقّينا فيها تعليمنا بدت كأنها، هي الأخرى، دروس صامتة في ما جرى.
هكذا كانت صوماليلاند في منتصف تسعينيات القرن الماضي وأواخرها. لم يأتِ السلام دفعة واحدة، ولا في مراسم كبرى؛ بل تشكّل ببطء وسط أحياء مهدّمة وأسر تحاول أن تلملم شملها بعد الحرب والنزوح. كان على الناس أن يعيدوا بناء بيوتهم، ويفتحوا المدارس، ويستعيدوا سبل عيشهم. وبالنسبة إلى أسر كثيرة، كانت النجاة وسط ما تبقّى ألحّ من استعادة ما فُقد في الذاكرة.
ولفهم حجم التحول الذي وقع، تكفي العودة إلى 26 يونيو/حزيران 1960، حين انتهى الحكم البريطاني في صوماليلاند، وأُنزل علم الاتحاد البريطاني في هرجيسا، ليُرفع مكانه العلم الصومالي الأزرق ذو النجمة البيضاء. وبعد خمسة أيام، في الأول من يوليو/تموز، اتحدت صوماليلاند مع الإقليم الواقع جنوبًا، الذي كان خاضعًا للإدارة الإيطالية، لتشكيل الجمهورية الصومالية. وحمل ذلك الاتحاد أملًا سياسيًا استثنائيًا في أن تجتمع الأراضي التي جزّأتها الحدود الاستعمارية ضمن أمة صومالية أوسع.
لكن بعد واحد وثلاثين عامًا فقط، كان ذلك الأمل قد تحطّم وحلّت الحرب مكانه. وبحلول عام 1991، كان الدمار المادي أول ما تقع عليه العين. فقد دمّرت نيران المدفعية والغارات الجوية البيوت والمدارس والمكتبات والمباني العامة والأحياء التاريخية، وفق ما رواه لاحقًا بعض الذين رفضوا المشاركة في عمليات القصف. وفرّت الأسر، ولم تحمل معها أحيانًا سوى ما يكفي للبقاء على قيد الحياة.
غير أن الحرب لا تكتفي بتدمير ما يمكن رؤيته؛ فلها وجه آخر من الخراب يصعب قياسه، إذ تقطع سبل انتقال الذاكرة بين الأجيال. تختفي المقتنيات، وتتبعثر الأرشيفات، وتضيع الكتب والتسجيلات، ويرحل كبار السن قبل أن يُوثَّق ما يعرفونه. ثم يكبر الأطفال وهم يدركون أن شيئًا ما كان موجودًا قبلهم، من دون أن يجدوا بالضرورة الأماكن أو المؤسسات أو الأشخاص الذين يصلونهم به. وفي قلب هذا الانقطاع نشأ جيلي وبلغ سن الرشد.
كنّا، بهذا المعنى، أبناء إعادة الإعمار، ولذلك كان من الطبيعي أن تكون الأولويات من حولنا عملية وملحّة. فالمجتمع الخارج من نزاع يجد نفسه مضطرًا إلى اتخاذ خيارات قاسية: إذا احتاجت بلدة إلى عيادة ومكتبة، فأيهما يأتي أولًا؟ وإذا لم تكفِ الأموال إلا لبناء مستشفى أو متحف، فمن يستطيع أن يجادل ضد المستشفى؟ تبدو الإجابة بديهية حين يكون السؤال آنيًا، لكنها تغدو أكثر تعقيدًا حين تُقاس آثار هذا الاختيار على امتداد جيل كامل.
