الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
لا تملك صوماليلاند مقعدًا في الأمم المتحدة، ولا تعترف بها الغالبية الساحقة من دول العالم دولةً ذات سيادة، فيما لا تزال الخرائط الرسمية تدرجها ضمن أراضي الصومال. غير أن غياب الاعتراف الدولي لم يحل دون تنامي حضورها الاقتصادي خلال العامين الماضيين، إذ برزت أهميتها في ملفات التجارة وأمن الطاقة والتنافس الأميركي–الصيني، إلى جانب التوازنات الجيوسياسية في غرب آسيا والتكامل الاقتصادي الأفريقي، بل امتد تأثيرها إلى مستقبل علاقات تايوان الدولية. وهنا يبرز السؤال: كيف استطاع كيان لا يزال خارج دائرة الاعتراف الدولي أن يستقطب كل هذا الاهتمام؟
تبدأ الإجابة من الجغرافيا، فصوماليلاند تمتلك شريطًا ساحليًا طويلًا على خليج عدن، بمحاذاة مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ولا يقتصر دور هذا المضيق على وصل البحر الأحمر بالمحيط الهندي، بل يشكّل أيضًا البوابة الجنوبية لقناة السويس، وتعبره كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي المسال والسلع المصنّعة وحاويات الشحن، ضمن طريق تجاري حيوي يربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا.
ازدادت أهمية باب المندب خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع اندلاع أزمة الملاحة الإقليمية عقب هجمات جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيين) على السفن التجارية المتجهة إلى إسرائيل، ما دفع العديد من شركات الشحن إلى تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. وكشفت هذه التطورات للمستثمرين وصنّاع السياسات والمخططين العسكريين مدى اعتماد انسياب التجارة العالمية على عدد محدود من الممرات البحرية الحيوية. وبحكم موقعها المباشر إلى جانب أحد هذه الممرات، اكتسبت صوماليلاند أهمية جغرافية واستراتيجية يصعب تجاهلها.
إذا كانت الجغرافيا تمنح صوماليلاند هذه الأهمية، فإن ميناء بربرة يحوّلها إلى واقع اقتصادي ملموس. فبعد عقود ظل خلالها الميناء دون استغلال كامل لإمكاناته، بات يتحول سريعًا إلى واحد من أبرز مشروعات الخدمات اللوجستية في أفريقيا، ولا سيما منذ أن استثمرت شركة «موانئ دبي العالمية» الإماراتية مئات الملايين من الدولارات للحصول على حصة مسيطرة تبلغ 65 في المئة من مشروع تطويره، مقابل امتلاك حكومة صوماليلاند الحصة المتبقية البالغة 35 في المئة. ومع إنشاء مرافق جديدة للحاويات، وتطوير شبكات الطرق والمشروعات اللوجستية المرتبطة بها، يتجه ميناء بربرة تدريجيًا إلى أن يصبح مركزًا تجاريًا إقليميًا مهمًا.
سيكافئ الاعتراف الأميركي هرجيسا على جهودها المتواصلة للحفاظ على الاستقرار وتعزيز الديمقراطية، لكنه قد يشجع دولًا أخرى أيضًا على الاعتراف بصوماليلاند، وهو ما سيمثّل ضربة للقوميين الصوماليين الذين يطمحون إلى دولة واحدة تجمع الصوماليين جميعًا
لا تقتصر الأهمية الاقتصادية لميناء بربرة على صوماليلاند وحدها، إذ يمكن أن يشكّل منفذًا حيويًا لدول المنطقة، وفي مقدمتها إثيوبيا. فهذه الدولة، التي تُعدّ الثانية أفريقيًا من حيث عدد السكان بأكثر من 120 مليون نسمة، تعتمد بدرجة كبيرة على دول الجوار للوصول إلى الموانئ البحرية، فيما تمر معظم تجارتها الخارجية عبر جيبوتي.
فرض هذا الوضع على إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، تكاليف نقل مرتفعة، وأضعف قدرتها التنافسية، وزاد اعتمادها على جيرانها. وتفاقمت هذه التحديات منذ أن أفقدها استقلال إريتريا، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، منفذها المباشر إلى البحر. ومع استمرار نمو الاقتصاد الإثيوبي وتزايد عدد السكان، أصبحت الحاجة إلى ممرات تجارية بديلة وموثوقة أكثر إلحاحًا.
في هذا السياق، يبرز ميناء بربرة بوصفه بديلًا واعدًا. فإذا استمرت حركة التجارة عبره في النمو، فقد يتحول إلى بوابة رئيسية تربط إثيوبيا بالأسواق الدولية، وتفتح في الوقت نفسه مجالًا واسعًا أمام فرص تجارية جديدة في مختلف أنحاء القرن الأفريقي. ومن هنا، يجسّد الميناء بوضوح الأهمية الاقتصادية المتنامية لصوماليلاند؛ فمشروعات البنية التحتية المقامة فيها لا تقتصر على توفير فرص العمل للسكان المحليين، بل تسهم أيضًا في إعادة رسم مسارات التجارة داخل واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الاستراتيجية.
