تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 12 ديسمبر 2025

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

صراع العلمنة والأسلمة في تشاد: سجالات الحداثيين والمحافظين

19 مارس, 2025
الصورة
Geeska cover
Share

شهدت جمهورية تشاد التي تقع في وسط أفريقيا إشكالية الدين بالدولة منذ الحقبة ما قبل الكولونيالية، مرورا بالاستقلال حتى السياق الراهن، وعلى الرغم من اعتراف الدستور بعلمانية الدولة منذ الاستقلال، وهو ما أقره لاحقا دستور 31 مارس/ آذار 1996، والدستور الحالي في مادته الأولى، إلا أنه كان هناك مُكنة للمسلمين، لكونهم يمثلون أغلبية ديموغرافية، حيث يبلغون نسبة 85٪ ما سمح لهم بتطبيق الشريعة الإسلامية في الحياة الاجتماعية. في المقابل تتبنى النخب السياسية علمنة الدولة في فترات متباينة، وهو ما جعل هذا السجال المحتدم حاضرا منذ تلك الحقبة إلى اليوم.

الانتقال من الممالك الإسلامية إلى الدولة العلمانية  

سادت في المنطقة الحياة الدينية الوثنية التي تعرف بالإحيائية حتى وصول الجيوش الإسلامية، بقيادة الصحابي عقبة بن نافع في عام 46هـ، الموافق 666م، بعدها بثلاثة عقود ونصف تقريبا نشأت الممالك الإسلامية الثلاث في تشاد، وهي: مملكة كانم، التي أسست في القرن الثامن الميلادي، وتعرف قديما ببلاد السودان الأوسط، الذي يتكون من حوض بحيرة تشاد، وما حولها من مناطق تمتد من نهر النيجر غربا إلى دار فور شرقا، وتمثل بحيرة تشاد مهد إمبراطورية كانم، ثم مملكة باقرمي في القرن السادس عشر (1513)، ومملكة وداي في القرن السابع عشر (1615).
بقيت هذه الممالك الأفريقية تحكم بالشريعة الإسلامية حتى وصول القوات الفرنسية، واحتلال كامل الأراضي التشادية بحلول عام 1920. كانت تلك بداية التخلص من إسلامية الدولة إلى علمنة الدولة والمجتمع، وانتشار البعثات التبشيرية لنشر المسيحية الكاثوليكية. فقد حاول المحتل تغيير المفاهيم والمعتقدات الدينية، بإعادة تشكلها داخل سياقات اجتماعية وتاريخية، تجلت تمظهراتها في الدولة القطرية التي سعت إلى توظيف هذه المبادئ الكونية بشكل مطلق لخدمتها، عن طريق المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

الرئيس تمبلباي والقطيعة مع المسيحية الكاثوليكية

يعد أنقارتا تمبلباي أول رئيس مسيحي يحكم تشاد بعد الاستقلال عام 1960، ومن حسناته أنه استغل زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود إلى تشاد في نوفمبر/ تشرين الأول 1972، وطالب الملك بإنشاء مرافق دينية للمسلمين في العاصمة التشادية أنجمينا. استجاب الملك لطلبه، وأنشأ مركز الملك فيصل الإسلامي الذي يحوي على أكبر جامع في البلاد إلى الآن، ومدرسة تعليمية فيها كل المستويات الدراسية، وهي: الابتدائية والمتوسطة والثانوية، بالإضافة إلى مركز صحي متكامل، مختص بتقديم خدمات صحية مجانية. 
تبع ذلك بتخصيص حماية للمسلمين أثناء تأدية صلاة العيدين، خوفا من مهاجمة المتطرفين الجنوبيين لهم أثناء ممارسة الشعائر الدينية، كما فرض لبس الجلباب حتى على غير المسلمين في كرنفال استقبال الملك فيصل، وقدم طلبا لانضمام تشاد إلى منظمة التعاون الإسلامي، وكان يكرر دائما عبارته الشهيرة: "أنا غير مسلم، لكن أغلبية الشعب التشادي مسلمون".
لم يقف تمبلباي عند حدود دعم المسلمين فحسب، بل راح يحدث قطيعة مع الديانة المسيحية التي يعتنقها، لأنه كان يرى بأن المسيحية حلت محل الثقافية التشادية، لذلك حاول التخلص منها من خلال الحركة الوطنية للثورة الثقافية والاجتماعية، التي نادت بتطبيق سياسة اليوندو التي تدعو بضرورة العودة إلى الجذور الأفريقية، رافضا التماهي مع السياسة الفرنسية والأيديولوجية والمعتقد الديني. هذا ما جعل رعاة الكنيسة البروتستانتية تعارض الثورة الثقافية والاجتماعية، فكان رد الحكومة قمع الرافضين، وقتل المئات وهدم المعابد في حوض شاري الأوسط، وشاطئ لوغون الشرقي.
اكتفى أنصار الكنيسة الكاثوليكية بترقب الأوضاع من بعيد دون التورط فيها، وقد شملت هذه الثورة الثقافية تغيير أسماء المناطق التشادية التي تحمل أسماء فرنسية، مثل: فور لامي، وهي عاصمة تشاد القديمة إلى أنجمينا، كما غيّر الرئيس اسمه من فرنسوا الذي يحمل رمزية فرنسية إلى أنقارتا تمبلباي.


