الأحد 18 يناير 2026
في مساء 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 بدا المشهد في هرجيسا أشبه بلحظةٍ تُراد من ورائها التأسيس لرمزية محددة، بعد خروج تظاهرات احتفالية في الشوارع، وتحول منصات التواصل إلى ساحة تهنئة جماعية، وصار الإعلام الرسمي يتعامل مع الحدث كما لو أنه "الاستقلال الثاني". حتى الرئيس ألقى خطابًا أعلن فيه عطلة ليومين لموظفي الدولة، في إشارة إلى أن ما جرى ليس مجرد خبرٍ خارجي، بل واقعة يُراد إدخالها إلى الذاكرة السياسية للجمهور. السبب كان إعلانًا متبادلًا بين إسرائيل وصوماليلاند بالاعتراف الرسمي بالبلد، مع حديثٍ عن علاقات دبلوماسية كاملة، تشمل سفارات وسفراء. مثل هذا الاعتراف بالنسبة لكيانٍ يعيش منذ ثلاثة عقود في منطقة رمادية، يكفي ليُحدث ضجيجًا كبيرًا.
غير أن سياسة هرجيسا التي تقوم على افتعال الضجيج في الداخل، بدت للوهلة الأولى كأنها كسبت وهجًا معينًا. وغني عن التأكيد أن الاعتراف، حتى حين يأتي من دولةٍ ذات نفوذ غربي، وإن كان ضد كل ما يتعلق بتقرير الحق الفلسطيني، لا يمنح الشرعية الدولية بالمعنى القانوني الكامل، ولا يفتح تلقائيًا أبواب الأمم المتحدة والمؤسسات المالية والمنظمات الإقليمية. إن قيمة أي اعتراف خارجي تتحدد من ناحية بقدرته على تحويل وضعٍ قائم بحكم الواقع إلى مسارٍ تراكمي من الاعترافات، ومن ناحية أخرى بقدرته على إنتاج شبكة مصالح تجعل الكلفة السياسية للإنكار أعلى من كلفة القبول. وتجربة كوسوفو تذكيرٌ مناسب في هذا السياق. فاعتراف عشرات الدول لم يترجم حتى الآن إلى مقعد أممي لم يمنح إجماعًا دوليًا، لأن مفاتيح النظام الدولي ليست موزعة بالتساوي، وهذا يرتبط بعدالة النظام الدولي نفسه؛ فهناك دول تملك قدرة التعطيل أكثر مما تملك دول أخرى قدرة الدفع.
صوماليلاند هنا ليست فكرة تبحث عن واقعٍ يُسندها، بل واقعٌ قائم يبحث عن اعترافٍ دولي. فمنذ عام 1991، وهي تقدّم نفسها كيانٍا يملك مقومات الحكم والإدارة، ويعرض نموذجًا من الاستقرار النسبي داخل محيطٍ مضطرب في القرن الأفريقي. وبينما تعاني الصومال من هشاشةٍ مزمنة، وتعيش إثيوبيا وجيبوتي بدورهما توتراتٍ سياسية وبنيوية بدرجات متفاوتة، تمثل هرجيسا حالة مختلفة تماما.
لا أعتقد أن صوماليلاند ستستفيد من العلاقة بقدر ما يتخيل المحتفلون بهذا الإعلان، فتجارب التطبيع مع إسرائيل كلها تقول شيئا واضحا، إن كان وضعك الداخلي هشًا فلن تنقذك العلاقات مع إسرائيل
نجحت صوماليلاند، خلال العقود الماضية، في بناء دولة حقيقية، لديها مؤسسات ونظام انتخابي تُقدم بوصفه علامة استقرار سياسي مقارنة بما يجري في الصومال، ومع ذلك بقيت محكومة بمعادلةٍ قاسية. فالنظام الدولي، ومعه كثير من العواصم المؤثرة، يتحسس من أي اعتراف قد يتحول إلى سابقة انفصالية، تُعيد فتح ملف الحدود الموروثة، وتستدعي نزاعات كامنة لا أحد يريد تحمّل كلفتها. لذلك ظلت هرجيسا، طوال سنوات، تصطدم بجدار التجاهل أكثر مما تصطدم بجدار العداء.
