الخميس 22 يناير 2026
كثّفت صوماليلاند إشارات الانفتاح على قطر، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الإقليمية على ممر البحر الأحمر، بعد مباحثات عقدها رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله “عرّو” مع السفير القطري عبد الله بن سالم النعيمي في هرجيسا، تناولت العلاقات السياسية والتعاون الاقتصادي والإنساني بين الجانبين.
وبحسب مسؤولين في هرجيسا، ركز اللقاء، الذي جرى في القصر الرئاسي، على تقييم برامج المساعدات القطرية القائمة في صوماليلاند، خصوصاً في مجالات الإغاثة من موجات الجفاف والتنمية المجتمعية، إضافة إلى بحث فرص رفع مستوى الشراكة لتشمل قطاعات أوسع من التنمية والاستثمار.
الرئيس عرّو عبّر خلال اللقاء عن تقدير صوماليلاند لما وصفه بـ«الدعم الإنساني المتواصل» من قطر خلال فترات الجفاف المتكررة التي ضربت شرق الإقليم، مؤكداً أن المشاريع المموَّلة من الدوحة ساعدت في تحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة، لا سيما في مجالات المياه والخدمات الاجتماعية.
ودعا عرّو قطر إلى زيادة استثماراتها في قطاعات يعتبرها أولوية ضمن أجندة التنمية، من بينها البنية التحتية، وإدارة الموارد المائية، والقطاع الصحي، والتعليم، مشيراً إلى أن صوماليلاند تسعى إلى تنويع شراكاتها الخارجية بما يتناسب مع طموحاتها التنموية واستقرارها النسبي في بيئة إقليمية مضطربة.
وفي مؤشر على رغبة هرجيسا في الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أكثر تنظيمًا، قال الرئيس إن صوماليلاند ترحّب بفتح مكاتب للتنمية والأعمال الخيرية، بل ومكتب ارتباط دبلوماسي لقطر في هرجيسا، معتبراً أن وجوداً مؤسسياً مباشراً للدوحة في الإقليم من شأنه تسهيل التواصل وتوسيع أطر التعاون.
حتى الآن، لم تُعلن الدوحة رسمياً عن قرار بفتح مكتب دبلوماسي، فيما يتعامل مراقبون مع هذه الإمكانية بوصفها «سيناريو مطروحاً» ضمن مسار متدرّج لتعميق الحضور القطري في صوماليلاند، أكثر منه قراراً منتهياً.
من جهته، شكر السفير عبد الله بن سالم النعيمي الرئيس عرّو على حفاوة الاستقبال، وجدّد تأكيد التزام بلاده بمواصلة برامج المساعدات الإنسانية والتنموية في صوماليلاند، مشدداً على أن قطر حريصة على أن ينعكس دعمها مباشرة على تحسين أوضاع المجتمعات المحلية والخدمات العامة الأساسية.
ويرى محللون أن انفتاح قطر المتزايد على صوماليلاند يعكس جملة من الحسابات الاستراتيجية في لحظة يتزايد فيها الاهتمام الدولي والإقليمي بممر البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
تشير هذه التقديرات إلى إدراك متنامٍ في الدوحة بأن صوماليلاند، بساحلها الممتد لنحو 850 كيلومتراً على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، باتت لاعباً لا يمكن تجاهله، وأن حصر الانخراط في الحكومة الفيدرالية في مقديشو قد يحدّ من قدرة قطر على الاستفادة من أي تطورات مستقبلية تتعلق بوضع صوماليلاند وملف الاعتراف.
لطالما قُدِّمت صوماليلاند باعتبارها جزءاً من الفضاء التقليدي لنفوذ الإمارات، خصوصاً بعد دخول شركة موانئ دبي العالمية على خط تطوير ميناء بربرة والممر البري المرتبط به. ويرى مراقبون أن توسيع الحضور القطري في هرجيسا سيُفهم إقليمياً كمؤشر على استعداد الدوحة لمنافسة أبوظبي على نقاط التأثير الحساسة في البحر الأحمر والقرن
الأفريقي.
بعض القراءات تربط التحرك القطري بالرغبة في استباق أو إضعاف أي مساعٍ إسرائيلية لفتح قنوات تعاون مع صوماليلاند، في ظل التوترات الإقليمية المتصلة بجبهة غزة وأمن الملاحة في البحر الأحمر، بما يضيف بعداً سياسياً إضافياً للحضور القطري في القرن
الأفريقي.
وفق هذه التحليلات، قد تسعى قطر إلى استخدام انخراطها في صوماليلاند كورقة إضافية في حوارها مع واشنطن، عبر تقديم نفسها كفاعل قادر على لعب دور قناة اتصال أو وسيط في ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في مقابل تأكيدات أميركية مستمرة بشأن أمن قطر واستمرار قاعدة العديد كمنصة رئيسية للقوة الأميركية في المنطقة.
كما يُرجّح أن تسعى الدوحة، بالتنسيق مع أنقرة، إلى التموضع مستقبلاً كطرف راعٍ لأي مبادرة جديدة تشجّع الحوار بين صوماليلاند والحكومة الفيدرالية في مقديشو، بهدف تخفيف التوتر المزمن بين الطرفين واستثمار علاقاتها معهما ومع العواصم الغربية والإقليمية المعنية بالملف الصومالي.
وبينما تقدّم هرجيسا نفسها كدولة مستقرة تسعى لاستثمار موقعها على خطوط الملاحة الدولية، تبدو الخطوات القطرية – حتى الآن – متركزة على البعد الإنساني والتنموي، مع مساحة مفتوحة أمام تحوّل تدريجي نحو حضور سياسي ودبلوماسي أوسع، رهن قرارات رسمية لم تُعلن بعد من الجانبين