لم يقف تمبلباي عند حدود دعم المسلمين فحسب، بل راح يحدث قطيعة مع الديانة المسيحية التي يعتنقها، لأنه كان يرى بأن المسيحية حلت محل الثقافية التشادية، لذلك حاول التخلص منها من خلال الحركة الوطنية للثورة الثقافية والاجتماعية


رفضت فرنسا سياسة الانقلاب الثقافي الذي أحدثه تمبلباي دون أخذ موافقتها، لكونها تتعارض مع سياسات الإدارة الفرنسية للدولة التشادية، وطالبت الحكومة التشادية بالعدول عن هذه الثورة الفكرية، ولكنها رفضت، الأمر الذي جعل فرنسا تدعم الانقلاب العسكري الذي قام به ضباط من الجيش التشادي، بقيادة اللواء أودينغار ضد تمبلباي، ما أدى إلى اغتياله داخل القصر الرئاسي في 13 نيسان/أبريل عام 1975.

سياسات الرئيس مالوم لاضطهاد المسلمين

انتهت حقبة تمبلباي وخلفه فليكس مالوم (1975-1979) في الحكم، وهو مسيحي جنوبي، لم يكترث لأمر المسلمين، بل كان يرى أنهم يمثلون حجر عثرة، وتهديدا دائما لحكمه، بسبب ثورة فرولينا المسلحة التي يقودها المسلمون وتعارض سياساته. ما جعل الصراع يأخذ طابعا دمويا راح ضحيته 2000 مسلما، لاقوا حتفهم على يد المسيحيين الجنوبيين. 
دفع ذلك رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الإمام موسى إبراهيم الضيف إلى نقل القضية إلى العالم الإسلامي مطالبا بنصرة مسلمي تشاد، عبر رسالته الشهيرة: "إلى كل من يقول لا إله إلا الله، إلى ملوك ورؤساء العالم الإسلامي، إلى شيخ الأزهر وعلماء المسلمين، إلى علماء رابطة العالم الإسلامي، إلى رجال الدين في بقاع الأرض، إلى كل مسيحي يؤمن حقا برسالة عيسى عليه السلام، إلى الضمير العالمي أتوجه برسالتي، ما زال جنود الرئيس مالوم من الجنوبيين يواصلون مذابحهم الرهيبة ضد المسلمين العزل في مدن الجنوب التشادي، حيث قاموا بذبح المسلمين في مدينة كومرا مع إمامهم داخل المسجد خلال صلاة الجمعة، كما ذبحوا رجال ونساء المسلمين في كل من مدن سار ومايسلا، دبيوجيا وجوري، ومادر، ونهبوا أموال ومتاجر المسلمين، نناشد الأمة الإسلامية جميعا بالتدخل السريع لإنقاذ مسلمي تشاد من الاستعمار الفرنسي وأذنابه". 


