الأحد 8 مارس 2026
جددت صوماليلاند، عرضها للولايات المتحدة بمنحها حقوقاً تفضيلية – بل وحصرية – للوصول إلى ما تصفه بثرواتها من "المعادن الحرجة"، إلى جانب إتاحة إمكانية إقامة قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها، وذلك في إطار مساعٍ دبلوماسية لكسب اعتراف رسمي من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية، قال وزير شؤون الرئاسة في صوماليلاند، خضر حسين عبدي، إن حكومته "مستعدة لإعطاء الولايات المتحدة وصولاً حصرياً إلى المعادن"، مؤكداً أن هرجيسا "منفتحة أيضاً على عرض قواعد عسكرية للولايات المتحدة"، معبّراً عن ثقته بإمكان التوصل إلى تفاهم، وقال عبدي: "نعتقد أننا سنتفق على شيء مع الولايات المتحدة". ويؤكد مسؤولون أن أي ترتيب محتمل سيخضع لمفاوضات مفصلة تراعي المصالح المشتركة للجانبين.
وتأتي هذه الخطوة في سياق استراتيجية تعتمدها سلطات صوماليلاند لتحويل موقعها الجغرافي وأوراقها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي. ويتمتع البلد بساحل طويل على خليج عدن قبالة اليمن، وعلى مقربة من واحد من أكثر الممرات البحرية ازدحاماً وحساسية في العالم، وهو ما يمنحه قيمة إضافية في حسابات الأمن الإقليمي، خصوصاً مع تصاعد التوترات في محيط البحر الأحمر والخليج.
ويرى مسؤولون في هرجيسا أن الموارد الطبيعية قد تشكل مدخلاً سريعاً لبناء شراكات مع قوى مؤثرة. وبحسب مسؤولين محليين، تشمل هذه الموارد معادن مثل الليثيوم والكولتان وغيرها من المواد التي يزداد الطلب عليها عالمياً لصناعة البطاريات والتقنيات المتقدمة، رغم أن تقارير إعلامية تشير إلى أن الدراسات المستقلة حول حجم هذه الثروات لا تزال محدودة.
ويكتسب العرض موجهاً سياسياً واضحاً، إذ تربطه صوماليلاند صراحةً بهدف الاعتراف. ويقول مسؤولون إن الاعتراف سيمنح فرصة أوسع للوصول إلى الأسواق الدولية والمؤسسات المالية، بينما تتمسك الحكومة الفيدرالية في مقديشو بأن صوماليلاند جزء لا يتجزأ من أراضي الصومال وتعارض أي خطوة تُفهم كإقرار بالانفصال.
وزاد زخم التحركات الدبلوماسية لصوماليلاند بعد إعلان إسرائيل في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 اعترافها الرسمي كبلد مستقل، لتصبح – وفق تقارير دولية – أول دولة تقدم هذا الاعتراف منذ إعلان الانفصال. وأثار القرار ردود فعل غاضبة من مقديشو، كما قوبل بانتقادات من أطراف إقليمية ودولية اعتبرت الخطوة مساساً بوحدة الصومال وتوازنه في القرن الأفريقي.
وبالتوازي مع ذلك، تحدث رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف بـ"عِرّو"، في تصريحات سابقة عن رغبة في إقامة شراكات اقتصادية واسعة، بما في ذلك مفاوضات مع إسرائيل بشأن اتفاق تجاري واستقطاب استثمارات في قطاعات الزراعة والثروة السمكية والطاقة. وأفاد مسؤولون بأن طرح المعادن أصبح جزءاً ثابتاً من عروض هرجيسا للشركاء المحتملين، بوصفه رافعة اقتصادية يمكن ترجمتها إلى مكاسب سياسية.
أما واشنطن، فتتعامل بحساسية مع ملف الاعتراف، لكنه عاد إلى الواجهة بعد تصريح لترامب في أغسطس/آب الماضي بأنه "يعمل" على قضية صوماليلاند، من دون أن يرقى ذلك إلى موقف رسمي. وفي المقابل، يزداد اهتمام الولايات المتحدة بالمعادن الحرجة عالمياً مع سعيها لتأمين سلاسل الإمداد اللازمة للصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العالية والطاقة النظيفة، في ظل منافسة متصاعدة مع قوى دولية أخرى.
وفي هذا السياق، تشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة توسع انخراطها في أفريقيا عبر أطر تعاون وشراكات تستهدف ضمان الوصول إلى احتياطات استراتيجية من المعادن، بينها مساعٍ في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تُعد من أهم مصادر بعض المواد المستخدمة في الإلكترونيات والشرائح والأنظمة المتقدمة. وتعتقد هرجيسا أن تقديم نفسها كمصدر بديل – حتى لو ناشئ – قد يرفع من أسهمها داخل دوائر القرار الأمريكية.
غير أن الرهان على دبلوماسية المقايضة يطرح أسئلة حول مدى استعداد الولايات المتحدة لتغيير مقاربتها التقليدية تجاه سيادة الدول في القارة الأفريقية، وحول تكلفة أي خطوة من هذا النوع على علاقات واشنطن مع مقديشو وشركائها الإقليميين. وبينما تواصل صوماليلاند تقديم نفسها باعتبارها نموذجاً للاستقرار النسبي مقارنة بمناطق أخرى في الصومال، يبقى الاعتراف الدولي – وخاصة الأمريكي – هدفاً بعيد المنال، لكنه بات مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بحسابات الموارد والأمن والجغرافيا.