الأحد 8 فبراير 2026
أعلنت إسرائيل في 26 ديسمبر/كانون الأول الجاري، اعترافها الرسمي بجمهورية صوماليلاند، لتصبح - حسب الإعلان - أول دولة تعترف سياديًا بصوماليلاند منذ عام 1991. بينما قُدِّمت الخطوة بوصفها اعترافًا متبادلًا يفتح مسارات تعاون في الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد، فإن دلالاتها تتجاوز الخبر الدبلوماسي إلى اختبارٍ مركّب لقواعد الاعتراف الدولي بالكيانات غير المعترف بها، ولحسابات البحر الأحمر وخليج عدن، ولخرائط الاصطفاف الإقليمي التي ازدادت حساسية منذ حرب غزة وتداعياتها السياسية والقانونية والأخلاقية.
لفهم مسألة صوماليلاند، لا بد من العودة إلى جذور الكيان الذي ظلّ ثلاثة عقود ونصف يطرق باب الشرعية الدولية دون أي اختراق. تاريخيًا، تشكّلت الصومال الحديثة من منطقتين استعمارّيتين: فمناطق صوماليلاند خضعت للنفوذ البريطاني، بينما الصومال الجنوبي خضع للنفوذ الإيطالي. عام 1960 عقب الاستقلال، توحّد الكيانان في دولة واحدة عاصمتها مقديشو. غير أن سردية صوماليلاند تقول إن «وحدة 1960» لم تُنتج شراكة متوازنة، بل تهميشًا سياسيًا واقتصاديًا تعمّق مع قبضة نظام محمد سياد بري، ثم بلغ ذروته في الثمانينيات مع حملة قمع عنيفة ضد تمرد الشمال، رافقتها اتهامات بارتكاب مجازر واسعة.
إن أي شراكة مع كيان يملك منافذ وموانئ على هذا الشريط قد تُقرأ في تل أبيب باعتبارها استثمارًا في عمق بحري-تجاري له انعكاسات أمنية واقتصادية، لا سيما فيما يتعلق بحماية خطوط الإمداد والتجارة وممرات الطاقة
عام 1991، ومع سقوط نظام بري وانهيار الدولة المركزية في خضم الحرب الأهلية، أعلنت قيادات الشمال حلّ الاتحاد وقيام صوماليلاند التاريخية. ومنذ ذلك الحين، نجحت الحكومات المتعاقبة ـ بدرجات متفاوتةـ في بناء كثير من مقومات الدولة، مثل: مجالس النواب، واعتماد عملة وعلم خاصين، وتثبيت أجهزة أمنية وإدارة مدنية تقدم نفسها باعتبارها نموذجًا للاستقرار النسبي قياسًا بالفوضى العارمة في الصومال. لكن الاعتراف الدولي ظلّ الحلقة المفقودة؛ فالدولة التي تعمل على الأرض كدولة لم تحصل على الشرعية القانونية الكاملة التي تتيح عضوية المنظمات الدولية، وتوقيع اتفاقات سيادية واسعة، والاندماج الطبيعي في الأسواق العالمية، بل وحتى إدارة المجال الجوي دون عوائق سياسية.
هذه المفارقة تحديدًا ما يجعل الاعتراف الإسرائيلي حدثًا لافتًا. فهو يكسر "حظرًا" غير معلن التزمت به معظم الدول لعقود، ليس بالضرورة تشكيكًا في قدرة صوماليلاند على الحكم، بل خشيةً من أن يفتح الاعتراف بابًا لسوابق انفصالية تهزّ فكرة الحدود في أفريقيا، وتستدعي مطالب مشابهة في بؤر أخرى.
لا تنظر إسرائيل إلى الاعتراف بصوماليلاند بوصفه خطوة ثنائية مع كيانٍ ناشئ فحسب، بل باعتباره حلقة ضمن مشروع أكبر لتوسيع دائرة العلاقات في البيئات المسلمة، وكسر العزلة الإقليمية تدريجيًا. منذ عام 2020، فتحت «اتفاقات أبراهام» مسار تطبيع رسمي مع الإمارات والبحرين والمغرب، فيما حافظت دول مثل: مصر وتركيا على علاقات دبلوماسية مع إسرائيل رغم تعقيداتها.
في هذا السياق، يبدو الاعتراف بصوماليلاند محاولة لإضافة مكسب دبلوماسي جديد، لكن ما يميّزه هذه المرة أنه لا يصطدم فقط بحساسيات عربية/إسلامية، بل بقاعدة أفريقية راسخة ترتبط بوحدة دولة عضو في الاتحاد الأفريقي، وخشية "سابقة" قد تُغري حركات انفصالية أخرى.
