الخميس 5 مارس 2026
تُعدّ ستارلينك شركة إنترنت عبر الأقمار الصناعية تديرها شركة سبيس إكس المملوكة لرائد الأعمال إيلون ماسك، الجنوب أفريقي الأصل. تُقدم الشركة خدمات إنترنت عالية السرعة وزمن تأخير منخفض، مما يجعلها حلاً واعدًا للمناطق التي تعاني من ضعف أو انعدام في شبكات الاتصال.
لا تقتصر أهمية ستارلينك على تحسين البنية التحتية الرقمية، بل تتجاوزها إلى دور استراتيجي، إذ يمكن لموقعها الإلكتروني أن يعمل مثل شبكة احتياطية خلال الكوارث الطبيعية، ما يساهم في تعزيز القدرة على الاستجابة السريعة للأزمات.
بدأت ستارلينك تقديم خدماتها في أفريقيا منذ يناير/ كانون الثاني 2023، انطلاقًا من نيجيريا، وتواصل توسعها بوتيرة متسارعة، في إطار سعيها لتوسيع حضورها بشكل كبير في القارة، بما يفتح آفاقًا جديدة للتنمية الرقمية والاقتصادية في البلدان الأفريقية.
أشار تقرير صادر عن هيئة الاتصالات الصومالية اليوم إلى أنها منحت شركة ستارلينك ترخيصًا رسميًا لتقديم خدمات الإنترنت في جميع أنحاء البلاد، في خطوة تُعد تحولًا مهمًا في قطاع الاتصالات، حيث صرّح مدير الهيئة أن دخول ستارلينك يمثل علامة فارقة في سد الفجوة الرقمية، وتعزيز الشمول الرقمي، وهو ما أكده أيضًا إيلون ماسك عبر منصته X.
أفادت يومية لوموند "lemonde" الفرنسية من جهتها بأن ستارلينك وسّعت نطاق خدماتها لتشمل النيجر في مارس/آذار الماضي، بعد أن بدأت تقديم خدماتها في ليبيريا منذ مطلع يناير/كانون الثاني 2025. وفي النيجر، حيث لا تتجاوز نسبة انتشار الإنترنت 32٪ من إجمالي السكان، وتغطي البنية التحتية الرقمية نحو 30٪ فقط من مساحة البلاد، تراوحت أسعار الاشتراك في خدمة ستارلينك بين 260 ألف و400 ألف فرنك أفريقي؛ أي ما يعادل نحو 414 إلى 637 دولاراً أميركياً.
تتحدث تقارير عن تمدد ستارلينك في القارة، فالخدمة باتت متاحة رسميًا أو في طور التجربة في 20دولة أفريقية، موزعة على مناطق مختلفة من القارة. ففي غرب أفريقيا تشمل الدول التي تم تفعيل الخدمة فيها كلا من نيجيريا وبنين وغانا وسيراليون وليبيريا والنيجر. أما في الشرق الأفريقي فقد شملت رواندا وكينيا وملاوي وتنزانيا التي لا تزال قيد الترخيص. وفي جنوب القارة توزعت الدول على موزمبيق وزامبيا وإسواتيني وبوتسوانا وزيمبابوي ومدغشقر والرأس الأخضر وبوروندي. بينما تشمل في الوسط الأفريقي كلا من جمهورية الكونغو الديمقراطية وتشاد، وهما في مرحلة انتظار الترخيص.
على الجانب الآخر، لا تزال دول شمال أفريقيا خارج نطاق التغطية الرسمية حتى الآن. وتشير خريطة النشر إلى أن الخدمة ستتوسع لتشمل 23 دولة أفريقية أخرى خلال عامي 2025 و2026.
