الأربعاء 12 أغسطس 2026
تشهد منطقة نيزي (Nizi) الواقعة في إقليم إيتوري بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية أخطر مراحل تفشي فيروس إيبولا منذ إعلان الموجة الحالية للوباء في مايو/أيار 2026، إذ أصبحت المنطقة الأسرع تسجيلاً للإصابات الجديدة في ظل تدهور الوضع الأمني، واستمرار نشاط الجماعات المسلحة، الأمر الذي أعاق وصول الفرق الطبية، وأخر عمليات الكشف عن الإصابات وعزلها. تصف المنظمات الإنسانية نيزي بأنها تمثل اليوم الحلقة الأكثر هشاشة في جهود احتواء الوباء، حيث يتداخل النزاع المسلح مع ضعف الخدمات الصحية وحركة النزوح الواسعة للسكان.
تقع نيزي في منطقة تعدين نشطة شمال مدينة بونيا، وهي منطقة تشهد منذ سنوات هجمات متكررة من جماعات مسلحة، أبرزها ميليشيات CODECO، ما أدى إلى نزوح آلاف المدنيين، وإغلاق العديد من المرافق الصحية. ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن الفرق الطبية كثيراً ما تضطر إلى تعليق تحركاتها بسبب المخاطر الأمنية، بينما يخشى السكان التوجه إلى المراكز الصحية أو التعاون مع فرق الترصد الوبائي، الأمر الذي يسمح للفيروس بالانتشار بصمت داخل المجتمعات المحلية.
بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الوباء الحالي ناجم عن فيروس إيبولا من سلالة بونديبوغيو (Bundibugyo)، وهي سلالة نادرة تختلف عن السلالة الزائيرية التي تسببت في معظم التفشيات السابقة. وقد أعلنت المنظمة في مايو/أيار 2026 أن التفشي في شرق الكونغو، إلى جانب ظهور حالات مرتبطة به في أوغندا، يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً، بعدما سجلت السلطات مئات الحالات المشتبه بها وعشرات الوفيات في إقليم إيتوري، مع انتقال العدوى إلى عدة مناطق صحية.
يشير العاملون في الاستجابة الصحية إلى أن نيزي أصبحت المنطقة التي تتضاعف فيها الإصابات بأسرع وتيرة، نتيجة تأخر اكتشاف الحالات وصعوبة تتبع المخالطين. كما تؤدي حركة السكان المستمرة بين القرى ومواقع التعدين والأسواق المحلية إلى زيادة فرص انتقال العدوى، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية من نقص شديد في المعدات الوقائية والأدوية والكوادر المدربة.
من جانبها، أعلنت منظمة أطباء بلا حدود أنها وسعت عملياتها في إيتوري، بما في ذلك دعم مستشفى مونغبالو وإنشاء مراكز علاج متخصصة، مؤكدة أن الاستجابة تواجه تحديات استثنائية بسبب النزاع المسلح وإغلاق الطرق وصعوبة نقل الإمدادات الطبية. وأوضحت المنظمة أن الملايين يعيشون أصلاً في ظروف نزوح وفقر شديد، ما يجعل السيطرة على المرض أكثر تعقيداً من الجوانب الطبية وحدها.
كما تحذر المنظمة الدولية للهجرة من أن استمرار انتقال السكان عبر الحدود بين الكونغو وأوغندا يزيد من خطر انتشار الفيروس إقليمياً، داعية إلى تعزيز المراقبة الصحية في المعابر الحدودية وتسريع عمليات الفحص والتوعية المجتمعية، لأن الفيروس يتحرك بسرعة تفوق قدرة الاستجابة الحالية في بعض المناطق المتأثرة بالنزاع.
يرى خبراء الصحة العامة أن تجربة الكونغو مع وباء إيبولا خلال الفترة بين 2018 و2020 أثبتت أن الأمن يمثل عاملاً حاسماً في نجاح الاستجابة الصحية. ففي تلك الأزمة أدى العنف ضد المرافق الطبية واستهداف العاملين الصحيين إلى إطالة أمد الوباء وارتفاع أعداد الضحايا، وهو السيناريو الذي تخشى المنظمات الدولية تكراره اليوم في نيزي ومحيطها إذا استمرت الهجمات المسلحة وتعذر وصول فرق الاستجابة إلى السكان.
تؤكد التقارير الإنسانية أن احتواء التفشي في نيزي لن يعتمد فقط على توفير اللقاحات والعلاج، بل يتطلب أيضاً تحسين الوضع الأمني، وضمان وصول الفرق الطبية دون عوائق، وتعزيز ثقة المجتمعات المحلية، لأن استمرار النزاع المسلح يجعل من المنطقة بيئة مثالية لانتشار الفيروس ويهدد بتحولها إلى مركز رئيسي لتوسع الوباء داخل شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية وخارجها.