تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 7 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

سرديات المظالم.. كيف تتلاعب الذاكرة بطبيعة الحرب السودانية؟

27 فبراير, 2026
الصورة
سرديات المظالم.. كيف تتلاعب الذاكرة بطبيعة الحرب السودانية؟
Share

منذ الأشهر الأولى، لاندلاع حرب أبريل في السودان، بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، طفت إلى السطح سرديات مظالم تاريخية ومعاصرة تغذت عليها أطراف النزاع، وأعادت تشكيل طبيعة الصراع وأدواته، خاصة من جانب الدعم السريع. ومع مرور الوقت، اتضح جليًا أن هذه الحرب لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية ماجنة لأجل السُلطة، إنما تعبيرًا مركبًا عن تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية طالما ظلت مغيّبة أو مقموعة أو محاصرة.

تتشابك هذه السرديات مع مفاهيم التهميش الاقتصادي والتمييز المناطقي وانعدام العدالة الاجتماعية والإقصاء السياسي، مما حوّلها إلى وقودٍ باتت تبرّر ممارسة العنف وارتكاب الجرائم، وتُعمّق الاستقطاب المجتمعي والهوياتي، وتُطيل أمد معاناة المدنيين.

رويدًا وريدا، أضحت سرديات المظالم هذه من أبرز المحرّكات الجوهرية الخفية التي أسهمت في تشكيل مسارات هذه الحرب، وساعد في ذلك تَجذَّرها في بنية الوعي الجمعي لأغلب مكونات الشعب السوداني في الأقاليم المهمشة، وانعكست بجلاء في تموضعات القوى المتصارعة، وخطاباتها، وأولوياتها.

مع تصاعد السرديات المتضادة لها، تجاوز الصراع حدوده العسكرية، ليتحول إلى حرب على المعنى والتاريخ والذاكرة. فلم يعد نزاعًا بين قادة عسكريين أو جبهات عنيفة، إنما صراعًا بين روايات متناحرة، يسعى كل طرف من خلالها إلى تثبيت نفسه كضحية مطلقة، وتجريد خصومه من أي مشروعية أخلاقية وسياسية، الأمر الذي أدى تدريجيًا لشيطنة السياسة، وإختزل محاولات التسويات في خطاب الخيانة.

أخطر ما أنتجته سرديات المظلومية المغذية للصراع، هو تهديد وحدة المجال الوطني، عبر تحويل الإحساس بالظلم إلى مشروع سياسي انعزالي، حيث صعود الخطابات إلى الفيدراليات الإثنية، والانفصال المناطقي، وتأسيس "إدارات مدنية" كما تقوم بها الدعم السريع في أي منطقة استولت عليها، وأصبحت تحت سيطرتها، والتي بدأتها في ولاية الجزيرة، و"السلطة المدنية" مثلما أسستها حركة جيش تحرير جناح عبدالواحد محمد نور في جبل مرة بولاية وسط دارفور، وقبلها الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال جناح عبدالعزيز الحلو في جنوب كردفان، لتكون بديلة عن الدولة المركزية في الخرطوم.

خطابية المركز والهامش

تُعدّ سردية "المركز والهامش" رفقة المظلومية الجهوية، من أكثر السرديات رسوخًا في التاريخ السوداني الحديث، حيث شعرت مناطق دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وشرق السودان، بأنها ضحية لعقود من التهميش الاقتصادي والسياسي والثقافي على يد نخب الخرطوم وحواشيها من ولايات شمال السودان ووسطه.

بعد فترة قصيرة من اندلاع حرب أبريل، حاولت قوات الدعم السريع تسويق دخولها إلى العاصمة كمحاولة رمزية تمثل هذه السردية، حيث سعت هذه المليشيا في كل خطابات قيادتها المتقطعة، أن تُقدّم نفسها كقوة من "الهامش" تنتقم من احتكار السلطة في المركز، وتُعيد توزيع القوة والثروة، ولو عبر أدوات عسكرية عنيفة.

