الأحد 15 فبراير 2026
نفذت طائرات أمريكية في 26 ديسمبر/كانون الأول الماضي ضربات جوية ضد جماعات إرهابية في نيجيريا، تحت مزاعم تعرض المسيحيين النيجيريين للاضطهاد والإبادة في الدولة الواقعة غربي القارة، وقبلها بشهرين اتهم الرئيس الأمريكي حكومة جنوب أفريقيا بارتكاب ممارسات عنصرية ضد الأقلية البيضاء في البلاد، لتوحي الواقعتين بأن واشنطن تنحاز إلى الأقليات الأفريقية، وتسعى لتقديم الدعم لهم، إلا أن التنقيب في الحادثتين يظهر واقعا مغايرا تماما لهذه الروايات، ففي نيجيريا لم يكن المسيحيون وحدهم الضحايا، وفي الجنوب الأفريقي لم يكن البيض هم المعتدى عليهم، ويُظهر من جديد أن ترامب لا يعنيه الإنسان الأفريقي أبيضا كان أو أسودا، وإنما تحركه المصالح حتى لو لبست زيا حقوقيا هذه المرة.
في الوقت الذي تطالب فيه الولايات المتحدة الأمريكية نيجيريا باتخاذ خطوات ملموسة لحماية المواطنين المسيحيين، تظهر الأرقام أن ضحايا الإرهاب في نيجيريا غالبيتهم من المسلمين مع الإقرار بوجود ضحايا من المسيحيين، إذ أن الجماعات المتطرفة المنتشرة في مواقع مختلفة من البلاد لا تفرق بين مسلم ومسيحي، فالجميع تطوله الهجمات، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نيجيريا تحتل المرتبة 6 في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2025. كما أن الجماعات الإرهابية المنتشرة في البلاد وفي مقدمتها بوكوحرام تستهدف المساجد والكنائس على حد سواء، حيث أن أغلب العمليات التي تبناه التنظيم وقعت في الجانب الشمالي من البلاد الذي يتمركز فيه السكان المسلمون، كما أن أشهر عملياته كانت ضد فتيات مسلمات حين اختطفت 276 فتاةً من بلدة تشيبوك الواقعة في شمال البلاد.
لا تنفي الأرقام السابقة وقوع هجمات ضد المسيحيين في نيجيريا بل تشير إلى أن جميع سكان البلاد عرضة للهجمات المسلحة إذ أن محركات العنف في البلاد عادة ما تكون مدفوع في المقام الأول بالجريمة وسرقة الموارد وليس بالأيديولوجيا الدينية، باستثناء مواقع بوكو حرام، ففي مناطق الوسط ينشط صراع دموي بين رعاة الماشية (مسلمين على الأغلب) والمزارعين (أغلبهم مسيحيون)، لكنه صراع حول الأراضي والموارد والمياه والمراعي. كما يظهر في الجنوب الشرقي عنفا تقوم به بعض الجماعات المسيحية، إلا أنها تتحرك من منطلق انفصالي تغذيه عرقية الإيغبو الانفصالية.
عندما تتخذ الدول الأفريقية قراراتها في السياسة الخارجية بناءً على مصالحها الخاصة، لا على توقعات الغرب، غالبًا ما يكون رد الفعل عنيفًا وفوريًا، وتتبع ذلك سريعًا الاتهامات والضغوط الدبلوماسية والتهديدات الاقتصادية والتشهير العلني
لم يقف الأمر عند حد الهجمات الأمريكية في نيجيريا بل امتدت الحملة الأمريكية أيضا لجنوب أفريقيا التي يتهمها ترامب باضطهاد البيض، وهو ما دفع واشنطن لمقاطعة قمة مجموعة العشرين التي استضافتها جنوب أفريقيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وسبق ذلك قرارات مماثلة من بينها وقف المساعدات المالية الأمريكية لجنوب أفريقيا، وإعطاء الأولوية للأفريكان الجنوب أفريقيين في منح وضع اللاجئ في الولايات المتحدة، إذ يزعم ترامب أنهم يُقتلون ويُذبحون، وأن الحكومة الجنوبية تستولى على أراضيهم بشكل غير قانوني.
