الأحد 8 مارس 2026
تتحرك صوماليلاند لالتقاط ثمار الاعتراف الإسرائيلي الأخير بها، عبر الدفع نحو اتفاق شراكة اقتصادية قد يتضمن فتح الوصول إلى موارد طبيعية "ثمينة" في البلد غير المعترف به دولياً، في مقدمتها المعادن والنفط والغاز، مقابل جذب استثمارات وتكنولوجيا إسرائيلية، في خطوة من شأنها تعميق التوتر مع الحكومة الاتحادية في مقديشو وتوسيع نطاق التجاذب الإقليمي حول القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وقال رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله (عرّو) إن المحادثات جارية للتوصل إلى اتفاق شراكة قريباً، مؤكداً أنه لا يوجد حتى الآن تبادل تجاري أو استثمارات إسرائيلية في بلاده، لكنه عبّر عن توقعاته بانطلاق تعاون اقتصادي في الفترة المقبلة، معتبراً أن صوماليلاند غنية بالموارد التي يمكن أن تشكل قاعدة للعلاقة التجارية.
وبحسب تصريحات الرئيس، فإن الإقليم مستعد لمنح حقوق استثمار في قطاعات تشمل المعادن والنفط والغاز، إلى جانب موارد بحرية وزراعية، بهدف تحفيز الاستثمار الخارجي. كما أشار إلى أن أي ترتيبات اقتصادية مرتقبة لا تُقدَّم باعتبارها "تصديراً للمواد الخام" فقط، بل على أساس تبادلٍ أشمل تسعى فيه صوماليلاند أيضاً للحصول على تكنولوجيا وخبرات إسرائيلية، بما ينسجم مع توجه هرجيسا لعرض نفسها كشريك تجاري ناشئ في سوق تتزايد فيه المنافسة على المعادن الحرجة المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
وتأتي هذه التحركات بعد اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، لتصبح أول دولة تعلن اعترافاً رسمياً بالإقليم الذي أعلن انفصاله من طرف واحد عن الصومال عام 1991 ويعمل منذ ذلك الحين ككيان يتمتع بحكم ذاتي فعلي ومؤسسات أمنية وإدارية، من دون قبول دولي واسع. ويرى مسؤولو هرجيسا أن الاعتراف يمثل اختراقاً يمكن أن يفتح الأبواب أمام دول أخرى، ويمنح الإقليم شرعية سياسية تساعده على جذب استثمارات وشراكات خارجية ظلّت محدودة بسبب غياب الاعتراف.
في تل أبيب، تحدثت القيادة الإسرائيلية عن رغبة في تعاون سريع مع صوماليلاند في مجالات مثل الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد، فيما أعلن رئيس صوماليلاند أنه تلقى دعوة لزيارة إسرائيل خلال الفترة المقبلة، من دون تحديد موعد. كما أشار إلى أن فرص تعاون أمني وعسكري قد تُطرح مستقبلاً، لكنه قال إن فكرة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية في صوماليلاند "لم تُبحث" حتى الآن.
على الصعيد الاقتصادي، تُراهن هرجيسا على مسألة المعادن بوصفها ورقة تفاوضية. وتقول صوماليلاند إن مواردها تشمل احتياطيات كبيرة من الليثيوم، وهو معدن أساسي في صناعات البطاريات والسيارات الكهربائية، وقد حصلت شركة تعدين سعودية في عام 2024 على اتفاق استكشاف في صوماليلاند يتعلق بالليثيوم ومعادن حرجة أخرى، وفق ما أعلنته سلطات محلية وتقارير متداولة. وفي الوقت ذاته، يشير مسؤولو صوماليلاند إلى أن لديهم قطاعات تصديرية تقليدية يمكن البناء عليها سريعاً مثل الثروة الحيوانية والمنتجات البحرية، قبل الانتقال إلى استثمارات أكبر وأكثر تعقيداً في التعدين والطاقة.
على المتسوى السياسي، يراهن قادة هرجيسا على أن الاعتراف الإسرائيلي قد يشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوة مماثلة، وخصوصاً الولايات المتحدة والإمارات، مع الإشارة إلى علاقات قائمة مع واشنطن يأملون أن تتطور إلى اعتراف رسمي في مرحلة لاحقة. وأكد رئيس صوماليلاند أنه يحتفظ بعلاقة عمل جيدة مع الولايات المتحدة، وأنه يأمل أن تقدم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الاعتراف بصوماليلاند "يوماً ما"، في سياق حملة سياسية واقتصادية تستهدف جذب اهتمام المستثمرين وشبكات التأثير الدولية.
غير أن اندفاعة هرجيسا تصطدم بعائقين رئيسيين: أولهما موقف مقديشو الرافض بشكل قاطع لأي اعتراف بصوماليلاند، إذ تعتبر الحكومة الاتحادية أن صوماليلاند جزء لا يتجزأ من أراضي الصومال، وأن أي اتفاقات خارجية تُبرمها هرجيسا تمس السيادة ووحدة البلاد. وثانيهما، البيئة الإقليمية شديدة الحساسية حول الموانئ والممرات البحرية في خليج عدن والبحر الأحمر، حيث يُنظر إلى أي تموضع سياسي أو اقتصادي جديد بوصفه جزءاً من منافسة أوسع تشمل قوى إقليمية ودولية.
وتتوقع دوائر متابعة أن يكون مسار اتفاق التجارة – إن تم – اختباراً عملياً لقدرة صوماليلاند على تحويل الاعتراف السياسي إلى استثمار فعلي، وقدرة إسرائيل على بناء شراكات اقتصادية في بيئة معقدة قانونياً وسياسياً. كما يظل ملف الشفافية وتقاسم العوائد وحماية الموارد المحلية عاملاً حاسماً في أي ترتيبات تعدين أو طاقة، في منطقة لطالما كانت ثرواتها هدفاً للتنافس أكثر من كونها رافعةً مستقرة للتنمية.