هذا الخطاب وظّف المظلومية لتبرير الانتهاكات تحت لافتة "تحرير الخرطوم من نخبتها المتغطرسة"، ومحاولةً لاقتلاع السلطة المحتكرة في أيدي نخبة بعينها، وإعادة توزيعها وترتيبها من جديد، وهي نخب تم تسميتها مجازاً بـ"دولة 56" في إشارة إلى أن حكام البلاد تعود جذورهم السياسية إلى تلك النخب التي تقلّد إدارتها منذ ليلة الاستقلال. وحينما قدّمت الدعم السريع نفسها باعتبارها ممثلًا للمهمشين في مواجهة "نخبة نيلية مركزية"، أعادت المؤسسة العسكرية الرسمية؛ الجيش، إنتاج خطاب الدولة التي تواجه "خطر التفكّك والتآمر والمرتزقة"، وهذا ما أدى إلى إعادة كلا الخطابين، إنتاج حدود الانتماء الوطني على أسس ايديولوجية وجهوية وهوياتية، لا على قاعدة المواطنة الجامعة التي تعاني البلاد من عدمها وهشاشتها، وقد وصف الجيش معركته ضد المليشيا المتمردة بأنها "معركة الكرامة".

سعت مليشيا الدعم السريع في كل خطابات قيادتها المتقطعة، أن تُقدّم نفسها كقوة من "الهامش" تنتقم من احتكار السلطة في المركز، وتُعيد توزيع القوة والثروة، ولو عبر أدوات عسكرية عنيفة

تاريخيًا، ظلت العلاقة بين المركز والهامش لعقودٍ طويلة، محكومةً بمنطق الصراع والتراتبية والهيمنة، إذ سادت ممارسات أسهمت في تكرّيس فرضية احتكار السُلطة والثروة والنفوذ في مناطق بعينها، ولا سيما العاصمة الخرطوم وولايات وسط السودان وشماله، مقابل تهميش منظّم، وفق الفرضية الرائجة، لبقية الأقاليم، خاصة الإقليم الغربي وكردفان والنيل الازرق، مما أفرز شعورًا متراكمًا بالغبن والإهمال المتعمَّد والخذلان لدى مجتمعات هذه المناطق.

خلال هذه الحرب، تحوّلت هذه السردية المركبّة من فرضية تحليلية وإطار نظري إلى أداة تعبئة سياسية واجتماعية، وظّفتها الأطراف المتحاربة، ولا سيما الدعم السريع بامتياز خطابيّ، لتبرير انخراطها في هذه المعركة، وتسويق خطاب استمرارها في القتال. كما وظفّتها الأطراف المدنية الداعمة لهما، كلٌ من موقعه الجغرافي والاجتماعي والإيديولوجي. فقد تحولت من مجرد إطار تفسيري لحالة اللاعدالة والعنف إلى آلية تعبئة مباشرة، أعادت تعريف السلاح بوصفه أداة استرداد رمزي للحقوق والكرامة، لا وسيلة دفاع عن الدولة أو المجتمع.

هنا جرى استدعاء تاريخ طويل من المجازر والتهميش والإقصاء التنموي، ليس بوصفه ذاكرة للاتعاظ، إنما كذخيرة نفسية لتبرير الانخراط في القتال، خاصة بين أجيال شابة حُرمت من أي أفق سياسي أو اقتصادي بديل. وقد أسهم هذا التحوّل في توسيع رقعة الاستقطاب المسلّح، ودفع مناطق كانت خارج دائرة المواجهة إلى قلب الحرب، مثل انضمام الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال جناح عبد العزيز الحلو في عبر "تحالف تأسيس"، بعد أن أُعيد تأطير حاضرها باعتباره استمرارًا لظلم تاريخي لم يُحاسَب عليه أحد. ومع استمرار الحرب، وجدت المليشيا الفرصة لتسويق هذه السردية عبر وعود انتقامية تُقدَّم بوصفها عدالة مؤجلة.