فالمستشفى يحفظ حياة الناس، والطرق تعيد وصل البلدات بعضها ببعض، وشبكات المياه تتيح للمجتمعات مواصلة حياتها. ولا غنى عن شيء من ذلك. لكن ماذا يحدث حين تتأجل إعادة بناء الحياة الثقافية لمجتمع إلى أجل غير مسمى؟ ومن يحفظ التسجيلات والقصائد والمخطوطات والصور والحكايات والذكريات التي تتيح للأجيال الناشئة أن تعرف من أين أتت؟
وخلال العقد الأول من الألفية الجديدة، وبينما كانت صوماليلاند لا تزال تعيد بناء جانب كبير من بنيتها التحتية المادية، كانت بنية من نوع آخر تشق طريقها إلى بيوتنا. انتشرت أطباق الأقمار الصناعية، وظهر يوتيوب، ثم جاءت شبكات التواصل الاجتماعي. وفجأة، وجد جيلنا نفسه أمام سيل بدا بلا نهاية من حكايات الآخرين، في حين ظل وصوله إلى أرشيفه الثقافي محدودًا.
سرعان ما أصبحت المسلسلات التركية والمكسيكية والعربية جزءًا من حياتنا اليومية. وأتذكّر، على وجه الخصوص، المسلسل التركي «نور». كانت حلقاته تُناقش بحماسة خلال الاستراحات المدرسية، وتستأثر شخصياته وحبكاته بأحاديثنا، كما لو أن أحداثه تجري بين أناس نعرفهم. وكان في ذلك قدر كبير من المتعة، بالطبع.
ما يهم، في نهاية الأمر، هو اللقاء. فمن دون هذه اللقاءات، نعيد إنتاج الظروف التي نشأ فيها جيلي، ونجد أنفسنا أمام مفارقة مختلة: نعرف الثقافات البعيدة عن قرب، بينما يظل تاريخنا نحن مجزّأً، أو بعيد المنال، أو مختزلًا في شعارات
ولم تكن الثقافة الأجنبية، في حد ذاتها، هي المشكلة. فكما يرى حسين عبد الله بلهان، أحد أكثر الباحثين الصوماليين المعاصرين تأثيرًا، في كتابه «بين ثلاث حضارات»، تشكّل المجتمع الصومالي منذ زمن بعيد من خلال التفاعل بين الحضارة الأفريقية الأصلية، والحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الغربية. لذلك، لم تكمن المشكلة في التأثير الثقافي نفسه، بل في اختلال التوازن بين هذه التقاليد، وفي اغترابنا التدريجي عن بعض أسسنادنا التاريخية والثقافية.
كان بوسعنا أن نعبر كل مساء بسهولة إلى تلك العوالم المتخيّلة، فيما ظل جانب كبير من العالم الفكري والثقافي الذي تشكّل فيه آباؤنا وأجدادنا بعيدًا عنا على نحو يثير المفارقة. كنا نحتفي بالشعر الصومالي بوصفه إرثًا، لكن أين نلتقي شعراءه؟ وأين نعثر على التسجيلات القديمة؟ وأين نجلس إلى كاتب مسرحي، أو مؤرخ، أو مخرج سينمائي، أو أحد كبار السن، لنسأله عمّا نجهله؟ وأين كان المكان الذي يتحول فيه التراث من شيء يُطلب منا أن نفخر به إلى تجربة نستطيع أن نعيشها فعلًا؟
في قلب هذا الفراغ، حدث في هرجيسا عام 2008 ما بدا للوهلة الأولى أمرًا بسيطًا: اجتمع الناس حول الكتب. وأقيمت الدورة الأولى من معرض هرجيسا الدولي للكتاب يومي 21 و22 أغسطس/آب في دار العمال، في قلب العاصمة. كان المعرض متواضعًا في بدايته، لكن أهمية ما كان يتشكّل آنذاك تجاوزت بكثير عدد الكتب المعروضة في القاعة.
أفسح المعرض، لزوار صوماليلاند القادمين من الخارج، نافذةً على مكان قلّما قُدّم إلى العالم خارج مفردات الصراع وعدم اليقين السياسي. أما بالنسبة إلينا، نحن الشباب الذين كنا نعيش هناك، فكان أثره أعمق وأكثر خصوصية. لقد أوجد فضاءً أصبحت فيه القراءة والكتابة والتاريخ والشعر والتصوير الفوتوغرافي والمسرح والنقاش أجزاءً من الحياة العامة، لا مجرد كماليات يمكن الاستغناء عنها.