إلى جانب ذلك، ثمة بعد جيوسياسي يصعب تجاهله. فصوماليلاند تقع على خليج عدن، بمحاذاة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم قرب البحر الأحمر وباب المندب؛ منطقة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مسرح تنافس نفوذ، ومعادلات أمن الملاحة، وتداخل مصالح دولية وإقليمية. من هذا المنظور، فإن أي شراكة مع كيان يملك منافذ وموانئ على هذا الشريط قد تُقرأ في تل أبيب باعتبارها استثمارًا في عمق بحري-تجاري له انعكاسات أمنية واقتصادية، لا سيما فيما يتعلق بحماية خطوط الإمداد والتجارة وممرات الطاقة.
الاعتراف الدولي ظلّ الحلقة المفقودة؛ فالدولة التي تعمل على الأرض كدولة لم تحصل على الشرعية القانونية الكاملة التي تتيح عضوية المنظمات الدولية، وتوقيع اتفاقات سيادية واسعة، والاندماج الطبيعي في الأسواق العالمية، بل وحتى إدارة المجال الجوي دون عوائق سياسية
تتعزز هذه القراءة في ظل تصاعد التوترات في البحر الأحمر وما رافقها من تهديدات متكررة للملاحة الدولية. هنا، يتعامل صانع القرار الإسرائيلي مع الجبهة البحرية باعتبارها جزءًا من مسرح مواجهة ممتد مع إيران وشبكة حلفائها، حيث يربط مراقبون بين الأمن البحري وبين الحاجة إلى قدرات مراقبة وإنذار مبكر قرب نقاط الاختناق الاستراتيجية. وعليه، فإن التموقع دبلوماسيًا على مقربة من باب المندب وخليج عدن يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للحركة، بدءًا من تبادل المعلومات وتعزيز الشراكات، إلى تقوية القدرة على الردع، ضمن سياق إقليمي شديد السيولة تتداخل فيه السياسة بالأمن والاقتصاد.
أول مكسب مباشر بالنسبة لهرجيسا هو كسر العزلة الرمزية، فالاعتراف من "دولة" ذات حضور سياسي وعلاقات ممتدة مع عواصم غربية يمكن توظيفه كبوابة لفتح قنوات تواصل أوسع، أو على الأقل لإعادة طرح ملف صوماليلاند باعتباره قضية قابلة للنقاش بدل إبقائه في خانة الملفات المؤجلة. ثانيًا، يمنح الاعتراف غطاءً سياسيًا لتوسيع اتفاقات تعاون كان تمريرها أصعب دون سند دبلوماسي، لا سيما في مجالات الأمن والموانئ والاستثمار والاتصال بالأسواق.
لكن الاعتراف يحمل كلفة محتملة واضحة تتمثل في تصعيد التوتر مع مقديشو، وتعقيد أي مسار تفاوضي بشأن الوضع النهائي. فالحكومة الفيدرالية الصومالية وصفت الخطوة بأنها «غير قانونية»، وأكدت أن صوماليلاند «جزء لا يتجزأ» من الصومال. وبقدر ما يرفع الاعتراف منسوب ثقة هرجيسا، فإنه قد يدفع خصومها إلى التشدد، ويوفر للقوى الإقليمية الرافضة ذريعة لرفع سقف الضغوط السياسية والاقتصادية، وربما توسيع الاستثمار في «إدارة النزاع».
ولا يمكن فصل هذه المعادلة عن الواقع الميداني داخل صوماليلاند. فمنذ 2023 شهدت مناطقها الشرقية صدامات في مدينة لاسعانود مع مليشيات محلية، رافقتها اتهامات حقوقية - بينها اتهامات من منظمة العفو الدولية - بشأن سقوط مدنيين نتيجة عمليات عشوائية، وهو ما نفته السلطات.
في سياق أوسع، ينبغي التعامل مع الاعتراف الإسرائيلي بوصفه «أداة تموضع». فخبرات التطبيع في دول أفريقية وعربية أخرى تُظهر أن العلاقة مع إسرائيل، مهما حملت من وعود تعاون وتقنيات واستثمارات، لا تستطيع تعويض هشاشة الداخل أو إصلاح اختلالات الشرعية وبنية الدولة. فجنوب السودان مثلا لم تتحول علاقاته إلى رافعة كافية لتحييد الانقسامات البنيوية أو كبح دوامات العنف، لأن العطب كان في صميم معادلة الحكم وبناء المؤسسات. وبالمثل، فإن تطبيع السودان في مرحلة القيادة العسكرية لم ينجح في ترجمة اختراقاته الخارجية إلى استقرار سياسي لحكم العسكر، لأن الصراع الداخلي وتنازع مراكز القوة ظلّ أقوى من أي مكاسب دبلوماسية.
جاء الرفض سريعًا من مصر التي أعلنت، في بيان رسمي، أن وزير خارجيتها أجرى اتصالات مع نظرائه في الصومال وتركيا وجيبوتي، مؤكدين «الرفض الكامل» لأي إجراءات أحادية تمس سيادة الصومال أو تقوّض أسس الاستقرار فيه. يعكس الموقف المصري قلقًا مزدوجًا: حساسية القاهرة تجاه ترتيبات الأمن والتموضع في البحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب موقف مبدئي يَعتبر الاعتراف بانفصالات أحادية سابقة خطيرة، قد تُربك معادلات السلم الإقليمي والدولي.