عسكرة الذاكرة والهوية الاثنية

أفرزت حرب أبريل واقعًا شديد التعقيد، كشفت فيه الانقسامات الاثنية والجهوية عن نفسها بشكل فادح، إذ لم تعد الهوية السودانية المشتركة كافية لحماية الأفراد من التصنيف أو الاستهداف أو التخوين. فالهوية المختلطة - لمن ينتمون إلى أقاليم الهامش ويعيشون في مدن المركز - أصبحت عبئًا مزدوجًا؛ فهم موضع شبهة في نظر الطرفين المتحاربين. الأمر الذي أدى إلى تفكّك الشعور بالانتماء إلى وطن واحد، لصالح هويات فرعية تبحث عن الأمان في القبيلة أو الجهة أو العرق أو الحركة المسلحة، وهي ظاهرة تنذر بخطر تقويض وحدة البلاد، ليس جغرافيًا فحسب، إنما رمزيًا ومعنويًا أيضًا.

لقد ظهرت سردية الإثنية والهوية المختلطة وما تزال، أحد أخطر أدوات التقسيم والتأجيج والتصارع، إذ أُعيد إنتاجها في سياق النزاع بوصفها مرآة للصراع التاريخي والمعاصر حول "من هو السوداني الأصيل" ومن غيره، ومن يملك الحق في تمثيل الشعب. فقد وُظِّفت الخلفيات الإثنية والهويات الثقافية في صياغة خطابات الإقصاء والتشكيك في الانتماء الوطني، لا سيما في استهداف بعض المجموعات المتداخلة عرقياً وثقافياً، والتي لم تنتمِ بوضوح إلى مركز إثني أو جهوي محدد في إطار السلطة سابقًا. ساهم هذا الخطاب الهوياتي في خلق فرز اجتماعي حادّ، وشرعنة عمليات العنف والإقصاء، واستهداف ممنهج لبعض المجموعات سواء من الأفريقية أو المستعربة، وربط "الخصم" في المعركة، بتكويناته الإثنية والعرقية والثقافية بدلاً من أفعاله، مما عمّق الانقسام وأعاد إنتاج التصدعات الوطنية على المستوى الاجتماعي.

إذ أعادت الحرب إشعال انقسامات هوياتية خطيرة. فخطاب "الآخر العربي" في شمال ووسط مقابل "الزنجي/الأفريقي" في بقية أرجائها، "عرب الشتات مقابل الآخر الأصيل المستقر"، عاد للواجهة من جديد بشدة، مدفوعًا بذاكرة الحروب في دارفور منذ أكثر من عشرين عاماً، والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلالها، وما أعقبتها من فجوات واسعة في تحقيق العدالة والمحاسبة حتى هذه اللحظة، والفظائع في الحروب والتوترات الممتدة في اقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

أمست الهوية الإثنية ميدانًا للصراع، إذ يُوصم الناس في بعض المناطق وفق انتمائهم القبلي، ويُستهدفون وفقًا لذلك. كما حدث لمجموعة المساليت في الجنينة والزغاوة في الفاشر من قِبل المليشيا خلال الحرب، ما عزّز منسوب الكراهية الجمعية، وأجهض فكرة التعايش الوطني. وبالتالي تحولت المظلومية الإثنية من مجرد تعبير عن اختلالات تاريخية في التوزيع السياسي والاقتصادي، إلى أداة حشد وتعبئة داخل بنية الصراع الراهن. إذ اتخذت الأطراف المتنازعة من سرديات التهميش العرقي والتمييز الثقافي خطابًا لتبرير العنف وتوسيع قاعدتها الاجتماعية.

لقد ساهمت الحرب في عسكرة الذاكرة الجماعية للمجتمعات المحلية في السودان، حيث أعادت إحياء تجارب التهميش والإقصاء والقمع التي تعرضت لها بعض المكونات الإثنية، وصُوِّرت المعركة الجارية، وما يزال يقوم به خطاب الدعم السريع السياسي، باعتبارها لحظة انتقام تاريخي او معركة صدام حاسمة أو تصفية حسابات مع المركز.