ومع مرور الأعوام، تحولت هرجيسا إلى ملتقى للكتّاب والمفكرين من صوماليلاند وعموم الفضاء الناطق بالصومالية، ومن أفريقيا وأماكن أبعد. وكان من بين ضيوف المعرض والي أوكيديران، وجوني شتاينبرغ، وميمونة جالو، ومباليفي مسيسكا، وسيكو كيميريا، ودزيكاشو ماكفيبان، ويوسف ك. سيرونكوما، وهانا بول، وميروسلاف بارتا، إلى جانب كثيرين غيرهم. كما استقبل المعرض وفودًا تنتمي إلى بلدان وتقاليد أدبية مختلفة، ضمّت كتّابًا مثل فراس الخليفي وجمال بن سعيدان من تونس.
لكن الأهم أن الأسماء التي عرفناها من الكتب والقصائد والأفلام والبرامج الإذاعية وأحاديث كبار السن لم تعد بعيدة أو مجردة؛ فقد صار أصحابها يجلسون على بُعد مقاعد قليلة منا. أصبح بوسعنا أن نتعلم من المعلّم والمخرج السينمائي سعيد صالح أحمد، وأن نصغي إلى سعيد جامع وهو يشرح أصول كتابة القصة القصيرة، وأن نستمع إلى شعراء مثل رشيد شيخ عبد الله وفرح غموته، أو نلتقي الشاعر الكبير محمد إبراهيم ورسمي «هدراوي» الذي احتل شعره مكانة تكاد لا تُضاهى في الحياة الثقافية الصومالية.
وهكذا تقلّصت المسافة بين الكاتب الراسخ ومن لا يزال في بداية الطريق. فإذا كنت مهتمًا بالنثر، وجدت سعيد جامع؛ وإذا كان المسرح يستهويك، كان هناك سعيد صالح؛ أما إذا كان الشعر هو العالم الذي تريد دخوله، فقد جعلت الحوارات مع هدراوي وفرح غموته وغيرهما ذلك العالم ملموسًا وقريبًا. ولعل سهولة الوصول إلى هؤلاء المبدعين كانت واحدة من أكثر خصائص المعرض جذرية.
لا يمكننا أن نطالب طفلة بتقدير تاريخ لم نتيح لها وسيلة لاكتشافه. ولا يمكننا أن نطالب جيلًا بصون شعر لا يستطيع سماعه، ومخطوطات لا يستطيع رؤيتها، وأفلام لا يستطيع مشاهدتها، وحكايات لم يسجّلها أحد، أو معالم تاريخية تُركت تتداعى
فالمعرفة الثقافية لا تنتقل من جيل إلى آخر من تلقاء نفسها؛ إنها تحتاج إلى قرب إنساني: إلى شخص يتحدث، وآخر يكون قريبًا بما يكفي كي يصغي. وفي معرض هرجيسا الدولي للكتاب، كان هذا القرب بين الأجيال يُصنع عن قصد.
ومع الوقت، نشأت حول المعرض ورش في الكتابة الإبداعية والتصوير الفوتوغرافي والصحافة والأدب وغيرها من أشكال الممارسة الفنية. وكان الشباب يأتون إلى هرجيسا من مختلف مناطق صوماليلاند ضمن نوادي للقرّاء تمثل بلداتهم ومجتمعاتهم. ويصل بعضهم قبل انطلاق المعرض للمشاركة في تدريبات مكثفة، ثم يبقون طوال أيامه متطوعين ومشاركين.
قد يأتي شاب لأنه يحب الكتب، ثم يغادر وهو يتخيّل نفسه مصورًا. وقد يحضر شخص لم يفكر يومًا في أن يصبح كاتبًا إحدى الورش، فيبدأ الكتابة. وقد يكتشف أحد المتطوعين، بمحض المصادفة، طريقه إلى الصحافة أو النشر أو الإدارة الثقافية أو المسرح. وهنا تكمن إحدى القدرات الفريدة للمؤسسة الثقافية: إنها تمنح شكلًا ملموسًا لإمكانات قد لا يعرف المرء بعد أنها متاحة له.
