تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

سقوط بلدة مقوكري بيد حركة الشباب.. قراءة في رمزيتها وتداعياتها

22 يوليو, 2025
الصورة
سقوط بلدة مقوكري بيد حركة الشباب.. قراءة في رمزيتها وتداعياتها
Share

في أحدث فصول تراجع القوات الحكومية الفيدرالية وقوات "معويسلي"، مقابل تصاعد وتيرة هجمات حركة الشباب، سقطت بلدة "مقوكري"، الواقعة شرق محافظة هيران بولاية هيرشبيلى، بيد الحركة في 7 يوليو/تموز الجاري، وذلك بعد شهور من حرب استنزاف ومواجهات عنيفة خاضتها قوات "معويسلي" المنحدرة من عشيرة "حوادلي" في التصدي لهجمات متتالية شنتها الحركة، التي سعت إلى السيطرة على البلدة كخطوة نحو التوسع، واستعادة السيطرة على المناطق التي خسرتها سابقا.

بدأت حركة الشباب محاولاتها للسيطرة على البلدة منذ استيلائها على مدينة آذم بيال في محافظة شبيلي الوسطى، في أبريل/نيسان الماضي، وقد تجلّى ذلك في تحوّل المناطق المحيطة بها إلى ساحة مواجهات شبه يومية بينها وبين مقاتلي "معويسلي"، الذين أبدوا صمودا لافتا. ومع أن الحركة فشلت في تحقيق تقدم حاسم، فإنها لجأت إلى تغيير تكتيكها، من خلال تنفيذ هجمات انتحارية بسيارات مفخخة أعقبتها هجمات برية مكثفة، مكّنتها في النهاية من اختراق دفاعات البلدة والسيطرة عليها.

مقوكري.. رمزية خاصة للمقاومة الشعبية

تحظى بلدة مقوكري بأهمية خاصة مقارنة بسائر المدن والبلدات التي سيطرت عليها حركة الشباب منذ انطلاق هجومها المضاد في فبراير/شباط الماضي، حيث تكمن هذه الأهمية في طبيعة القوات التي كانت تتولى الدفاع عنها، والرمزية التي تمثلها في سياق الانتفاضة الشعبية ضد حركة الشباب، إلى جانب موقعها الجغرافي الحيوي، بوصفها نقطة تقاطع لخطوط الإمداد اللوجستي التي تربط بين عدة مناطق استراتيجية في محافظة هيران.

أكسب مقتل الشيخ علمي هجر، أحد أبرز شيوخ العشيرة، أثناء قيادته لمقاتليها في مواجهة حركة الشباب قبل ثلاث سنوات، الانتفاضة المسلحة لعشيرة حوادلي رمزية خاصة، وبُعدا عاطفيا في الذاكرة الجمعية للعشيرة، لكونه شكّل منعطفا حاسما في مسارها، ودفع أبناءها إلى الانخراط الواسع في القتال ضد الحركة.

انعكس الغضب الناجم عن مقتل هجر في تفاعل أبناء العشيرة مع الحرب، فقد أدى ذلك إلى تحقيق انتصارات ميدانية سريعة، وانهيار صفوف مقاتلي حركة الشباب، الذين شرعوا في الانسحاب من مناطق عدة، ليس فقط داخل نطاق مناطق العشيرة، بل وأيضا في المناطق المجاورة لها.

تحوّلت مقوكري إلى مركز قيادة رئيسي للمعارك التي تخوضها عشيرة حوادلي ضد حركة الشباب، واحتضنت عدة زيارات رئاسية وأمنية

بعد ذلك، وبدون خطط مسبقة أو استعدادات ميدانية واضحة، وجدت الحكومة الفيدرالية نفسها أمام التقدم الميداني لقوات "معويسلي" من عشيرة حوادلي، فسارعت إلى استثماره وتحويله إلى خطة لتحرير البلاد من قبضة حركة الشباب، مما ساهم في توسيع رقعة العمليات العسكرية، لتشمل مناطق واسعة في وسط وجنوب البلاد، متمكنة من تحرير أجزاء كبيرة منها. غير أن الحركة استعادت لاحقا معظم تلك المناطق خلال هجومها المضاد، نتيجة غياب الخطط العسكرية الواضحة منذ البداية، وضعف تثبيت المكاسب الميدانية.

منذ ذلك الحين، تحوّلت مقوكري إلى مركز قيادة رئيسي للمعارك التي تخوضها عشيرة حوادلي ضد حركة الشباب، واحتضنت عدة زيارات رئاسية وأمنية، كان أبرزها زيارة الرئيس حسن شيخ محمود في مارس/ آذار الماضي. كما اتخذها رئيس جهاز المخابرات السابق، عبد الله محمد علي (سمبلولشي) - المنحدر منها - مقرًا غير رسمي للإشراف على العمليات الميدانية، قبل أن يُقال مؤخرًا من منصبه.