الجغرافيا بوصفها جريمة مكانية

من السرديات المتكررة كذلك في مسار الحرب، سردية "المظلومية المناطقية" المقترنة باتهامات "الخيانة" أو "التحالف مع الآخر"، وهي سردية ذات طابع مزدوج، إذ تستخدمها أطراف الحرب لمساءلة ولاءات مجتمعات بأكملها لمجرد وقوعها في مناطق جغرافية معينة. تبين أن هذه السردية تغذيها روايات متوارثة عن تعاون جهات محلية مع سلطات سابقة أو حركات متمردة، وتُستدعى لتبرير حملات عقاب جماعي أو فرض حصار أو حتى استهداف السكان المدنيين في تلك المناطق بوصفهم "طابورًا خامسًا". لقد أسهمت هذه السرديات في تعمق العزلة المناطقية، وأنتج آليات دفاعية داخل المجتمعات المحلية، مما انعكس بشكل واسع على مستقبل النسيج الاجتماعي، وتأجيج مزيد من التفكّك والنزعات الانفصالية.

برزت هذه السردية، كأحد أهم المحركات العميقة والمركبة للصراع، لا بوصفها مجرد تعبير عن تهميشٍ تنموي أو سياسي، إنما إطارا ذهنيا جامعا يختزن تراكماً تاريخياً من الإقصاء والتجاهل والاستغلال. وقد أعادت حرب 15 أبريل/نيسان 2023 إحياء هذه السرديات بقوة، حيث تصدّرت مناطق بعينها، لا سيما إقليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وأطراف الشرق، مشهد العنف والنزوح والدمار واللجوء، مما عزز الشعور الجمعي لدى سكانها بأنهم ليسوا سوى وقوداً لصراعات لا يملكون زمامها، ولا يستشارون في شأنها، ولا ينالون شيئاً من عوائدها، سوى الموت المجاني والألم الممتد.

هذا الشعور المتراكم لم يعد مجرد تذمر شعبي لدى مواطنين عُزل، بل تحوّل إلى بنية خطابية تتوّسل المظلومية كرافعة حاسمة للمطالبة بالإنصاف، وأحياناً كتبرير للميل إلى حمل السلاح وارتكاب العنف، أو الارتماء في حضن قوى نافذة تُوهم بالحماية وتمنح هامش نفوذ موضعي مؤقت، كما حدث لعديد من الحركات المسلحة في إقليم دارفور مثل حركة وجيش تحرير السودان بفصائلها المتشظية باستمرار.

تبين أن هذه السردية تغذيها روايات متوارثة عن تعاون جهات محلية مع سلطات سابقة أو حركات متمردة، وتُستدعى لتبرير حملات عقاب جماعي أو فرض حصار أو حتى استهداف السكان المدنيين في تلك المناطق بوصفهم "طابورًا خامسًا"

غير أن هذا الخطاب، في سياق الحرب الدائرة، لم يكن بمنأى عن الاتهام بالتواطؤ مع الطرف الآخر، حيث وُظّف خطاب "التعاون مع العدو" أداةً للتخوين والتعبئة السياسية والعسكرية في آن. ففي كلّ مرة ينكسر فيها ميزان المعركة لصالح طرف في منطقة معينة، تتعالى أصوات تُشيطن سكان المنطقة، وتتهمهم ضمناً أو صراحةً بالتآمر والانحياز، دون اعتبار لتعقيد الولاءات على الأرض، أو للضغوط التي تفرضها السيطرة المسلحة والظروف القسرية.

انعكست هذه الجدلية، بين المظلومية المناطقية والاتهام بالتعاون مع "العدو"، على مسارات الحرب بشكل بالغ الخطورة، إذ ساهمت في إضفاء طابع إثني/جهوي/هوياتي على الصراع، وجعلت من خطوط التماس العسكرية خطوطاً لهوية اجتماعية. فقد باتت بعض المناطق تُعامل كأنها امتداد عضوي لطرف دون الآخر، لا بناءً على انخراطها الفعلي في القتال، إنما استناداً إلى صورة ذهنية مسبقة تغذيها الخطابات السياسية والإعلامية المنفلتة.

