تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 14 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

سردية مغايرة للموت

14 نوفمبر, 2025
الصورة
سردية مغايرة للموت
Share

لم ينتظر أحداً، ولم يشعر بنقصٍ في الوجود؛ أمامه نهرٌ رماديٌّ كمعطفه، ونورُ الشمس يملأ قلبه بالصحو. حتى عينيه نسي إغماضهما، فاستدرك كمن نسي شيئاً مهمّاً، لكن بعد فوات الأوان، إلى أن تنتبه ابنته إلى ذلك فتسدل جفنيه للمرة الأخيرة، كمن يُسدل الستار على مشهدٍ ملحميّ. كانت حياته على أية حال، بينما اختلف الآخرون على تسميتها. لكن ما اتفقوا عليه جميعاً هو أن واقعة موته هي نهايةُ حقبةٍ ما، أو قُل: فصلاً ختامياً لروايةٍ ما، وبالأدق لسلالةٍ كاملة وجيلٍ من الأبناء كان هو آخرهم. لذلك كان موته واقعةً وليس حدثاً، إذا عدنا إلى الفرق هنا بين المفردتين لتقريب المعنى؛ للواقعة أثرُ الفجيعة رغم التوقّع المسبق، بينما الحدث يجري على سياق السنن الكونية: أمرٌ مباغتٌ لكن مألوف.

بيد أن موته كان أشبه بالفرضية منه بالحقيقة. ذلك لأن حضوره الطاغي في الحياة لم يَدَع مجالاً لوسواسٍ أن يُلقي في مخيّلة أيٍّ كان الفراغَ الذي يمكن لموت رجلٍ مثله أن يُحدثه. حتى حين جمعهم أكثرَ من عشر مرّات لإلقاء وصيّته، بدا لهم الأمر أشبه بفاصلٍ غنائيٍّ في منتصف الملحمة، قبل أن يكتسح الحلبة ثانيةً مع رفيقة دربه، «تويوتا هايلوكس» طراز «دي فور دي»، التي لم يثق بشيءٍ في الحياة كثقته بها. فقد كانت مثله صامدةً رغم مرور الزمن ورغم وعورة الطرق؛ لذلك اقترن اسمه بها منذ أن وعينا به. وكان وفيّاً لها أكثر من زوجته التي ما إن رُزقت بأحفاد حتى جاءها بضُرّة، وانشغلت هي بالأحفاد عن صراعٍ جانبيٍّ لم تعد تقوى عليه.

عاش حياته كما تيسّرت له، وسايرها كمتمرّسٍ في مسايرة أمزجة الجميع. لذلك عاش غيرَ مُبالٍ -وأعني بذلك: لم يطلب من الحياة أكثرَ مما وهبته إياه- وهبته حكمتَها، ثم بايعته كحاكِمٍ ورجلِ مشورة، واكتفى بذلك دون أن يرتدي جبّة السلطان يوماً، إلا أنّ الكلّ عامله كذلك. كان متصالحاً مع كثيرٍ من الأمور، وإنْ ورث عصبيّةً مفاجئةً تفاقمت مع مرضه. إلا أنه، على ما يعرفه عنه الكثيرون، كان متصالحاً مع فكرة الموت، ومستعدّاً له في أيّة لحظة، حتى بعد أن كاد يؤمن الكلّ أنه أقوى من الموت، من كثرة عدد المرّات التي قام فيها من السرير في اليوم التالي بعد ليلةِ مرضٍ عصيبة. كأنه في كل جولةٍ مع الموت ينسحب الموتُ قليلاً ليرتّب صفوفه ثم يرجع ثانيةً ليعاود الكرّة.

"إن الكتابة تمنح البشرَ للمرة الأولى جانباً، ولو محدوداً، من ذلك الحقّ الإلهيّ في الخلود"

لقد أراد للموت أن يأتيه مُهادِناً، أو ضيفاً كريماً كما يليق برجلٍ كريمٍ مثله، مُستأذِناً لا كِلصٍّ مُقتحِم. كزائرٍ يجلس بجانبه يسأله سؤالاً عن التاريخ قبل أن يُسهب هو في حديثه الطويل، ويدلي بشهادته كمُخضرَمٍ كبيرٍ عاصر أحداثاً تاريخيةً مهمّة: رحيلَ المستعمِر وتأسيسَ أولِ دولةٍ صومالية وحربَ الحبشة، ثم لاحقاً ما يسمّيه «حرب الفقش»؛ التي كلما وقفتُ على المفردة لأسأل عن معناها هَشَّ بيده كمن يكنس شيئاً. كانت لديه تلك المهارة في تصوير المفردات التي يعجز عن تفسيرها، وأحببتُ ذلك فيه. لقد كان حكّاءً ماهراً وإن افتقر إلى شرح التاريخ من منظورٍ موضوعيّ؛ كان التاريخ صحيحاً فقط من منظور ما عايشه وشعر به، وما خارج ذلك فليس تاريخاً بل أساطير و«بُهو بها» أو تُرّهات، كما أطلق عليها دائماً، مرّةً أخرى وهو يَهُشّ بيده كإشارةٍ للاستنكار. ولم يكن من المستمع له سوى أن يوافقه مشدوداً لطريقة سرده.