غير أن المفارقة أن تصدّع الجدار من جهة واحدة لا يعني انهياره. فالتصدّع أحيانًا يوقظ الخصوم بدل أن يفتح الطريق أمام المؤيدين، إذ تتحرك ديناميات الرفض أسرع من ديناميات القبول. لا مراء في أن مقديشو ستتعامل مع أي اعتراف بوصفه مساسًا بالسيادة ووحدة البلاد، وسيجد الاتحاد الأفريقي نفسه - بحكم منطقه المؤسسي وخوفه من سوابق مشابهة- مدفوعًا إلى التشدد ضد أي خطوة تُقرأ كتطبيع مع الانفصال، وهذا ما حصل بالفعل.
على المستوى الإقليمي، يسهل تخيّل اصطفافات مضادة؛ فلكلٍ من مصر وتركيا وجيبوتي، حساباتها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تنظر إلى الاعتراف ككرة ثلج ينبغي إيقافها قبل أن تكبر. وهنا يصبح السؤال العملي: هل ربحت صوماليلاند حلفاء قادرين على دفع كلفة الاعتراف وتوسيع دائرته، أم أنها ربحت خصوماتٍ مباشرة تُقاس بميزان القوة والاقتصاد وممرات الملاحة؟
خطوة إسرائيل بالأمس لا ينبغي أن تقرأ بكونها هدية أخلاقية بتقرير المصير بقدر ما هي صفقة تموضع، فالموقع الجغرافي لصوماليلاند على خليج عدن، قرب باب المندب، يتزامن مع لحظة توترٍ حاد في البحر الأحمر، ومع تصاعد تهديدات الملاحة وتداخل خطوط الصراع. لقد اعتادت إسرائيل تحويل الجغرافيا إلى أداة أمنية، بذلك ستنظر إلى هذا الشريط باعتباره امتدادًا لحسابات مراقبة اليمن، وتقليص هامش الحركة أمام الحوثيين، وتعزيز التموقع في مواجهة إيران وشبكات حلفائها أو على الأقل تحسين القدرة على جمع المعلومات وإدارة المخاطر. هنا تتحول صوماليلاند، بحكم جغرافيتها إلى “موقع رصد” بدل أن تصير دولة بحكم تقرير المصير، كما كان ينبغي.
النظام الدولي، ومعه كثير من العواصم المؤثرة، يتحسس من أي اعتراف قد يتحول إلى سابقة انفصالية، تُعيد فتح ملف الحدود الموروثة، وتستدعي نزاعات كامنة لا أحد يريد تحمّل كلفتها. لذلك ظلت هرجيسا، طوال سنوات، تصطدم بجدار التجاهل أكثر مما تصطدم بجدار العداء
المشكلة أن هذا التموضع سيضع هرجيسا في قلب عاصفة أكبر منها. الحديث عن تجهيزات مراقبة في بربرة أو عن تحويل الميناء إلى عقدة أمنية متقدمة قد يمنح صوماليلاند قيمة تفاوضية في صراعاها بشأن السيادة، لكنه في المقابل يحولها إلى ساحة صراع بالوكالة، ويُدخلها في منافسة إقليمية متعددة؛ تركيا بحضورها في الصومال، إيران عبر امتداداتٍ وحلفاء، ومصر القلقة من أي تغير يمس ترتيبات البحر الأحمر أو يفتح نافذة لتمددٍ إثيوبي. في مثل هذه البيئة، تبدو العداوات التي يجلبها الاعتراف أكثر كلفة من الوعود التي يحملها، وقد يتحول إلى عبءٍ أمني يتجاوز قدرة كيانٍ ناشئ على احتمالها.