صناعة الكراهية الكامنة

داخل المدن والمخيمات والقرى والأحياء التي طالتها الحرب، ظهرت سرديات جديدة لضحايا لم يكونوا طرفًا مباشرًا في الصراع، وهي سردية الضحايا المدنيين. فقد بزغت هذه السردية بوصفها تمثل أصوات ضحايا لا صوت لهم في السجالات الكبرى؛ ضحايا لم يكونوا طرفًا في النزاع، ولم يحملوا السلاح يومًا، لكنهم دفعوا الكلفة الأعلى. هؤلاء هم المدنيون الفقراء الذين نُهبت بيوتهم، أو قُتلوا عشوائيًا دون ذنب أو أُحرق رزقهم، أو وجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى، بلا غذاء، وبلا حماية. إن معاناتهم تتجاوز الأرقام الجافة لتلامس جوهر المسألة الأخلاقية التي تطرحها الحرب: من يحمي الأبرياء حين تسقط الدولة ويتوحّش العنف؟

ما تزال تحمل هذه السردية، في طياتها تحذيرًا مبطّنًا من أن غياب العدالة قد يتحوّل إلى بيئة خصبة لدوائر جديدة من العنف، وأن أي تسوية سياسية سابقة أو لاحقة لا تضع هؤلاء الضحايا في صميم أولوياتها، ستكون هشّة ومهددة بالفشل الأخلاقي والسياسي

باتت هذه السردية ذاهبة نحو الرسوخ كجزء من خطاب شعبي متصاعد، لا تقتصر مضامينه على الرثاء أو التوثيق، إنما تنطوي على مطالبات مشروعة بالمحاسبة وجبر الضرر والعدالة الانتقالية. فالملايين من المدنيين الأبرياء الذين تعرضوا للقتل والنهب والتهجير الممنهج طوال حروب سابقة، يرون أنفسهم خارج حسابات الفاعلين السياسيين والعسكريين، ما داموا لا يملكون أدوات القوة أو النفوذ. وما تزال تحمل هذه السردية، في طياتها تحذيرًا مبطّنًا من أن غياب العدالة قد يتحوّل إلى بيئة خصبة لدوائر جديدة من العنف، وأن أي تسوية سياسية سابقة أو لاحقة لا تضع هؤلاء الضحايا في صميم أولوياتها، ستكون هشّة ومهددة بالفشل الأخلاقي والسياسي.

لم تقتصر معاناة المدنيين على تحمّلهم نتائج الصراع فحسب، إنما اتخذت الحرب طابعًا مزدوجًا من العنف البنيوي والمباشر، خاصة في المخميات والأحياء الطرفية والمركزية في آن داخل المدن الكبرى مثل الخرطوم ونيالا والفاشر والجنينة ومدني. في هذه المناطق، تلاشت الخدمات الأساسية، وتوقف الدعم الإنساني، وارتفعت وتيرة الجريمة والانفلات على حياة مدنيين أبرياء. أكثر من ذلك، تحوّلت هذه الأحياء إلى مسارح مفتوحة للانتهاكات، حيث تعرض شبّان ونساء وكبار سن للقتل العشوائي أو الاختطاف أو الاستغلال أو التهجير القسري. ولأن هؤلاء السكان ينتمون غالبًا إلى طبقات اجتماعية مسحوقة، فإن مظلوميتهم لم تجد آذانًا صاغية، ولا منابر تعبّر عنهم، رغم ما يحاول نشطاء ومدفعون حقوقيون وصحفيون مناصرة قضايا هؤلاء ولكن تظل الجهود حتى هذه اللحظة من عمر الحرب محدودةً.

يظل الخطير في هذه المأساة المتفاقمة ليس فقط في حجم الانتهاكات، غنما في تراكم الذاكرة الجريحة لدى الضحايا والناجين. إذ يُختزن الألم والخذلان والظلم في النفوس، لا باعتباره واقعة عرضية، بل كدليل دامغ على انهيار الدولة وتصدع المجتمع وتخلّيهما عن أضعف فئاته. عليه، تُبذر بذور الغضب والكراهية في عقول الناجين خاصة الأجيال الناشئة والشابة ممن فقدوا أهلهم أو دمرت بيوتهم أو أُهينت كرامتهم. هذه الذاكرة، إن تُركت دون عدالة أو اعتراف، ستتحوّل إلى مصدر دائم للتأزم الاجتماعي وإعادة إنتاج العنف، وربما إلى أرض خصبة للتطرف أو الانتقام الجماعي في المستقبل القريب والبعيد.