استمر هذا الجدل في فضاءات متباينة، سواء الاجتماعية أو السياسية، وتجلى السجال على المستوى السياسي أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تشاد، التي بينت بجلاء رفض المسلمين لحكم الدولة من غير المسلم


كان عهد الرئيس إدريس ديبي إتنو المسلم الذي حكم البلاد منذ عام 1990-2021، مغايرا عن مالوم، فقد عرف بدعمه للمسلمين على الرغم من كونه أقر علمانية الدولة. كما منع اضطهاد المسلمين، وخلق تقاربا مع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ما سمح للحكومة بأن تخطو نحو تطبيق حظر الزواج المبكر قبل بلوغ سن 18 عاما، في مجتمع 69٪ من نسائه يتزوجن قبل بلوغ السن القانوني، وهو ما أثار حفيظة المجتمع، ورفض القرار الذي بات ساريا إلى اليوم، على الرغم من السجالات الكلامية التي جرت حوله، بين حداثيين مؤيدين ومحافظين مناوئين. 
استمر هذا الجدل في فضاءات متباينة، سواء الاجتماعية أو السياسية، وتجلى السجال على المستوى السياسي أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تشاد، التي بينت بجلاء رفض المسلمين لحكم الدولة من غير المسلم، وعبروا صراحة عن ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والغالبية قررت منح أصواتهم للمرشح المسلم "الجنرال محمد إدريس ديبي إتنو"، على حساب المرشح المسيحي، "الدكتور سكسيه ماسارا"، مما يدل على أن هناك خلط بين الدين والدولة العلمانية، ناتج عن دوغمائية دينية دون وعي، تجاوزت مفهوم المواطنة.

محاولات علمنة المجتمع التشادي

وسط جدل محتدم رفض المسلمون في تشاد هذه الأيام توصيات صالون المرأة التي اقترحت، في حال الطلاق أن ينتقل ملكية المسكن للزوجة. كانت هذه النقطة مثار الجدل كبير، أججه مطالبة وزيرة المرأة وحماية الطفولة المبكرة، أمينة برسيل لونغو، الدولة بالتقنين، بغية تمرير أجندة علمانية بدعاوى مساواة المرأة بالرجل، بينما رفض المسلمون توجهات الوزيرة المسيحية، وطالبوا الدولة باستمرار تطبيق الشريعة الإسلامية في شؤون الأسرة، كي يتسنى لهم إقامة وتعظيم شعائر الدين. 
أثارت توصيات سينافيت (SENAFIT) مخاوف المسلمين، وحركت الرأي العام والشخصيات الاعتبارية في الدولة، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والتي تمثلت بنودها في مواصلة الجهود للحد من عدم المساواة بين الرجل والمرأة، وتعزيز تمكين المرأة التشادية من أجل مشاركتها في التنمية، وتطبيق النصوص والقوانين التي تعزز حقوق المرأة وتحميها، وتعزيز حصول المرأة الريفية على الأرض، وإنشاء صندوق دعم للمبادرات النسائية، تعزيز الرجولة الإيجابية في البلاد... وتقديم مشروع قانون ينص على أنه في حالة الطلاق غير المبرر يعود بيت الزوجية إلى الزوجة والأبناء. 
لاقت هذه الاقتراحات رواجا واسعا في البلاد هذه الأيام، وقد عبّر المسلمون بدورهم رفض تقنين الحياة الاجتماعية. وقد برز الجدل حول بندين تحديدا، هما: انتقال ملكية البيت الزوجية إلى الزوجة في حالة الطلاق، والتصديق على بروتوكول مابوتو، اعتمدتها الجمعية العامة للاتحاد الأفريقي في 11 تموز/يونيو عام 2003، الذي يتحدث عن حقوق المرأة في أفريقيا، وقعت عليها العديد من الدول من ضمنها تشاد، إلا أنها لم تقم بالتصديق عليه بعد.
يعد البند السابع من أبرز البنود المثيرة للجدل في هذا البروتوكول الذي ينص على عدم الاعتراف بأي زواج غير مسجل لدى الحكومة، ولا يقع الطلاق إلا عن طريق القضاء فقط. وإذا وقع الطلاق، فإن الأموال تقسم بين الزوجين بطريقة منصفة، كما نصت المادة 17 على ضرورة حماية المرأة العاملة في مجال الإباحية. لذا كان رفض المحافظين تقنين الحياة الأسرية في مجتمع يعتز بتقاليده العريقة، واعتبروا ذلك تحديا جديدا يواجه المجتمع المسلم في البلاد، بسبب سعي الحداثيين إلى تحديث القوانين والممارسات الاجتماعية. 
رأت العديد من الشخصيات الاعتبارية في الدولة ضرورة تطبيق توصيات سينافيت، مثل: وزير الخارجية والمتحدث الرسمي باسم الحكومة السابق، السيد عبد الرحمن غلام الله، الذي عبّر عن دعمه لهذه المقترحات داعيا الدولة إلى تبنيها، وذلك خلال لقاء تلفزيوني مباشر، قائلا: "أنا رجل خاضع، ولكنني سعيد"، إلا أن استطلاعات الرأي العام في البلاد عبّرت عن رفضها القاطع لتقنين هذه المقترحات بوضوح. وناشدت رئيس الجمهورية، المشير محمد إدريس ديبي إتنو باتخاذ موقف حازم ضد من يسعون إلى المطالبة بفرض قوانين غربية، تتعارض مع معتقدات وقيم المسلمين بغية إثارة الفتن. 
لاقت هذه التوصيات الدعم من الحداثيين، وتحديدا من المجموعات النسوية المتمثلة في الحركات الاجتماعية والسياسية التي تسعى إلى المساواة بين المرأة والرجل أسوة بالثقافات الغربية، إلا أن هذه التوجهات واجهت مقاومة شديدة من المسلمين في تشاد، خاصة من النساء المسلمات أنفسهن، ما شكل ميدانا للسجال بين القيم التقليدية للمحافظين والرغبة في التحديث من الحداثيين. 