لهذا أرى أن العامل الحاسم ليس تل أبيب بقدر ما هو واشنطن. فالولايات المتحدة وحدها تملك القدرة -إن قررت- على تحويل الاعتراف إلى مسار دولي أوسع، أو إبقائه استثناءً محصورًا. هنا تبدو إشارات ترامب مترددة، فهو لا يريد أن يكرر خطوة نتنياهو فورًا، لكنه يلمّح إلى أن الأمر "قيد الدراسة". التردد مفهوم إذا قرأناه على مستويين: منافسة الصين في أفريقيا والبحر الأحمر، حيث أصبحت جيبوتي نموذجًا لتداخل القواعد والنفوذ، والحسابات الأمنية التقليدية في الصومال، حيث لا تزال واشنطن ترى مكافحة “حركة الشباب” أولوية، وتخشى أن يفتح أي تغييرٍ كبير باب فوضى إضافية.
يُختزل النقاش العربي حول صوماليلاند، في الغالب، في عبارات "خطر الانقسام"، وكأن القضية تتعلق بانشقاقٍ مفاجئ داخل دولة مستقرة ومتماسكة. لكن الصورة على الأرض أكثر تعقيدًا. فصوماليلاند دخلت في عام 1960 وحدةً طوعية لتأسيس الجمهورية الصومالية، في إطار حلم "الصومال الكبير"، ثم انهارت الدولة المركزية عام 1991، ومع انهيارها انهارت عمليًا فكرة الوحدة بوصفها عقدًا سياسيًا قادرًا على تنظيم العلاقة بين الأطراف وضمان الحقوق وتوزيع السلطة.
هذا لا يعني أن الانفصال هو الحل الأفضل للأقليم وحساباته، ولا أنه الطريق الوحيد، لكنه يعني أن السؤال لا يمكن حصره في ثنائيةٍ تبسيطية من نوع وحدة أو انقسام. المسألة هنا سوسيوتاريخية.
إن قيمة أي اعتراف خارجي تتحدد من ناحية بقدرته على تحويل وضعٍ قائم بحكم الواقع إلى مسارٍ تراكمي من الاعترافات، ومن ناحية أخرى بقدرته على إنتاج شبكة مصالح تجعل الكلفة السياسية للإنكار أعلى من كلفة القبول
ومن المفارقات أن بعض الخطاب العربي يتعامل مع قدسية الحدود كما لو أن الدول القُطرية في منطقتنا تشكلت عبر مسار تاريخي طويل من التوافق الاجتماعي، على غرار تشكّل الدول الأوروبية. بينما الواقع أن كثيرًا من هذه الدول رُسمت حدودها في سياقات استعمارية، وبمعزلٍ عن التعقيدات الديموغرافية والإثنية والتاريخية، ومن دون تصورٍ وطني جامع متفق عليه منذ البداية. وصوماليلاند ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل تُجسدها بصورة حادة.
فيما يخص إسرائيل تحديدًا، لا أعتقد أن صوماليلاند ستستفيد من العلاقة بقدر ما يتخيل المحتفلون بهذا الإعلان، فتجارب التطبيع مع إسرائيل كلها تقول شيئا واضحا، إن كان وضعك الداخلي هشًا فلن تنقذك العلاقات مع إسرائيل. جنوب السودان لم تُنقذه الاعترافات من الانقسام البنيوي، والسودان لم تُنقذه الاختراقات الدبلوماسية من صراع مراكز القوة، والمغرب بعد خمس سنوات على التطبيع لا يزال في دوامات البحث عن اعتراف دولي في موضوع الصحراء الغربية. صوماليلاند تحتاج قبل أن تطالب العالم بالاعتراف أن تُقنع نفسها بأنها تحصّن نموذج الدولة.
إن إسرائيل فتحت لصوماليلاند نافذة في كسر العزلة الخارجية، لكنها تنطوي على خطر أكبر. فالاعتراف الأول قد يكسر صمت الجدار، لكن من الواضح أنه لا يضمن حتى الآن سلسلة اعترافات من العالم. إنه يمنح لحظة نشوة تغدي الداخل في السنة الأولى من سجل الحكومة، لكنه قد يضع صوماليلاند أمام خصومات أكبر من قدرتها على التحمل، إذا لم يحسن قراءة البيئة المحيطة وإدارة كلفة التموضع.