على الرغم من أن هذه الاتهامات لا تعدو كونها مجرد ادعاءات روَّج لها اليمن الأمريكي المعادي لجنوب أفريقيا، لم تتوقف الإدارة الأمريكية عن ترديدها، حيث تشير الأرقام إلى أن جنوب أفريقيا شهدت خلال عام 2024 أكثر من 26 ألف جريمة قتل 37 منها فقط استهدفت مزارع يملكها البيض، وأن الدافع الرئيسي لمثل هذه الجرائم هو السرقة وليس العنصرية. كما أن التحقيقات التي طالب بها ترامب نفسه في ولايته الأولى بخصوص نفس التهم لم تفضي إلى شيء، إلا أنه عاد لترديدها خلال العام الماضي، ودأبت وسائل إعلام أمريكية على ذلك أيضا بشكل متزامن.
الانتقادات الموجهة للسياسات الأمريكية تجاه القارة الأفريقية وسكان دول الجنوب العالمي لا تقف عند هذا الحد، بل تملك واشنطن رصيدا هائلا من العدوان على الشعوب الجنوبية. يبرز ذلك في حالة دولة ليبيا التي أسفرت التداخلات عن تحويلها لدولة فاشلة، بعدما كانت واحدة من أبرز الدول حضورا على الساحة الأفريقية، حيث أظهرت الوقائع أن الهدف الرئيسي لهذه التدخلات لم يكن دعم الشعب الليبي في مواجهة ديكتاتورية القذافي ونظامه، بل الغرض منها السيطرة على البلاد التي تمتلك ثروات نفطية هائلة وموقعا استراتيجيا مهم للغاية.
عن هذه الحالة تحديدا يقول توندي أوسازوا عضو فريق أفريقيا التابع للتحالف الأسود من أجل السلام، إنها تحولت من بلد يقدم المعونات للمنكوبين إلى دولة تستقبل المساعدات الأمريكية، لافتا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية توظف وكالاتها التنموية في المناطق الهشة، ومن بينها ليبيا لخلق انخراط طويل الأمد ومستدام في هذه المناطق تحت ذريعة منع الصراع وتعزيز الاستقرار، إلا أن الهدف الحقيقي من هذا الانخراط هو ضمان حماية المصالح الجيوسياسية والاقتصادية الأمريكية.
يتمثل هذا الانخراط في ليبيا في الحفاظ على السيطرة على إنتاج النفط، وإحباط نفوذ القوى المنافسة مثل روسيا والصين، إذ تهدف التحركات الأمريكية إلى تثبت مدى ترابط المصالح الأمريكية بقطاعي النفط والطاقة الليبيين، حيث يرى أوسازوا أن انهيار ليبيا وانزلاقها إلى الصراعات الفصائلية والحرب الأهلية هو نتيجة مباشرة لزعزعة الاستقرار التي تمارسها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على مدار السنوات الماضية.
يتفق هذا التحليل مع ما يراه الباحث دوغ باندو، زميل أول معهد كاتو الأمريكي والذي يرى أن الدمار الذي تعيشه ليبيا حاليا هو نتيجة مباشر للسياسات الأمريكية التي تذرعت بحجة حماية المدنيين الليبيين، لكن القصف الذي قادته واشنطن لم يحم أي مدني بل استهدف القوات والمنشآت الحكومية الليبية، ودعم هجوم المتمردين، ولم يكن تدخلاً إنسانيًا، بل حربًا طويلة ومكلفة ومنخفضة التقنية لتغيير النظام، على حساب ليبيا في الغالب.
وينوه إلى أن التدخل الذي قادته الولايات المتحدة حول ليبيا إلى دولة فاشلة، وحتى وإن كان الهدف منه هو الإطاحة بطاغية، وإنهاء الحرب الأهلية، أو تخفيف معاناة المدنيين، أو تحويل نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي، وهي جميعها أهداف ادّعتها القوى الغربية إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً، ولا تزال ليبيا، تعاني من نظام غير ديمقراطي، مع سقوط عدد لا يحصى من الضحايا المدنيين.