وقد توقّع من الموت الشيءَ نفسه: أن يدخل عليه دخولَ التلميذ، أو دخولَ السائل، حتى وإن كان يسأله روحه، لم يكن ليردَّه خائباً. إن أقلّ ما يمكننا أن نطالِبه به في موتنا أن يأتي صديقاً لا عدوّاً، صيّاداً شريفاً لا يصيد الظَّبيَ قرب النبع، على حدّ وصف محمود درويش.

وربّما يُفسِّر هذا قلقَ جدّي الدائم. كان يخاف أن ينام، أن يُغمض عينيه فيتسلّل إليه الموت الذي لم يقدر عليه بطريقةٍ أخرى بعد أن نهش جسده وتركه تمثالاً شاهداً على عطاءٍ دام زهاء التسعين سنة. كان قلّما ينام الليل، وإنْ نام فغالباً ما كان يُصرّ على إيقاظ والدي وكلّ من في البيت إثرَ نوبةِ هلعٍ مفاجئة، وظلّ يحرس موته حتى أسلم روحه أخيراً بعينين مفتوحتين ذاتَ فجرٍ قريب.

عشتُ معه الشهورَ الأخيرةَ من حياته، راقبتُ فيها عن كثبٍ رحلةَ الإنسان من ضعف، ثم قوّة، ثم من بعدِ قوّةٍ ضعفاً وشيبةً، وأدركتُ أنه في رَهَقِ الموت البطيء لا يتوق الإنسانُ إلى الموت بقدر ما يتوق إلى الخلاص. ورأيتُ كذلك، فيما يُشبه مسلسلاً سينمائياً لرحلة الإنسان بين قدرين: قدرِ الموت وقدرِ الولادة، رأيتُ أمي ذاتَ فجرٍ مماثل قبل عقدين ونصفٍ من تلك الليلة، وهي تُصارع آلام المخاض لتلدَني في ذات الغرفة التي كان يرقد فيها جدّي لتمنحَ الحياةَ مولودها الخامس، وهي، للمفارقة العجيبة، ذاتُ الغرفة التي توفيت فيها جدّتي لأبي قبل عقدٍ من الآن. يا للغرابة! تتجاوز بعضُ الأماكن حيّزَها الجغرافيّ لتغدو أكثرَ من مجرّد مكان؛ تغدو بَرْزَخاً بين عالمين، ممرَّ عبورٍ بين بَرْزخين. فمن هذه الغرفة القصيّة من بيتنا في حيّ الشعب في هرجيسا جئتُ إلى الدنيا، ومنها غادر جدّاي إلى رحلة الآخرة.

في آخر عتبات الحياة يلجأ الإنسانُ إلى تجسيد معتقداته عمّا بعد الموت، وجَعْلِها طوقَ نجاةٍ ليتجاوز بها نفقَ الموت المظلم. وقد اهتمّ الإنسانُ في مختلف الحضارات وعبر حِقَب التاريخ بمسألة الموت، وطالما أرّقه عبورُ ذاك النفق المظلم. في الأساطير الفرعونية القديمة، مثلاً، نجد أن الموت يعني الخلودَ الأبديّ، بل إن الموت يعني بدايةً لرحلةٍ طويلةٍ شاقّة، ويُعدّ «كتابُ الموتى» من أطول النصوص الدينية الفرعونية التي أُلِّفت بصدد أن تكون دليلاً للميت في عبور رحلته الأخروية. ووفقاً للأساطير الفرعونية، يُحنَّط الجسد بعد إفراغه من الأحشاء الداخلية ما عدا القلب، كونه مركزَ التفكير والعاطفة، ثم يُحفَظ الجسدُ لفترةٍ طويلة حتى تجدَ الروحُ جسدَها بعد حين؛ لأنه، وفقاً لمعتقداتهم، تخوض الروحُ رحلتها الطويلة لتلتئم بالجسد في نهاية المطاف.

