تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

صوماليلاند والصومال: سباقٌ على مزاج ترامب

4 مارس, 2026
الصورة
صوماليلاند والصومال: سباقٌ على مزاج ترامب
Share

جدّد وزير الرئاسة في صوماليلاند، خضر حسين عبدي، في 21 فبراير/شباط، تعهداً بات يتكرر كثيراً في خطاب هرجيسا حول منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى الموارد المعدنية في صوماليلاند، بما في ذلك الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى السماح لها ببناء قواعد عسكرية، مقابل الاعتراف بصوماليلاند. لم يتأخر الرد من الحكومة الفيدرالية الصومالية، إذ عرضت بعد يومين إحياء اتفاق عام 1980 الذي يتيح للولايات المتحدة استخدام الموانئ والمطارات الصومالية لأغراض عسكرية.

هذا التنافس يستحضر على نحو واضح ما عُرف يوماً بدبلوماسية الدولار، حين كانت تايبيه وبكين تتنافسان على كسب ولاء دول أفريقية، فيما كانت تلك الدول تستثمر الصراع بين الطرفين إلى أقصى حد، قبل أن يفتر حماس "الصينَين" معاً لهذه اللعبة المكلفة.

الجولة الجديدة من هذا التنافس انطلقت عندما بدا أن رئيس صوماليلاند، عبد الرحمن محمد عبد الله عرو، يراهن على أن الطريق إلى الاعتراف الدولي قد يبدأ من بوابة التقارب مع إسرائيل. غير أن الحرب على غزة، وما رافقها من تجاهل صارخ للحقوق الوطنية الفلسطينية، جعلت توقيت هذه المقاربة بالغ السوء بالنسبة إلى هرجيسا.

يبدو أن عرو اعتقد أن اعترافاً أميركياً بصوماليلاند سيأتي سريعاً، تعقبه اعترافات أخرى، استناداً إلى وعود محتملة من أبوظبي وإسرائيل وتايبيه بالضغط لصالح هرجيسا في واشنطن. غير أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فوجئت على ما يبدو بعنف ردود الفعل الإقليمية إزاء الانفتاح على إسرائيل، وبكيفية كشف هذه الخطوة التوترات الكامنة بين حليفين إقليمييْن كبيرين، هما: الإمارات العربية المتحدة والسعودية.

كان ترامب، بحسب هذا المنظور، يفضّل خلفية هادئة لإطلاق "مجلس السلام" الذي أراده عنواناً سياسياً جديداً، لذلك أرجأ اتخاذ قرار بشأن صوماليلاند إلى حين انقشاع الغبار. في غياب الاعتراف الأميركي، باتت هرجيسا الآن في مشكلة، فهي مضطرة إلى شرح المكاسب الفعلية لترتيبها مع إسرائيل أمام جمهورها الداخلي.

الولايات المتحدة لا تبدو اليوم في وارد استثمار سياسي أو عسكري إضافي في هذه الساحة، بل تفضّل، في الوقت الراهن، تركها لدول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، اللتين تخوضان سلسلة متشابكة من المنافسات التجارية والاستراتيجية في القرن الأفريقي

لقد طالب رجال دين، إلى جانب شخصيات بارزة من عشيرة إسحاق، من بينهم الرئيس السابق موسى بيحي عبدي، بنشر تفاصيل الاتفاق مع إسرائيل، وتقديم ضمانات واضحة بأنه لن ينعكس سلباً على الفلسطينيين. غير أن عرو لا يملك، على ما يبدو، القدرة السياسية على تقديم مثل هذه الضمانات أو الكشف الكامل عن مضمون التفاهمات.

لكن ورقة المعادن تكشف، في جوهرها، كيف ينظر صوماليلانديون كثير إلى ترامب أكثر مما تكشف عن واقع التعدين في صوماليلاند نفسها. فثمة افتراض راسخ لديهم بأن الحديث عن الليثيوم والعناصر النادرة سيغري "رجل الأعمال الملياردير" الكامن في شخصية الرئيس الأميركي، حتى لو كان هذا الطرح يفتقر إلى المنطق العملي.

فلو كانت صوماليلاند بالفعل كنزاً معدنياً كما يُراد تصويرها، فلماذا تُرك هذا "الكنز" من دون استثمار حقيقي منذ عام 2016، حين بدأت الإمارات ضخ الأموال في صوماليلاند والانخراط في استثمارات تعدين عبر أفريقيا؟ هذا سؤال يصعب تجاهله، لأنه يضرب في الصميم السردية التي تقوم على أن الموارد الطبيعية وحدها قادرة على شراء الاعتراف الدولي.