غير أن هذا التحول جعل من بربرة أيضًا ساحةً للتنافس والتوتر الجيوسياسي. فقد اعترضت الحكومة الفيدرالية الصومالية مرارًا على الاتفاقيات التي تبرمها صوماليلاند مع شركاء أجانب، معتبرةً أنها تقوّض سيادة الصومال ووحدة أراضيه. واشتد التوتر مع الإمارات، على وجه الخصوص، عقب اعتراف إسرائيل رسميًا بصوماليلاند دولةً مستقلة في ديسمبر 2025.
في هذا الصدد، قال عمر محمود، الباحث البارز في مجموعة الأزمات الدولية، إن «الصومال ينظر إلى ذلك بوصفه انتهاكًا لوحدة أراضيه، ويعتقد أن الإمارات أدّت دورًا من وراء الكواليس في الوصول إلى هذه النتيجة».
في حديث إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في يناير، أوضح محمود أن المنطقة «باتت تتشكل بصورة متزايدة وفق معسكرات جيوسياسية متباينة، تقف فيها الإمارات وإسرائيل في جانب، والسعودية وتركيا ودول أخرى في الجانب المقابل».
أضاف أن علاقات الصومال بالإمارات كانت قد بدأت في التدهور منذ عام 2024، عندما أبدت إثيوبيا، حليفة أبوظبي، استعدادها للاعتراف باستقلال صوماليلاند مقابل إقامة قاعدة بحرية على ساحلها. واستدرك قائلًا: «لكن إثيوبيا لم تتجاوز حدود الوعد بالاعتراف، في حين مضت إسرائيل قدمًا ونفّذته فعلًا، وهو ما يرفع سقف الرهانات».
بصرف النظر عن المآل النهائي لمسألة الوضع السياسي، تستطيع الولايات المتحدة تعميق تعاونها التجاري والبحري مع صوماليلاند، وتوسيع حوارها مع القطاع الخاص والتبادلات الفنية، مع مواصلة دعم الاستقرار الإقليمي الأوسع
في ظل تصاعد المخاوف الأمنية في المنطقة، اكتسبت الشراكات المرتبطة بالبحر الأحمر وزنًا جيوسياسيًا متزايدًا. ومع ذلك، وعلى الرغم من امتلاك صوماليلاند حكومة وعملة ومؤسسات خاصة بها، فإنها لا تزال خارج كثير من المنظومات الدولية التي تسهّل حركة التجارة العالمية، وهو ما يضع أمام شركاتها عقبات كبيرة في الوصول إلى خدمات المصارف المراسلة والتمويل التجاري والتأمين والتمويل التنموي.
لا تقتصر تداعيات غياب الاعتراف الدولي على الجانب السياسي؛ إذ يُنظر إلى الاعتراف في صوماليلاند بوصفه ضرورة اقتصادية من شأنها فتح الباب أمام الاستثمارات، وتسهيل الاندماج في الأسواق العالمية، وتسريع وتيرة النمو. ويساعد هذا الاعتبار على تفسير اعتراف إسرائيل رسميًا بها، ولو جزئيًا، في ظل اعتماد تجارتها مع آسيا بدرجة كبيرة على الطرق البحرية التي تمر عبر مضيق باب المندب.
بالتوازي مع هذه الأهمية الاقتصادية، يبرز تقارب صوماليلاند مع تايوان بوصفه أحد أكثر جوانب صعودها إثارة للاهتمام. فالطرفان يشتركان في وضع استثنائي؛ إذ يعمل كل منهما ككيان سياسي يتمتع بحكم ذاتي ومؤسسات مستقلة، بينما يظل وضعه القانوني والسياسي موضع نزاع دولي. وخلال السنوات الأخيرة، افتتحت صوماليلاند وتايوان مكاتب تمثيلية متبادلة، ووسّعتا نطاق تعاونهما ليشمل التعليم والرعاية الصحية والتكنولوجيا والتنمية.
لم يكن هذا التقارب بعيدًا عن حسابات التنافس الدولي. فالصين، التي تعدّ تايوان جزءًا من أراضيها، قابلت تنامي العلاقات بين تايبيه وهرجيسا بتوسيع تعاونها السياسي والدبلوماسي مع الحكومة الصومالية.
في بيان أصدرته بكين بشأن اتصال هاتفي جرى في يناير بين وزيري خارجية الصين والصومال، أكد الجانبان «متانة الشراكة الاستراتيجية بين الصين والصومال، ودعمهما المتبادل في القضايا المرتبطة بمصالحهما الأساسية». كما رحّبا بالزخم الإيجابي في العلاقات الثنائية، واتفقا على تعميق الثقة السياسية والتعاون العملي، وجدّدا التزامهما المشترك بمبادئ السيادة والوحدة وعدم التدخل.