تظهر الانحيازات الأمريكية فجاجة في تبني المواقف التي تتقلب حسب المصالح الأمريكية، لا وفق المبادئ التي تروج لها واشنطن، ففي قضية نيجيريا لم يكن الهدف هو حماية المسيحيين على حد قول الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن حسن منيمنة، والذي يرى أنها ضربات تبدو إعلامية أكثر منها عسكرية، حيث نفذت عشية عيد الميلاد، وتم التركيز عليها بشكل خاص، وكأنها موجهة للداخل الأمريكي أكثر من المجتمع الدولي.
وتتطابق هذه الرؤية مع موقف ترامب من مسيحيي أوكرانيا، إذ أنه لم يُظهر أي تعاطف معهم رغم مناشدتهم له أكثر من مرة، حيث تواجه الجماعات المسيحية الأوكرانية حملة قمع عنيفة من القوات الروسية، فموسكو تتهم الكنائس وقساوستها في بعض المناطق التي سيطرت عليها بالانحياز إلى كييف، وهو ما دفع الجماعات الدينية الكنسية في أوكرانيا لطلب الاستغاثة من ترامب في أكثر من مناسبة، لاسيما بعد تراجع الدعم المحافظ والإنجيلي الأمريكي لأوكرانيا تزامنا مع صعود ترامب للحكم.
الحملة التي يشنها ترامب لا تهتم بالأفريكانز الجنوب أفريقيين بل الهدف الأساسي منها هو معاقبة جنوب أفريقيا على مواقفها من غزة، وعلاقتها مع حركة حماس والنظام الإيراني، ونشاطها في مجموعة البريكس
الأمر نفسه يتطابق مع الموقف الأمريكي من جنوب أفريقيا، حيث تشير تقارير أمريكية إلى أن الحملة التي يشنها ترامب لا تهتم بالأفريكانز الجنوب أفريقيين بل الهدف الأساسي منها هو معاقبة جنوب أفريقيا على مواقفها من غزة، وعلاقتها مع حركة حماس والنظام الإيراني، ونشاطها في مجموعة البريكس، مشيرة إلى أن خطابات ترامب تضمنت إشارات صريحة إلى القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، وهو ما يراه ترامب توجهات معادية لأمريكا وحلفائها.
كما اتهم ترامب جنوب أفريقيا بتعزيز علاقاتها مع إيران من خلال ترتيبات تجارية وعسكرية ونووية. تُقيم جنوب أفريقيا علاقات دبلوماسية مع إيران، لكنها صرّحت بعدم وجود أي اتفاقيات نووية بينهما، مع أنها تسمح لإيران بالتقدم، إلى جانب دول أخرى، بعرض تجاري لبناء مفاعل نووي لتوليد الكهرباء.
تعليقا على مثل هذه الممارسات يقول الباحث ديفون لوف، مدير السياسات العامة في منظمة "قادة النضال الجميل" (LBS) إن السياسة الخارجية للرئيس ترامب ترسخ تفوق العرق الأبيض، وتمثل تحيزا عنصريا ضد الشعوب الجنوبية، مشيرا إلى أن أحداث اختطاف الرئيس الفنزويلي وقصف نيجيريا، والادعاءات الكاذبة بـ"إبادة البيض" في جنوب إفريقيا، تظهر أن الإدارة الأمريكية تسعى لتوظيف بعض الدعايات لخدمة مصالحها.
ويشير إلى أن فنزويلا لطالما كانت حليفًا لحركة تحرير السود عالميًا، ومناهضةً للإمبريالية الأمريكية في سياستها الخارجية منذ تولي هوغو تشافيز الرئاسة عام 1999، وكانت معارضة للغزوات الأمريكية في أفغانستان والعراق، واستخدمت احتياطياتها النفطية لدعم الأنشطة السياسية الثورية في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية، وهو ما جعل إدارة ترامب تسعى لتقويض هذا النظام، وبالمثل فإن تحركات حكومة جنوب أفريقيا ضد إسرائيل دفعت واشنطن لاستدعاء أكاذيب مثل اضطهاد البيض رغم أنهم يملكون 80٪ من الأراضي منذ حقبة الاستعمار الاستيطاني.