وحين البحث عمّا كُتب عن الموت في الأدبيات المعاصرة، تجد أن جلَّ الاهتمام منصبٌّ على الموت كقيمةٍ لا كماهيّة. إذ لم يعتنِ الكثيرُ من الفلاسفة أو الشعراء بلحظة الممات ذاتِها أو بماهيّة الموت بقدر ما عنوا بما قبلَه، وكيف يمكن للحياة أن تكون في ظلّ تقبّل الموت كمصيرٍ محتَّم لا يمكن تجنّبه. يكتب إسكندر حبش، الشاعر والمترجم اللبناني الذي قضى نَحْبَه هو الآخر قبل بضعة أيام إثر صراعٍ مع المرض، عن الموت فيقول: «إن الموت هو الحقيقة. نحن نولد لنموت؛ الرهان هو كيف نتقبّل موتنا. نحن نحيا هذه الحياة كي نرتّب موتنا في نهاية الأمر».

راقبتُ فيها عن كثبٍ رحلةَ الإنسان من ضعف، ثم قوّة، ثم من بعدِ قوّةٍ ضعفاً وشيبةً، وأدركتُ أنه في رَهَقِ الموت البطيء لا يتوق الإنسانُ إلى الموت بقدر ما يتوق إلى الخلاص

في ملحمته السردية وسيرته الذاتية مع الموت، التي أعتبرها شخصيّاً من أهمّ وأجلّ ما كُتب في أدب السير الذاتية في الآونة الأخيرة، يكتب لنا الطبيبُ المصريّ والكاتبُ الصحافي محمد أبو الغيط، من على حافة الموت، يوميّاته يوماً بيوم على مدار سنتين من الصراع مع المرض ومراوغة الموت. أبو الغيط الذي لم يجد للموت هزيمةً إلا بالكتابة، إذ اعتبر الكتابة سلاحَ الإنسان منذ الأزل ضدّ الفناء. فأمام حقيقة الموت، وجسده الهزيل الذي خانه في أكثر معاركه شراسةً ونُبلاً، لم يجد بُدّاً سوى تقبّل الموت، وإن بدا ذلك صعباً على شابٍّ في منتصف الثلاثينيات، وفي أوج عطاء أبُوّته. لذلك كان تقبّلُ الموت أصعبَ من رحلةِ المرض ذاتِها.

يكتب أبو الغيط بكلِّ ما تعنيه الكتابةُ لكاتبٍ يشعر بدنوّ أجله، وقد خصّص فصلاً كاملاً عن الكتابة وما تعنيه لمن في مثل حالته في كتابِه الأخير الذي صدر بعد أيامٍ قليلة من وفاته بعنوان «أنا قادمٌ أيها الضوء». في ذلك الفصل المعنون بـ«لماذا أكتب؟» يجيب أبو الغيط عن سؤاله ليخبرنا لماذا يكتب، فيقول: «أكتب لأن الكتابة هي أثري في الحياة، هي أهراماتي الخاصة، فإلى متى ستبقى مُنتصبةً بعدي؟». يرى في الكتابة وجهاً آخر للخلود، يرى الكتابةَ حقّاً مستردّاً لنبتةِ الخلود المسلوبة، فيقول في هذا الصدد: «إن الكتابة تمنح البشرَ للمرة الأولى جانباً، ولو محدوداً، من ذلك الحقّ الإلهيّ في الخلود». لم يتوانَ أبو الغيط في أن يشبّه الكتابةَ، كأداة توثيقو بتشييد المعالم الخالدة، كالأهرام وكاتدرائيات البيزنطيين والمنارات في عصر المماليك، ليسمّيها كلَّها محاولاتِ الإنسان منذ الأزل لمغالبة الموت والزمن.