لم يكتفِ المعرض بأن يكون مساحة للاحتفاء بالثقافة الصومالية، بل ذهب إلى ما هو أبعد وأكثر تعقيدًا، فتعامل معها لا بوصفها إرثًا مغلقًا على ذاته، بل طرفًا في عملية تبادل مع الثقافات الأخرى. ومن خلال مبادرات مثل Iswaydaarsi — «التبادل» — تحولت الترجمة الأدبية إلى حوار يمضي في اتجاهين. وبإشراف الدكتور جامع موسى جامع، ومن خلال Il Ponte Invisibile، تُرجمت إلى الصومالية أعمال تنتمي إلى تقاليد أدبية عالمية، فيما انتقل الشعر والأدب والتقاليد الشفهية وأنماط التفكير الصومالية إلى لغات أخرى.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة بالنسبة إلى الثقافات التي عانت الاستعمار والحرب والنزوح والتهميش السياسي؛ إذ يمكن لـ«الثقافة العالمية» أن تتحول بسهولة إلى طريق أحادي الاتجاه: يتحدث العالم ونحن نترجم، وينتج العالم ونحن نستهلك. غير أن Iswaydaarsi طرحت تصورًا مختلفًا؛ فكما ينبغي أن يتمكن القراء الصوماليون من قراءة آداب المجتمعات الأخرى بلغتهم، ينبغي أيضًا أن يجد الفكر الصومالي طريقه إلى العالم.
ولم تتوقف آثار المعرض عند حدود أيامه السنوية. فمع مرور الوقت، امتدت الجهود المرتبطة به إلى ما هو أبعد، وأنشأ مركز هرجيسا الثقافي ما كان غائبًا عن المشهد المدني للمدينة: بيتًا دائمًا للثقافة.
أتاحت مكتبة المركز، وقاعة العرض، والكتب، والمواد التاريخية، والمجموعات التي تضم آلاف التسجيلات المحفوظة على أشرطة الكاسيت، سبلًا للاطلاع لا تستطيع فعالية مؤقتة توفيرها. لكن قيمة المكان لا تكمن في مقتنياته وحدها، بل في حياته اليومية أيضًا. هناك يلتقي الشباب، وينظمون النقاشات، ويتدربون على الرقصات التراثية، ويقيمون حفلات إطلاق الكتب والفعاليات، ويتجادلون حول الأفكار.
وهذه الحياة اليومية تدفعنا إلى إعادة النظر في معنى صون التراث الصومالي. فكثيرًا ما نتعامل مع الحفظ كما لو كان مجرد عملية تخزين: العثور على مخطوطة قديمة، وتسجيل قصيدة، وجمع شريط كاسيت، وحماية قطعة تاريخية، ثم وضعها في مكان آمن. كل ذلك ضروري، لكن الحفظ لا يكتمل بالتخزين وحده؛ فالأرشيف الذي لا يصل إلى الناس لا يحيا إلا نصف حياة.
لهذا صرت أنظر إلى معرض هرجيسا الدولي للكتاب بوصفه أكبر من مجرد محطة في التقويم الأدبي لصوماليلاند. لقد أصبح، بالنسبة إلى جيلي، جزءًا من جهود التعافي الثقافي. فنحن الذين نشأنا بعد الحرب ورثنا مجتمعًا كان يعيد بناء نفسه ماديًا، ويحاول في الوقت ذاته أن يستعيد ذاكرته. ولم نكن ندرك دائمًا حجم ما نفتقده، لأننا وُلدنا في قلب ذلك الغياب. وقد كشف لنا المعرض جانبًا منه حين أخذ يملأ فراغه.
وبعد قرابة عقدين من ذلك اللقاء الأول، لم تعد صورة أكشاك الكتب هي أكثر ما بقي في ذاكرتي، بل تلك اللقاءات التي جمعت بين الأجيال. فقد كان المعرض مكانًا يلتقي فيه الشباب بكتّاب لم يعرفوهم من قبل إلا بأسمائهم، ويلتقي فيه الشعراء بمن قد يصبحون شعراء، ويكتشف فيه القرّاء إمكانية أن يصبحوا كتّابًا. وفيه أيضًا عثر متطوعون، بمحض المصادفة، على مهن لم تخطر لهم من قبل. لقد أتاح للشباب الصوماليين أن يتخيلوا أنفسهم لا مجرد مستهلكين للثقافة، بل أمناء عليها في المستقبل.