ينبغي التعامل مع الاعتراف الإسرائيلي بوصفه «أداة تموضع». فخبرات التطبيع في دول أفريقية وعربية أخرى تُظهر أن العلاقة مع إسرائيل، مهما حملت من وعود تعاون وتقنيات واستثمارات، لا تستطيع تعويض هشاشة الداخل أو إصلاح اختلالات الشرعية وبنية الدولة
أما تركيا وجيبوتي، فلكل منهما مصالح مباشرة في القرن الأفريقي تتقاطع فيها القواعد العسكرية والاستثمارات وخطوط الملاحة، فضلًا عن علاقات وثيقة مع مقديشو تجعل أي تغيير في وضع صوماليلاند مسألة تتجاوز «الخلاف الصومالي الداخلي» إلى صراع نفوذ على الممرات البحرية. وفي الاتجاه نفسه، تبنّى الاتحاد الأفريقي موقفًا رافضًا لأي اعتراف بصوماليلاند، مؤكدًا التزامه بوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ومحذرًا من أن شرعنة الانفصال قد تُقوّض الاستقرار في القارة.
وفي واشنطن، بدا الموقف أقل اندفاعًا. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يُنظر إلى اعترافه المحتمل بوصفه الورقة الثقيلة القادرة على تغيير مسار الملف، لا يعتزم - حسب قوله - في هذه المرحلة السير على خطى إسرائيل، لكنه أبقى الباب مواربًا بإشارته إلى أن "كل شيء قيد الدراسة"، وهي صياغة تعكس ترددًا سياسيًا بين إغراءات المكسب الجيوسياسي ومخاطر الاصطدام بحسابات الشراكة الأمنية مع الصومال وحساسية الاعتراف بانفصالات أحادية في أفريقيا.
الاعتراف بكيان سياسي لا يخلق دولة من العدم، لكنه يمنحها شرعية وظيفية، خصوصا في حالة صوماليلاند، حيث سيسهّل التعامل الرسمي، ويفتح قنوات تعاون، وقد يشجّع أطرافًا أخرى على اختبار المسار نفسه. ومع ذلك، فإن اعتراف دولة واحدة - مهما كانت مكانتها او خلفياتها - لا يبدّل الوضع القانوني لصوماليلاند على المستوى الدولي ما لم يتحول إلى سلسلة اعترافات متتابعة، أو يُترجم إلى تسوية تفاوضية مع مقديشو تُنهي النزاع السيادي من جذوره. عمليًا، ستظل هرجيسا أمام معضلة الشرعية الانتقائية.
يزداد المشهد تعقيدًا لأن الاعتراف جاء في بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب. فقد تزامن الحدث مع تقارير سابقة عن اتصالات أميركية–إسرائيلية تناولت، ضمن سياقات مختلفة، فكرة استقبال فلسطينيين من غزة في إطار "إعادة توطين"، وهو ما نفت صوماليلاند أن يكون مطروحًا ضمن نقاشاتها. في المقابل، شددت مصر وحلفاؤها - ضمن بيانات الرفض - على معارضتهم أي خطط لتهجير الفلسطينيين خارج أرضهم، في تذكير بأن التهجير القسري يُصنف جريمة بموجب القانون الدولي وفق منظمات حقوقية. وتجعل هذه الظلال بشأن غزة أي تقارب جديد مع إسرائيل أكثر كلفة سياسيًا وأخلاقيًا في صوماليلاند، حتى لو لم يكن ملف غزة جزءًا مباشرًا من الاتفاق.
في المحصلة، الاعتراف الإسرائيلي يشبه كسر جدار صمت دبلوماسي أكثر مما يشبه حسمًا للنزاع. وهو بهذأ المعنى مكسب معنوي وسياسي لهرجيسا سياسيًا، وورقة نفوذ لتل أبيب في حساباتها الاقليمية، لكنه أيضًا اختبار لاستقرار القرن الأفريقي ومنظومة أفريقية تتحسب من "دومينو" انفصالي.
الخلاصة أن إسرائيل فتحت بهذه الخطوة نافذة لصوماليلاند، لكن ليس بوسعها منح "الشرعية الدولية" فهي بنفسها تعاني من عزلة دولية بسبب جرائمها في غزة وباقي فلسطين. ما سيحسم الاتجاه هو إدارة مخاوف الجوار والاتحاد الأفريقي، وتماسك الداخل وملفات الحقوق والحكم، ثم موقف واشنطن تحت إدارة ترامب: هل ستُحوّل الاعتراف إلى مسار دولي أوسع، أم ستبقيه ضمن هامش مناورة محدود تحكمه حسابات الأمن والتحالفات؟