صرّح مدير هيئة الاتصالات الصومالية أن دخول ستارلينك يمثل علامة فارقة في سد الفجوة الرقمية، وتعزيز الشمول الرقمي، وهو ما أكده أيضًا إيلون ماسك عبر منصته X
ساهم هذا الانتشار في دفع المزودين نحو تحسين خدماتهم، فمثلا تحدث تقرير عن أن شركة سفاريكوم، المزود الرائد لخدمات الإنترنت في كينيا، ضاعفت سرعة باقاتها كرد فعل مباشرة على دخول ستارلينك السوق الكيني في يونيو/حزيران 2023، والتي بلغ عدد مشتركيها 19146 بحلول ديسمبر/كانون الأول 2024. وشملت التحديثات رفع سرعة باقة 10 ميجابت في الثانية إلى 15 ميجابت بسعر 3000 شلن كيني ( 23 دولارًا)، مع تقديم خصومات تصل إلى 20٪. كما أفاد ذات التقرير عن مساعي الشركة لمنع خدمات الوافد الجديد، فقد تقدمت رسميًا بطلب لحظر خدمات ستارلينك داخل البلاد.
هيئة الاتصالات النيجيرية بدورها أفادت في تقرير بأن شركة ستارلينك تشهد تقدمًا لافتًا في سوق الإنترنت بالبلاد، حيث ارتفع عدد مستخدميها من 23897 عام 2023 إلى 65,564 عام 2024، محققة بذلك نموًا يقارب ثلاثة أضعاف خلال عام واحد، ما جعلها ثاني أكبر مزود لخدمات الإنترنت في نيجيريا. في المقابل، سجلت شركة "Spectranet" تراجعًا بأكثر من 8000 مستخدم، نتيجة عدم قدرتها على تلبية احتياجات السوق المتزايدة. ووفقًا لذات التقرير، تصل سرعة الإنترنت التي توفرها ستارلينك إلى 250 ميجابت في الثانية، متجاوزة بكثير قدرات الشركات المحلية.
طبعا، الشركة تدرك جيدا تباين الأسواق الأفريقية من دولة لأخرى، فتقرير "TechCabal" يؤكد التفاوت الواضح في أسعار ستارلينك من بلد لآخر، وهو ما يعكس اهتمام الشركة بالبيئات التنظيمية المحلية. فقد شهدت الباقات الصغيرة أعلى سعر في دولة ليسوتو بوصولها 52 دولارًا، بينما سجلت في مدغشقر أقل سعر بـ28 دولارًا. أما بالنسبة للباقات غير المحدودة، فقد سجلت دولة بوروندي أعلى سعر بـ165 دولارًا، في حين كانت مدغشقر الأقل تكلفة بـ30 دولارًا.
شهدت ستارلينك توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة؛ ففي عام 2023 كانت تغطي خدماتها 65 دولة، مع إطلاق 1828 قمرًا صناعيًا. وبحلول عام 2024، ارتفع عدد الدول والمناطق التي تغطيها إلى 106، مع إطلاق 7580 قمرًا صناعيًا. أما في العام الجاري وحتى الآن، فقد توسعت لتشمل 130 دولة. وبلغ إجمالي المستخدمين في أفريقيا لوحدها نحو 336 ألف مستخدم حتى مارس/آذار الماضي، من إجمالي أكثر من 5.3 مليون مستخدم حول العالم.
أشارت إحدى الصحف الجنوب أفريقية إلى أن الرئيس رامافوزا التقى بإيلون ماسك في سبتمبر/أيلول 2024، حيث ناقشا إمكانية تشغيل خدمة ستارلينك في جنوب أفريقيا، في إطار المساعي لتوسيع البنية التحتية الرقمية، خاصة في المناطق الريفية. وذكرت الصحيفة أن الرئيس رامافوزا دعا ماسك إلى الاستثمار في بلده. وعلى الرغم من عدم حصول ستارلينك على ترخيص رسمي حتى الآن، فإن الخدمة تنتشر بشكل غير رسمي في بعض المناطق القريبة من موزمبيق، عبر موزعين غير معتمدين، حيث تبلغ تكلفة الاشتراك الشهري نحو 1999 راند ( 105 دولارًا)، بينما يصل ثمن المعدات إلى حوالي 15000 راند (790 دولارًا).