إن نيجيريا وفنزويلا دولتان غنيتان بالنفط، وتشويه صورتهما تحت ستار اضطهاد المسيحيين أو ترويج المخدرات، ما هو إلا أدوات للإمبريالية الأمريكية، إذ أن مزاعم تهريب المخدرات التي روج لها ترامب مبررا لاعتقال رئيس فنزويلا لا أساس لها من الصحة. لكنها تلقى صدى سياسياً لدى التيار الأمريكي السائد الذي يتبنى تفوق العرق الأبيض، كما أن العدوان الأمريكي على هاتين الدولتين يهدف إلى إثراء شبكات قادة الشركات البيض الأثرياء باسم الديمقراطية.
التوجهات المزدوجة يمكن تلخيصها، حسب منصة "Legal Africa" المتخصصة في الصحافة القانونية، في عبارة "إما أن تتحالفوا معنا أو تواجهوا العواقب" مشيرة إلى أنه عندما تتخذ الدول الأفريقية قراراتها في السياسة الخارجية بناءً على مصالحها الخاصة، لا على توقعات الغرب، غالبًا ما يكون رد الفعل عنيفًا وفوريًا، وتتبع ذلك سريعًا الاتهامات والضغوط الدبلوماسية والتهديدات الاقتصادية والتشهير العلني.
وتشير المنصة إلى أوروبا والولايات المتحدة يتعاملون مع أفريقيا بمنطق انتقائي فج، فعندما يكون الصراع في أوروبا يتعاملون معه على أنه قضية عالمية ملحة، كالحرب الروسية الأوكرانية على سبيل المثال، ويُتوقع من أفريقيا أن تنحاز إلى أحد الأطراف، بينما عندما تندلع الأزمات الأفريقية، من تيغراي إلى شرق الكونغو الديمقراطية، غالبًا ما ترد القوى الغربية بقلق متأخر أو بصمت استراتيجي، ويظهر أن القضايا الأفريقية غير مهمة إلا عندما تتوافق مع المصالح الجيوسياسية الغربية.
تظهر الأرقام أن ضحايا الإرهاب في نيجيريا غالبيتهم من المسلمين مع الإقرار بوجود ضحايا من المسيحيين، إذ أن الجماعات المتطرفة المنتشرة في مواقع مختلفة من البلاد لا تفرق بين مسلم ومسيحي فالجميع تطوله الهجمات
ليس هذا فحسب بل إنه عندما تُنوّع الدول الأفريقية شراكاتها مع (الصين وروسيا ودول مجلس التعاون الخليجي والهند)، تُوصم بأنها "غير جديرة بالثقة"، على الرغم من أن الدول الغربية نفسها تقيم علاقات وثيقة مع قوى منافسة دون أي انتقاد.
يدعم هذه الرؤية الباحث ستيفن نديجوا، الباحث في العلاقات الدولية الذي يقول إن الولايات المتحدة تُصرّ على ازدواجية المعايير تجاه أفريقيا، وأنه لسنوات عُوملت القارة كرقعة شطرنج في لعبة القوى الجيوسياسية الكبرى، ولطالما صوّرت الولايات المتحدة نفسها بطلا مُحِبّا للديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية، إلا أن واقع السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أفريقيا يُناقض هذا الخطاب الرنان، إذ أنها تطالب الدول الأفريقية بقيم الحوكمة والمساءلة، مع تقويضها دوما لهذه المبادئ عندما تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، وهو ما يُظهر ازدواجية معاييرها.
هذا الواقع يتكررا دوما فبينما تحثّ أمريكا الدول الأفريقية على تبني اقتصاد السوق الحر، تُثقل كاهلها بقيود تجارية مُجحفة وشروط مُعقدة مُرتبطة بالمساعدات والقروض، وكثيراً ما تُسوَّق مبادرات مثل قانون النمو والفرص في أفريقيا كدليل على حسن النية، إلا أنها منحازة بشدة لمصالح الولايات المتحدة، فالدول التي تحيد عن سياسات واشنطن المفضلة تُخاطر بالاستبعاد من هذه البرامج، بغض النظر عن تأثير ذلك على المواطنين العاديين، وهو ما يكشف عن عقلية كامنة تنظر إلى دول أفريقيا كأدوات لضمان تفوق الولايات المتحدة الجيوسياسي لا كشركاء، وهو ما يحتم على أفريقيا تبنى سياسات تخلصها من هذا التبعية.