السبت 14 فبراير 2026
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممرٍّ للتجارة العالمية، بل تحوّل إلى ساحة تتقاطع فيها الحروب بالوكالة مع حسابات الردع والمساومات السياسية. صحيح أن عام 2025 شهد تراجعاً لافتاً في الهجمات الحوثية على السفن التجارية، لكن هذا الانخفاض لم يبدّد القلق في أسواق الشحن والتأمين، ولم يُعد حركة الملاحة إلى مسارها الطبيعي؛ لأن جوهر الأزمة لم يكن يوماً محصوراً في "عدد" الهجمات بقدر ما هو مرتبط بقدرة الفاعلين المسلحين على إبقاء شعور الخطر قائماً، وبتحوّل البحر الأحمر إلى خط تماس بين ملفات متداخلة تمتد من اليمن إلى القرن الأفريقي.
في هذا المشهد، تتسع شبكات التهريب عبر الضفتين، وتتنامى صلات بين جماعات مسلحة تتبادل السلاح والخبرة والمعلومات، فيما تصعد على الساحل الأفريقي توترات الموانئ والحدود والمنافسة على النفوذ. تراجع الهجمات يفتح نافذة ضيقة لخفض التصعيد، لكن تعدد اللاعبين وتضارب أجنداتهم يهدد بتحويل أي شرارة ـ حتى لو كانت محسوبة- إلى موجة اضطراب جديدة تمسّ الأمن الإقليمي والتجارة الدولية معاً. هذه المقالة تقارب البحر الأحمر بوصفه مفترق طرق: هل تتجه المنطقة إلى تهدئة قابلة للبناء في 2026، أم إلى دوامة عنف أكثر تعقيداً وكلفة؟
تكشف الحصيلة الرقمية لهذا العام عن مفارقة شديدة الدلالة. فمنذ فاتح يناير/كانون الثاني حتى 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، سُجِّلت أكثر من 9,090 وفاة في أحداث عنف سياسي داخل الصومال، فيما تراجعت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر بنسبة 84٪ مقارنة بعام 2024، وفق بيانات ACLED، في الوقت الذي أسفرت فيه الغارات الجوية الأمريكية عن 848 قتيلاً في الصومال (320) واليمن (528). هذه الأرقام لا تشير فقط إلى استقرارٍ متدرّج، بقدر ما تُظهر التعايش بين انخفاضٍ نسبي في وتيرة هجماتٍ بعينها، واستمرار بيئةٍ إقليمية قابلة للاشتعال تدفعها المنافسات الجيوسياسية، وتغذيها قنوات تهريب وتنسيق بين فاعلين ما دون دولتيين.
لا شك أن الحوثيين شرعوا في عام 2025 بإعادة ضبط بوصلتهم العملياتية. فبدلاً من المحافظة على نمطٍ كثيف من استهداف السفن التجارية كما حدث في 2024، اتجهت الجماعة إلى التركيز بدرجة أكبر على استهداف السفن الحربية الأمريكية. هذا التحول دفع واشنطن إلى إعادة تصنيف الحوثيين منظمةً إرهابية أجنبية، وإطلاق حملة جوية عالية الكلفة، انتهت بوقفٍ لإطلاق النار لم يخرج منه منتصر واضح. توقفت الهجمات على القوات الأمريكية في مايو/آيار 2025، لكن القدرات بعيدة المدى للحوثيين بقيت سليمة، بما يعني أن المواجهة انتهت إلى تجميد الاشتباك أكثر مما انتهت إلى معالجته أو تقويض أدواته.
أي اتفاق محتمل سيحتاج إلى ضمانات صلبة تمنع استئناف استهداف البحر الأحمر، وقد يفتح الباب كذلك لمراجعة بعض العناوين السياسية الأشد حساسية، بما فيها التصنيفات القانونية ذات الأثر المباشر على مسارات التفاوض والتمويل
وعلى الرغم من التراجع الحاد في استهداف السفن التجارية ـ إذ سُجّلت 7 هجمات فقط في 2025 مقابل 150 هجمة في 2024ـ فإن هذا الانخفاض لا يعني بأي حال تآكلاً في قدرات الحوثيين، بل انعكاساً لتحول محسوب في الأولويات وتكتيكات الاشتباك. وتتضح ملامح هذا التحول في مسارٍ أكثر دلالة. فقد نفّذت الجماعة 125 ضربة على الأراضي الإسرائيلية خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من 2025، بزيادة قدرها 120٪ مقارنة بعام 2024، واستمر هذا النمط حتى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وفي المقابل، صعّدت إسرائيل ردّها عبر موجات غارات استهدفت البنية التحتية الحوثية ودوائر القيادة، ضمن مقاربة تسعى إلى تفكيك منظومة القيادة والتحكم وتقليص القدرة التنظيمية للجماعة، دون أن يضمن ذلك إنهاء التهديد أو ضبط مساراته المستقبلية.