إن رحلة الإنسان في البحث عن الخلود رحلةٌ أزليةٌ بقدم وجود الإنسان. تشهد أسطورةُ جلجامش، أقدمُ الأساطير الأدبية وثاني أقدمِ النصوص الدينية بعد متون الأهرام، على هذا التوق الأزليّ في الإنسان للخلود. تبدأ الملحمةُ بعد موت إنكيدو، صديقِ جلجامش المقرّب وشريكه في مغامراته. يحزن جلجامش لموت صديقه المقرّب ويصرّ على عدم دفنه علَّه يرجعُ للحياة، لكنّ الدودة التي تنسلّ من أنفِ إنكيدو تُوحي إليه باستحالة عودته إلى الحياة. من هذه اللحظة المجلجلة يبدأ جلجامش رحلته في السعي وراء الخلود؛ ينجح أخيراً في عبور البحر المستحيل ليلتقي بالحكيم أوتنابشتم، الوحيدِ الذي يملك سرَّ الخلود، فيدلّه الأخيرُ على نبتةِ الشباب الأبديّ التي لن تمنحه الخلودَ ولكن بإمكانها أن تعيدَه شابّاً حين يشيخ. إلا أن ما لم يكن في حسبان جلجامش هو ضياعُ النبتة التي سرقتها الأفعى أثناء توقّفِه للاستحمام. تنتهي الملحمةُ بوقوف جلجامش على أبواب مدينة الوركاء، عاصمةِ مملكته، بعد أن طاف الأرضَ وخاض الصعابَ بحثاً عن خلودٍ ضائع؛ ليتوقّف في نهاية الأمر عن مسعاه ويصبَّ اهتمامَه وجهدَه في أعمالٍ خالدة بدلاً من البحث عن الخلود.

كاد يؤمن الكلّ أنه أقوى من الموت، من كثرة عدد المرّات التي قام فيها من السرير في اليوم التالي بعد ليلةِ مرضٍ عصيبة. كأنه في كل جولةٍ مع الموت ينسحب الموتُ قليلاً ليرتّب صفوفه ثم يرجع ثانيةً ليعاود الكرّة

وختاماً، وفي «جدارية» محمود درويش، التي تُعدّ بدورها ملحمةً شعريّةً في الأدب المعاصر، يبارز فيها محمود درويش الموت بكل ما أُوتي من بسالةٍ شعرية، فيقول:

هزمتك يا موتُ الفنونُ جميعَها،

هزمتك يا موتُ الأغاني في بلادِ الرافدين

مسلّةُ المصريّ، مقبرةُ الفراعنة، النقوشُ على حجارةِ معبدٍ،

هزمتك، وانتصرَت. وأفلَت من كمائنك الخلود.

بقدر ما يتعاظم الموت أمامي في الآونة الأخيرة، كغولٍ مُحتال قادرٍ على تغييب من نحبّ في غمضة عين، كما غيّب جدّي منذ أيام، وكما أكتب الآن من غرفته وقد خلت منه تماماً وهو الذي كان يملأ المكان بسُعاله وصلاته وصوته الأجشّ، وبقدر ما أعاني من صعوبةٍ في بعثرة زوبعةِ الفوضى التي أحدثها هذا الزائر، الموت، ذلك لأن أكثر ما يُجيده الموتُ هو قدرته على خلق الشكّ حيال كلّ ما يمكن تسميتُه «سبباً سامياً للعيش»، إلّا أنّني حين أنظر حولي أرى الحياةَ في أبسط صورتها عملاقةً أمام فكرة الموت، وأرى الموتَ بدوره قزماً صغيراً لا يقوى على مجابهة أصابعِ طفلٍ وليدٍ عمرُه دقيقتان. أرى الخريفَ الضخم راكعاً أمام غصنِ بُرعمٍ ينمو بين حجرين، وأرى كلَّ المراثي تفقد لحنَها أمام صرخة الميلاد الأولى؛ كأنّ الموت، رغم صخبه، لا يُجابه إيقاعَ الحياة في أكثر أشكالها رتابة. وأرى الإنسان، في خضمّ ذلك كلّه، معجزةً خارقةً، قادراً على استيعاب الفكرتين: الحياةِ والموتِ معاً؛ معتنقاً الحياةَ ومتشرباً منها حدَّ الشريان، ومتصالحاً مع الموت سامياً عليهما؛ فلا الموت يفنيه ولا يُخيفه البتّة، ولا الحياةُ تُغريه فتنسيه حقيقةَ الموت.

أراه وقد أدرك كُنه الحقيقة، كجلجامش في نهاية الملحمة وقد توقّف أخيراً عن البحث عن النبتة والسعي وراء الخلود، ورَكَنَ لحقيقة الموت، ولم يَزِدْه ذلك إلا تصالحاً مع الموت. فلم يعد يخاف الموتَ بقدر ما يخاف أن تفوته أمسية، يعدّ لِمَوْتِه كما يعدّ قهوته الصباحية، ولم يكره قطُّ عزرائيل بقدر ما كره صباحاً يبدأ دون أشعار، وينتهي دون أن يمرّ على قبرِ من يحبّ لينثر عليه «سبع سنابل خضراء وبعض شقائق النعمان».

المزيد من الكاتب