أشار تقرير لوكالة رويترز إلى أن إيلون ماسك اتهم، عبر x، حكومة جنوب أفريقيا بالعنصرية، قائلاً: "إن شركته ستارلينك لا يُسمح لها بالعمل في البلاد لأنه ليس أسود"، في انتقاد مباشر لسياسات التمكين الاقتصادي التي تشترط ملكية 30٪ من أسهم الشركات لمواطنين من ذوي البشرة السوداء. رفضت حكومة بريتوريا هذا الاتهام، موضحة على لسان هيئة تنظيم الاتصالات أن ستارلينك لم تتقدم بأي طلب رسمي للحصول على ترخيص للعمل في البلاد. من جانبه، أكد مسؤول في وزارة الخارجية أن الحكومة ترحب بخدمات ستارلينك، بشرط الالتزام بالقوانين والسياسات المحلية المعمول بها.
بلغ إجمالي المستخدمين في أفريقيا لوحدها نحو 336 ألف مستخدم حتى مارس/آذار الماضي، من إجمالي أكثر من 5.3 مليون مستخدم حول العالم
أشار تقرير إلى أن العقبات التي حالت دون دخول خدمة ستارلينك إلى جنوب أفريقيا كانت من بين الأسباب التي دفعت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى تعليق بعض المساعدات الأمريكية للبلاد. وفي هذا السياق، قال السيناتور الأمريكي كريس مورفي إن غياب وزير الخارجية الأمريكي عن قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ فبراير/شباط الماضي لم يكن مصادفة، موضحًا: "لقد رُفض ترخيص ستارلينك لإيلون ماسك في جنوب أفريقيا، لذا فإن ما نشهده هو حملة انتقامية تهدف إلى التراجع عن هذا القرار".
أشار تقرير أن شركة ستارلينك، رغم النجاح الكبير الذي حققته في أفريقيا، تواجه تحديات لوجستية متزايدة تتعلق بالسعة التخزينية لمحطاتها الأرضية، حيث وصلت هذه السعة إلى حدها الأقصى في مدن رئيسية ضمن خمس دول أفريقية، هي: زيمبابوي وزامبيا وكينيا ونيجيريا وغانا، ما اضطر الشركة إلى وقف تسجيل مشتركين جدد في تلك المناطق. وقد انعكس ذلك سلبًا على قدرة ستارلينك في الاستمرار بمسار النمو الذي حققته في مراحلها الأولى، لاسيما في كينيا التي سجلت في بدايات الخدمة نموًا تجاوز 2000٪.
أفاد تقرير محلي أن الحكومة الكاميرونية علّقت خدمات ستارلينك في البلاد اعتبارًا من أبريل/نيسان الماضي، ضمن جهودها تنظيم سوق الاتصالات، ومنع الأنشطة غير المرخصة. كما حظرت ناميبيا الخدمة للأسباب نفسها، في حين تواصل كل من السنغال وكوت ديفوار وبوركينا فاسو رفض منح التراخيص اللازمة لتشغيلها.
رغم النجاح الكبير الذي حققته في أفريقيا، تواجه تحديات لوجستية متزايدة تتعلق بالسعة التخزينية لمحطاتها الأرضية، حيث وصلت هذه السعة إلى حدها الأقصى في مدن رئيسية ضمن خمس دول أفريقية
أوضح ذات التقرير أن العديد من المواطنين الكاميرونيين يحصلون على أجهزة ستارلينك عبر قنوات غير رسمية، خصوصًا من دولة نيجيريا المجاورة. وتبلغ تكلفة مجموعة الأجهزة حوالي 440 ألف فرنك أفريقي، أي ما يعادل نحو 720 دولارًا أمريكيًا، بحسب الأسعار المتداولة على منصات التجارة الإلكترونية.
يعد دخول ستارلينك إلى السوق الأفريقية تحولًا جذريًا في المشهد الرقمي للقارة، حيث يوفر حلاً مبتكرًا لسد الفجوة الرقمية وتعزيز الشمول التكنولوجي، خاصة في المناطق النائية ذات البنية التحتية الضعيفة. ومع ذلك، لا يخلو هذا التوسع السريع من التحديات التنظيمية واللوجستية التي قد تؤثر على استدامة نمو الخدمة في بعض البلدان.