أضاف البيان أن «الصين جدّدت دعمها الثابت لوحدة أراضي الصومال، وشدّدت على أن صوماليلاند جزء لا يتجزأ منه، فيما أكد الصومال مجددًا دعمه الراسخ لمبدأ الصين الواحدة، ولجميع الجهود الصينية الرامية إلى إعادة التوحيد الوطني، ولمرجعية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2758».
باتت تتشكل بصورة متزايدة وفق معسكرات جيوسياسية متباينة، تقف فيها الإمارات وإسرائيل في جانب، والسعودية وتركيا ودول أخرى في الجانب المقابل
مع اتساع نفوذ الصين في أفريقيا، من خلال استثمارات البنية التحتية والتجارة والانخراط الدبلوماسي، أصبحت الولايات المتحدة بدورها أكثر اهتمامًا بالحفاظ على حضورها ونفوذها في منطقة القرن الأفريقي.
في هذا السياق، أشار تقرير حديث للمجلس الأطلسي إلى أن «قضية صوماليلاند تظل شديدة الحساسية؛ ففي حين أبدت بعض الأطراف الدولية، مثل إسرائيل والإمارات، اهتمامًا متزايدًا بها بسبب استقرارها النسبي وموقعها الاستراتيجي بالقرب من باب المندب، تمسكت الدول المجاورة والاتحاد الأفريقي تقليديًا بوحدة أراضي الصومال، خشية أن يؤدي الاعتراف بصوماليلاند إلى تحفيز حركات انفصالية في دول أخرى».
مع ذلك، رأى التقرير أنه «بصرف النظر عن المآل النهائي لمسألة الوضع السياسي، تستطيع الولايات المتحدة تعميق تعاونها التجاري والبحري مع صوماليلاند، وتوسيع حوارها مع القطاع الخاص والتبادلات الفنية، مع مواصلة دعم الاستقرار الإقليمي الأوسع».
في الداخل الأميركي، أبدت بعض أجنحة الحزب الجمهوري الأكثر تشددًا في مناهضة الصين حماسةً أكبر للدفع نحو الاعتراف بصوماليلاند. ففي وثيقة السياسات المحافظة المعروفة باسم «مشروع 2025»، دعت مؤسسة هيريتيج اليمينية إلى إدراج «الاعتراف بدولة صوماليلاند، بوصفه خطوة احترازية في مواجهة تدهور موقع الولايات المتحدة في جيبوتي»، ضمن الإجراءات الرامية إلى «مواجهة الأنشطة الصينية الخبيثة» في أفريقيا جنوب الصحراء.
في خطوة أخرى، قدّم النائب الجمهوري عن ولاية بنسلفانيا، سكوت بيري، في ديسمبر مشروع قانون يدعو إلى «الاعتراف بصوماليلاند التابعة لجمهورية الصومال الفيدرالية دولةً منفصلة ومستقلة»، إلا أن المشروع لم يحصل حتى الآن على موافقة مجلس النواب.
لكن تعزيز التعاون الأميركي مع صوماليلاند لا يخلو من مخاطر إقليمية. فقد رأى أليكسي يلونين، الأستاذ في الجامعة الأميركية الدولية–أفريقيا والباحث في مركز الدراسات الدولية بمعهد لشبونة الجامعي، في مقال نشره موقع ذا كونفرسيشن في مايو/آيار 2025، أن «تعزيز التعاون الأميركي مع صوماليلاند ينطوي على خطر إهمال الصومال. فمقديشو تعتمد على المساعدات العسكرية الخارجية في معركتها ضد حركة الشباب، الجماعة الإسلاموية المتطرفة والعنيفة التي تواصل تقدمها، كما تواجه تحديًا متزايدًا من إقليمين فيدراليين هما بونتلاند وجوبالاند».
أضاف يلونين: «سيكافئ الاعتراف الأميركي هرجيسا على جهودها المتواصلة للحفاظ على الاستقرار وتعزيز الديمقراطية، لكنه قد يشجع دولًا أخرى أيضًا على الاعتراف بصوماليلاند، وهو ما سيمثّل ضربة للقوميين الصوماليين الذين يطمحون إلى دولة واحدة تجمع الصوماليين جميعًا».
هكذا، لا تزال مسألة الاعتراف الدولي عالقة. فمعظم الحكومات تواصل دعم وحدة أراضي الصومال، وتتردد في إرساء سابقة قد تشجع حركات انفصالية في مناطق أخرى. ومع ذلك، يختلف موقع صوماليلاند اليوم اختلافًا واضحًا عما كان عليه قبل عقد من الزمن.
فقد بات الاعتراف الدولي أقل قدرة على أن يكون المعيار الوحيد لقياس أهمية صوماليلاند. فالمنطقة تتحول تدريجيًا إلى نقطة تتقاطع عندها طرق التجارة العالمية، والتنافس بين القوى الكبرى، والتحولات الاقتصادية الإقليمية. وبالنسبة إلى معظم دول العالم، لا تزال صوماليلاند دولة غير معترف بها؛ أما بالنسبة إلى المستثمرين وصنّاع السياسات والاستراتيجيين الجيوسياسيين، فقد أصبح تجاهلها أكثر صعوبة.