كان رفض المحافظين تقنين الحياة الأسرية في مجتمع يعتز بتقاليده العريقة، واعتبروا ذلك تحديا جديدا يواجه المجتمع المسلم في البلاد، بسبب سعي الحداثيين إلى تحديث القوانين والممارسات الاجتماعية


اعتبر رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الدكتور محمد خاطر عيسى للرأي العام، أن بعض التوصيات الصادرة عن المحتفلات باليوم العالمي للمرأة، تعد استفزازا يتجاوز حدود الشرع، والعقل السليم والفطرة المعتدلة، وهي مرفوضة رفضا قاطعا. وطالب المجلس الجهات المعنية بالكف عن الترويج لهذه التوصيات والطلبات، والتوقف عن إثارة الفتن وزعزعة استقرار المجتمع المسلم. 
بدورها أصدرت الحكومة بيانا تؤكد فيه على لسان السيد قاسم شريف، الوزير الناطق باسم الحكومة، بأنها غير ملزمة بهذه التوصيات التي أثارت جدلا واسعا، وهجوما لاذعا على شخصية الوزيرة أمينة برسيل، والتوصية المتعلقة بالطلاق لا تعدو أن تكون مجرد اقتراح من (Senafet)  غير ملزم للحكومة. 
تمثل مخاوف المسلمين في الغزو الفكري للمرأة التشادية، عن طريق بث هذه المفاهيم الخاطئة من قبل الحداثيين، قبل أن تفاجئ بتصديق الحكومة على مدونة قانون العنف ضد المرأة، التي عبرت عن تعزيز القيم المجتمعية في بعض موادها التي أثارت القلق هي أخرى، لكونها تضمنت مخالفات صريحة للشرع الإسلامي، تلتها توصيات سينافيت، مما جعلهم يطالبون الحكومة بضرورة استمرارية تطبيقها للشريعة الإسلامية والعرف الصحيح الذي اعتاده الناس، دون أن يصادم الشرع في الحياة الاجتماعية، رافضين أي محاولة لتقريب وجهات النظر في هذا الصدد بين المحافظين والحداثيين.