ورغم تراجع وتيرة الهجمات البحرية، فإن حركة الملاحة التجارية لم تستعد عافيتها. فقد هبطت عبورات السفن عبر باب المندب إلى مستوى منخفض قياسي في يونيو/تموز 2025، بانخفاض بلغ 65٪ مقارنة بيونيو/تموز 2023، فيما أوقف ميناء إيلات عملياته في يوليو/حزيران، وتراجعت إيرادات قناة السويس. تكشف هذه المؤشرات أن الاستقرار في البحر الأحمر لا يُمكن قياسه بعدد الصواريخ أو المسيّرات المُطلَقة فحسب، بل بقدرة الفاعل المسلح على ترسيخ إدراكٍ دائم للمخاطر لدى الأسواق وشركات النقل. فالتأثير الحاسم ليس دائماً في كثافة الهجمات، بل في القدرة على إبقاء التهديد قابلاً للتجدد في أي لحظة؛ إذ يكفي أحياناً هجوم واحد محسوب لإعادة تسعير التأمين البحري، وإطالة حالة التحوّط لدى شركات الشحن، ودفع خطوط الملاحة إلى تغيير مساراتها بعيداً عن الممرات الأكثر حساسية.
يتغذى إدراك الخطر من بنيةٍ لوجستية ومالية تتجاوز اليمن، فالقدرات الحوثية بعيدة المدى تعتمد على دعم إيراني وعلى مسارات تهريب تمتد عبر البحر الأحمر انطلاقاً من القرن الأفريقي. غير أن هذه المسارات لم تعد تعمل كخط إمداد أحادي الاتجاه، بل أخذت تتحول إلى شبكةٍ ثنائية الاتجاه تتبادل عبرها الأطراف الخدمات والموارد. وفي السنوات الأخيرة برز تنسيق عملي متنامٍ بين الحوثيين وجماعات مسلحة مثل: القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية – فرع الصومال، ضمن معادلة منفعة متبادلة.
تشير بعض التقارير الاستخبارية الغربية أن جماعات صومالية تقدم خدمات تهريب ومعلومات بحرية مقابل أسلحة وخبرات تقنية. وقد استدعى اتساع هذا النشاط ردّاً مباشراً حين أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا في أبريل/نيسان 2025 تنفيذ ضربات على سفينة "عديمة الجنسية" كانت تحمل أسلحة تقليدية داخل المياه الإقليمية الصومالية. وفي سياق أوسع، تُظهر هذه الشبكات كيف تحول اقتصاد التهريب إلى بنية تمويل وتنظيم عابرة للحدود، بحيث أصبح فاعل مثل تنظيم الدولة في الصومال عقدة مالية داخل شبكة أوسع، بما يضاعف بالضرورة هشاشة الأمن البحري.
إن انخفاض احتمال الحرب المباشرة لا يعني انحسار الخطر؛ فالأرجح استمرار نمط حرب الوكلاء عبر دعم كل طرف لمعارضي الطرف الآخر، بما يطيل أمد التوتر ويحوّل الحدود إلى ساحة استنزاف مزمنة تُبقي المنطقة في حالة هشاشة
وعلى الضفة الأفريقية، لم يعد اضطراب البحر الأحمر نتاج اليمن وحده. ففي القرن الأفريقي، يُشعل سعي إثيوبيا إلى تأمين منفذ على البحر الأحمر مخاوف من صدام مع إريتريا. فقد أدت مطالب أديس أبابا بشأن ميناء عَصَب خلال 2025 إلى توترات دفعت الطرفين إلى حشد قوات ودعم جماعات متمردة على طول الحدود المشتركة، بما أعاد رسم خطوط تماس سياسية وأمنية في منطقة تتقاطع فيها حساسيات تاريخية وحدودية مع مصالح اقتصادية تتعلق بالموانئ وسلاسل الإمداد.
يتداخل هذا الملف مع نزاعٍ أكثر رسوخاً بين إثيوبيا ومصر حول سد النهضة على النيل. وردّت القاهرة بتعزيز دعمها السياسي والعسكري للصومال وإريتريا، مع التأكيد على أن التحكم في الوصول إلى البحر الأحمر ينبغي أن يبقى بيد الدول الساحلية، وهو موقف يحمل في طياته رسالة سياسية تتجاوز القانون البحري لتطال موازين النفوذ الإقليمي.
في هذه البيئة المتوترة تتنافس قوى خارجية على النفوذ العسكري والتجاري. قطر وتركيا والإمارات، إلى جانب السعودية ومصر، وقّعت ترتيبات أمنية ووسعت حضورها في عواصم المنطقة، وقدّمت دعماً لفاعلين رسميين وغير رسميين مقابل عقود نفوذ واستثمارات ومواقع استراتيجية. هذا التمدد لا يضيف مجرد طبقة نفوذ جديدة، بل يخلق أيضاً شبكات مصالح متداخلة قد تغذي نزاعات الوكلاء، وتزيد صعوبة بناء ترتيبات أمنية مستقرة، لأن اللاعبين المحليين غالباً ما يستثمرون هذا التنافس لتعظيم مكاسبهم أو تحسين شروطهم في الصراع.