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فوجئت على ما يبدو بعنف ردود الفعل الإقليمية إزاء الانفتاح على إسرائيل، وبكيفية كشف هذه الخطوة التوترات الكامنة بين حليفين إقليمييْن كبيرين، هما: الإمارات العربية المتحدة والسعودية

أما الحديث عن القواعد العسكرية، فهو أقل إغراءً من المعادن. فعندما أُنشئت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا "أفريكوم"، اتُّخذ قرار بعدم إنشاء مقر مركزي ثابت داخل القارة، ولا قواعد أمامية دائمة واسعة النطاق، حتى لا تتحول هذه المنشآت إلى أهداف قائمة بذاتها، كما حدث في مناطق من الساحل الأفريقي والصومال.

تؤكد قاعدة "كامب ليمونييه" الأميركية في جيبوتي هذا المنطق. فالقاعدة ما زالت قائمة أساساً لأن الصين أنشأت قاعدة خاصة بجوارها عام 2017، وأي انسحاب أميركي من هناك سيُقرأ باعتباره تراجعاً استراتيجياً أو حتى استسلاماً في سباق النفوذ مع بكين.

يرى كثيرون في مقديشو، ومن هذا المنطلق، أن محاولة مجاراة هرجيسا في تقديم الوعود لواشنطن لا تُظهر قوة الدولة الصومالية بقدر ما تكشف هشاشتها. فالجيش الأميركي قادر عملياً على إدارة تدخلاته في الصومال من دون الحاجة إلى ترتيبات دراماتيكية جديدة، عبر مطار بلدوغلي العسكري، وقاعدة كامب ليمونييه، وبعض المواقع الصغيرة الأخرى.

صحيح أن الحكومة الفيدرالية في مقديشو تملك السيطرة على ميناء العاصمة، لكنها لا تسيطر على كيسمايو أو بوساسو، وهما الموقعان الآخران الوحيدان اللذان قد يمتلكان بنية تحتية تهمّ الولايات المتحدة. أما سائر المواقع الأخرى المطروحة نظرياً، فليست، من الناحية العملية، أكثر من شواطئ تفتقر إلى المقومات اللوجستية والعسكرية التي قد تجعلها ذات قيمة استراتيجية حقيقية.

في غياب الاعتراف الأميركي، باتت هرجيسا الآن في مشكلة، فهي مضطرة إلى شرح المكاسب الفعلية لترتيبها مع إسرائيل أمام جمهورها الداخلي

هناك عامل لا يقل أهمية، يتمثل في ازدراء ترامب المتكرر للصوماليين عموماً. وعند جمع هذا العامل مع حالة الجمود السياسي الإقليمي، يصبح من الصعب جداً الاستنتاج أن البيت الأبيض أو البنتاغون يملكان حماسة كبيرة لتوسيع انخراطهما في القرن الأفريقي.

فالولايات المتحدة لا تبدو اليوم في وارد استثمار سياسي أو عسكري إضافي في هذه الساحة، بل تفضّل، في الوقت الراهن، تركها لدول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، اللتين تخوضان سلسلة متشابكة من المنافسات التجارية والاستراتيجية في القرن الأفريقي وما وراءه.

خلاصة الأمر أن التنافس بين صوماليلاند والصومال على استمالة واشنطن لا يقوم، حتى الآن، على عناصر قوة حقيقية بقدر ما يقوم على تقديرات مبالغ فيها حول ما قد يثير اهتمام الإدارة الأميركية. فهرجيسا تراهن على المعادن والقواعد العسكرية كمدخل للاعتراف، بينما تراهن مقديشو على ما لديها من شرعية دولية واتفاقات سابقة مع واشنطن. لكن الطرفين قد يكونان يبالغان في تقدير أهمية أوراقهما لدى الولايات المتحدة.

وفي واشنطن نفسها، لا يبدو أن هناك اندفاعاً مماثلاً. بل إن المزاج السائد أقرب إلى اللامبالاة، أو على الأقل إلى الإحجام عن فتح جبهة جديدة في منطقة تعجّ أصلاً بالتنافسات والصراعات والتوازنات المعقدة. وهكذا، قد ينتهي هذا السباق الصومالي - الصوماليلاندي إلى نتيجة واحدة قاسية مفاده؛ كثير من العروض والوعود من طرف الصوماليين يقابله قليل جداً من الاهتمام الأميركي الفعلي.