غير أن هذا الإنجاز ينبغي أن يبعث فينا شيئًا من القلق أيضًا، لأنه يكشف حجم ما لا يزال ينتظر الإنجاز. فلا يستطيع معرض كتاب واحد أن يحمل الذاكرة الثقافية لمجتمع بأسره، كما لا يستطيع مركز ثقافي واحد أن ينهض بهذه المهمة وحده.
تشهد صوماليلاند تمدّنًا سريعًا، في وقت أعادت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل أنماط الانتباه وطرائق تلقي المعرفة. لقد وضع الهاتف المحمول كمًّا هائلًا من المعلومات في أيدي أطفال قد يعيشون على بُعد كيلومترات عديدة من أقرب مكتبة عامة. وباتت الخوارزميات قادرة على إحضار إسطنبول أو القاهرة أو لندن أو سيول أو لوس أنجلوس إلى الشاشة في ثوانٍ، بينما يظل تاريخ البلدة التي يعيش فيها أحد هؤلاء الأطفال بعيد المنال.
لم يعد السؤال، إذن، ما إذا كان الشباب سيلتقون بالعالم الأوسع؛ فهذا العالم حاضر أمامهم بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل سيتمكنون من التعرّف إلى أنفسهم بالسهولة نفسها؟ ثمة محاولات واعدة للإجابة عن هذا السؤال.
في هرجيسا، أوجدت مبادرات مثل FanKeenna فضاءات للفنون البصرية والسينما يقودها جيل شاب. وقدمت مكتبة غابيلي الوطنية نموذجًا لما يمكن أن تمثله مؤسسة إقليمية مكرّسة للكتب والبحث والحياة المجتمعية. لكن هذه النجاحات، على أهميتها، لا تصنع بمفردها بنية تحتية ثقافية؛ فذاكرة البلاد لا ينبغي أن تبقى حكرًا على مدنها الكبرى.
فماذا عن بربرة، بموقعها التاريخي الاستثنائي على الساحل؟ وما قيمة مكتبة عامة إذا ظلت مجرد مبنى، ولم تتحول إلى مؤسسة مدنية فاعلة؟ وماذا عن برعو، بما تحمله المجتمعات المحيطة بها من إرث أدبي وشعري هائل، إذا بقيت فضاءاتها الثقافية التابعة للبلدية خاملة؟ ويزداد السؤال إلحاحًا كلما ابتعدنا عن المراكز الحضرية الكبرى.
لعل أعمق ما يهدد الذاكرة الثقافية ليس أن يرفضها الناس عن وعي، بل ألّا يلتقوا بها أصلًا. لقد صنعت الحرب هذه المسافة بعنف حين شتّتت الناس، ودمّرت المؤسسات، واختزلت الحياة في مجرد النجاة. أما اليوم، فالخطر أكثر هدوءًا
ماذا يعني أن تتاح الثقافة لطفل في باليغوبدلي أو أودويني؟ وما الذي يمكن العثور عليه في المراكز الريفية التاريخية الواقعة عند ملتقى الطرق، مثل حرشين وزيلع وورابييه؟ أين الغرف التي تُجمع فيها تواريخ هذه الأماكن؟ وأين الأرشيفات المحلية، والمكتبات، وفضاءات الحكي، ودور السينما، وصالات العرض، ومراكز الشباب، والمتاحف الصغيرة التي تتيح للطفل أن يكتشف أن للمكان الذي يعيش فيه ماضيًا؟
لا يتطلب الجواب تشييد صرح ضخم في كل بلدة؛ فقد تبدأ البنية التحتية الثقافية من غرفة واحدة: مكتبة تضم مجموعة منتقاة بعناية، أو أرشيف مجتمعي، أو مشروع تسجيل يجري فيه الشباب مقابلات مع كبار السن. وقد تكون صالة عرض صغيرة، أو مهرجانًا أدبيًا محليًا، أو ناديًا للسينما، أو مكانًا تُوثَّق فيه الصور القديمة وتُحدَّد محتوياتها قبل رحيل القادرين على التعرّف إليها. وقد تكون مركزًا يستطيع فيه مراهق أن يستمع إلى شاعر، أو يتعلم التصوير، أو يشاهد فيلمًا صوماليًا، أو يعثر على كتاب يجعله يرى عالمه جديرًا بالاهتمام.