وسط هذه المشهد، يطل عام 2026 كنافذة ضئيلة محتملة للاستقرار. فوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 يطرح سؤالاً محورياً حول مستقبل عمليات الحوثيين. لقد صوّرت الجماعة هجماتها في البحر الأحمر باعتبارها أداة ضغط مرتبطة بغزة، وهي اليوم أوقفت استهداف إسرائيل، لكنها أبقت التهديد قائماً إذا عادت الحرب الشاملة. وإذا انهار وقف إطلاق النار، يُرجَّح أن تعود الضربات على الأراضي الإسرائيلية، مع إبقاء استهداف السفن التجارية خياراً انتقائياً يوظَّف لأغراض ردعية ورسائل سياسية أكثر من كونه نمطاً ثابتاً. لكن حتى مع استمرار التهدئة، لا تتغير المعادلة الأساسية. يحتفظ الحوثيون بقدرات صاروخية ومسيّرات بعيدة المدى أعادت تشكيل توازن القوة في البحر الأحمر، ويطرحون لأنفسهم أهدافاً تتجاوز سياق غزة، في ظل توقع استمرار نقل الخبرات والأسلحة من إيران؛ ما يجعل توقف الهجمات أقرب إلى "استراحة عملياتية" منه إلى نهاية للصراع.
يتعاظم القلق من احتمال تحوّل التعاون البراغماتي القائم بين الحوثيين وبعض الجماعات المسلحة في اليمن والقرن الأفريقي ـ والمتمركز حالياً حول تبادل الأسلحة والمعلومات ـ إلى شبكة أكثر تماسُكاً، وقدرة على تعظيم عدم الاستقرار ورفع كلفة الأمن البحري. كما أن انتقال تقنيات المسيّرات إلى جماعات في القرن الأفريقي قد يفتح باباً جديداً للتهديدات على الملاحة، بينما يعزز تدفق الأسلحة المُهرّبة قدرات الفاعلين غير الدولتيين، ويضعف جهود الاستقرار في الصومال والاتحاد الأفريقي، بما يخلق حلقة مفرغة تتغذى فيها الفوضى من الفوضى.
تكشف هذه المؤشرات أن الاستقرار في البحر الأحمر لا يُمكن قياسه بعدد الصواريخ أو المسيّرات المُطلَقة فحسب، بل بقدرة الفاعل المسلح على ترسيخ إدراكٍ دائم للمخاطر لدى الأسواق وشركات النقل. فالتأثير الحاسم ليس دائماً في كثافة الهجمات، بل في القدرة على إبقاء التهديد قابلاً للتجدد في أي لحظة
وعلى الرغم من التصعيد السياسي بين إثيوبيا وإريتريا، تبقى المواجهة المباشرة بينهما غير مرجّحة لأسباب عملية، منها تجنّب الاحتكاك المباشر عبر إعادة تموضع القوات، ومن جهة أخرى محدودية قدرة إريتريا على تحمل كلفة مواجهة تستجلب ضغطاً دولياً إضافياً فوق العقوبات القائمة. غير أن انخفاض احتمال الحرب المباشرة لا يعني انحسار الخطر؛ فالأرجح استمرار نمط حرب الوكلاء عبر دعم كل طرف لمعارضي الطرف الآخر، بما يطيل أمد التوتر ويحوّل الحدود إلى ساحة استنزاف مزمنة تُبقي المنطقة في حالة هشاشة.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من فرص قابلة للبناء. فالتراجع الحالي في هجمات البحر الأحمر قد يفتح مساحة لاستئناف مسار السلام في اليمن، خصوصاً مع ضعف شهية القوى الإقليمية للعودة إلى تدخل عسكري واسع، بما يسمح باستئناف التفاوض بين الحوثيين والرياض على قاعدة خارطة طريق أممية. أي اتفاق محتمل سيحتاج إلى ضمانات صلبة تمنع استئناف استهداف البحر الأحمر، وقد يفتح الباب كذلك لمراجعة بعض العناوين السياسية الأشد حساسية، بما فيها التصنيفات القانونية ذات الأثر المباشر على مسارات التفاوض والتمويل.
وفي الوقت نفسه، يمكن للسعودية ـ الساعية إلى تعزيز صورتها كوسيط إقليمي- أن تدفع نحو تفعيل فكرة إنشاء إطار تنسيقي لأمن البحر الأحمر، استناداً إلى مبادرات سابقة مثل: مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي طُرح عام 2020. وتزداد أهمية هذا المسار مع توازي الجهود الرامية إلى الوساطة في السودان بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لأن استمرار الحرب هناك يضيف طبقة إضافية من عدم اليقين على ضفتي البحر، ويغذي شبكات تهريب وتمويل قد ترتد آثارها على أمن الملاحة.
الخلاصة أن البحر الأحمر، وهو شريان للتجارة العالمية ومرآة لموازين الإقليم، لا يعد يملك رفاهية حلولٍ جزئية أو مؤقتة. ومن دون تنسيق إقليمي حقيقي، ستظل المنطقة شديدة الهشاشة أمام منافسة الوكلاء والتصعيد المفاجئ واضطراب سلاسل الإمداد. والتهدئة الحالية ليست ضماناً للاستقرار، بل اختباراً لمدى قدرة الفاعلين على تحويل خفض التصعيد إلى مسار طويل الأمد.