ما يهم، في نهاية الأمر، هو اللقاء. فمن دون هذه اللقاءات، نعيد إنتاج الظروف التي نشأ فيها جيلي، ونجد أنفسنا أمام مفارقة مختلة: نعرف الثقافات البعيدة عن قرب، بينما يظل تاريخنا نحن مجزّأً، أو بعيد المنال، أو مختزلًا في شعارات.
لا يمكننا أن نطالب طفلة بتقدير تاريخ لم نتيح لها وسيلة لاكتشافه. ولا يمكننا أن نطالب جيلًا بصون شعر لا يستطيع سماعه، ومخطوطات لا يستطيع رؤيتها، وأفلام لا يستطيع مشاهدتها، وحكايات لم يسجّلها أحد، أو معالم تاريخية تُركت تتداعى. على المجتمع أن يضع ذاكرته في متناول أبنائه قبل أن يطلب منهم حملها.
من هنا تبدو المفاضلة القديمة — مستشفى أم متحف، عيادة أم مكتبة — مفاضلة زائفة حين ننظر إليها على امتداد حياة أمة. بالطبع، يحتاج الإنسان إلى الرعاية الصحية والمياه والطرق والمدارس والأمن، لكن المجتمعات لا تقوم فقط على البنية التحتية التي تُبقي الناس على قيد الحياة؛ بل تقوم أيضًا على المؤسسات التي تخبرهم من كانوا، وما كابدوه، وما أبدعوه، وما لا يزال في وسعهم أن يصبحوه.
ولذلك، فإن الدرس الذي أستخلصه من معرض هرجيسا الدولي للكتاب لا يقتصر على حاجة صوماليلاند إلى مزيد من معارض الكتب؛ بل يتمثل في أن التعافي الثقافي يحتاج إلى مساحات وأماكن تلتقي فيها الأجيال. أماكن يمكن فيها مساءلة الذاكرة بدلًا من الاكتفاء بتبجيلها. أماكن يتحول فيها الموروث الشفهي إلى مادة موثقة من دون أن يفقد حيويته. وأماكن يستطيع فيها الشباب أن يرثوا الثقافة، ويسائلوها، ويعيدوا تشكيلها، ثم يضيفوا إليها شيئًا من عندهم.
لعل أعمق ما يهدد الذاكرة الثقافية ليس أن يرفضها الناس عن وعي، بل ألّا يلتقوا بها أصلًا. لقد صنعت الحرب هذه المسافة بعنف حين شتّتت الناس، ودمّرت المؤسسات، واختزلت الحياة في مجرد النجاة. أما اليوم، فالخطر أكثر هدوءًا؛ إذ يمكن للمرء أن يفقد صلته بالماضي وهو جالس بسلام في بيته، يتصفّح عالمًا لا نهاية له صُمّم في مكان آخر.
لا يمكننا أن نغلق أبواب ذلك العالم، ولا ينبغي لنا أن نرغب في ذلك. لكن يمكننا أن نضمن أن يجد الشاب، حين يرفع عينيه عن الشاشة، مكانًا قريبًا يقصده. مكتبة. أرشيفًا. مسرحًا. متحفًا. مركزًا ثقافيًا. غرفةً ملأى بالكتب. وربما، وهذا هو الأهم، شخصًا آخر ينتظره هناك، ويحمل في ذاكرته شيئًا يستحق أن ينتقل إلى غيره.