كل هذه العوامل مجتمعة تُبرز البعد الرمزي للبلدة، بوصفها نموذجا لصمود مقاتلي عشيرة حوادلي في مواجهة حركة الشباب، ما يجعل سقوطها حدثًا لافتا ومثيرا، لما يحمله من دلالات على تراجع الحضور العسكري القوي للعشيرة في جبهات القتال، واحتمال فتح المجال أمام تمدد الحركة مجددًا في عمق مناطقها.

اتهامات للحكومة الفيدرالية بخذلان المقاومة

لم يكن سقوط مقوكري شبيها بسقوط المدن والبلدات الأخرى في ولاية هيرشبيلي، حيث كانت القوات الحكومية والمليشيات العشائرية تنسحب منها غالبا دون قتال يُذكر، فقد جاء بعد معارك شرسة، سبقتها أشهر من المواجهات العنيفة المستمرة، سقط خلالها المئات من المقاتلين، بينهم قيادات بارزة، قُتل بعضهم في يوم السقوط نفسه.

أثار سقوط مقوكري غضبا واسعا، ليس فقط في أوساط عشيرة حوادلي، بل أيضا في الشارع الصومالي، بالنظر إلى الكلفة البشرية والمادية الباهظة التي تكبدتها العشيرة في سبيل الدفاع عن البلدة. وقد دفع ذلك بعض السياسيين المنحدرين من العشيرة إلى توجيه اتهامات لاذعة للحكومة الفيدرالية، متهمين إياها بخذلان العشيرة وحرمانها من الدعم المطلوب، وتركها تواجه حركة الشباب بمفردها، دون توفير الإسناد العسكري أو الدعم اللوجستي اللازم الأخرى.

ردا على سيطرة مقاتلي حركة الشباب على البلدة، أكد مديرها محمد عبد معو، أن مقاتلي العشيرة يخوضون القتال منذ ثمانية أشهر بشكل متواصل، دون أن تقدم الحكومة الفيدرالية سوى كميات محدودة من الذخيرة. وأوضح أنهم اضطروا إلى ترك سياراتهم في خطوط المواجهة بعد نفاد الوقود، مما حال دون نقل المصابين، متهمًا مسؤولي الحكومة الفيدرالية بعدم الاستجابة للطلبات المتكررة التي وُجِّهت إلى أكثر من جهة.

وأضاف أن متوسط عدد القتلى من مقاتلي معويسلي خلال الأشهر الثمانية الماضية يقدّر بنحو 16 شخصا يوميا، مشيرا إلى أن هذا التجاهل والتهميش دفعهم إلى التوجه نحو مشاورات داخلية، دون الإفصاح عن تفاصيلها أو عن النتائج المحتملة.

دفع ذلك بعض السياسيين المنحدرين من العشيرة إلى توجيه اتهامات لاذعة للحكومة الفيدرالية، متهمين إياها بخذلان العشيرة وحرمانها من الدعم المطلوب، وتركها تواجه حركة الشباب بمفردها، دون توفير الإسناد العسكري أو الدعم اللوجستي اللازم الأخرى

بدلاً من تلقي الدعم من الحكومة الفيدرالية، حصل مقاتلو العشيرة على مساعدات عسكرية من إدارة الإقليم الصومالي في إثيوبيا، وذلك بعد يوم واحد فقط من سقوط البلدة، في ظل غياب أي رد فعل أو تحرك من جانب الحكومة، مما عمّق مشاعر الإحباط تجاهها، وأثار تساؤلات حول التداعيات المحتملة لترك الساحة مفتوحة أمام أطراف خارجية للتدخل في هذا الخط.

وفي الإمكانات التي تمتلكها الحكومة الفيدرالية، أكد النائب في البرلمان عبد مالك عبد الله، المنحدر من العشيرة ذاتها، أنه كان بوسع الحكومة تقديم الدعم للمقاتلين في أكثر من جانب. لكنها لم تفعل، مشيرا إلى أنها لم توفر لهم حتى ناقلة مياه واحدة، رغم استعراضها، خلال احتفالات ذكرى الاستقلال مطلع يوليو/تموز الجاري، لأكثر من مئتي صهريج مياه، فضلا عن عدد كبير من السيارات المدرعة.

تعكس هذه التصريحات شعورا عميقا بالخذلان من قِبَل الحكومة الفيدرالية تجاه المقاتلين، سواء أكان ذلك نتيجة تهاون مقصود، أو انشغال الحكومة بقضايا أقل أهمية منها، أو حتى بسبب سوء إدارة وضعف أداء الذي تعاني منه البلاد في مختلف الأصعدة، نتيجة غياب آليات فعالة للمحاسبة، سواء تجاه المتقاعسين عن أداء مهامهم أو المتجاوزين في تطبيق السياسات الحكومية.

بغضّ النظر عن جدية القيادة العليا في البلاد في محاربة حركة الشباب، واستثمار انتفاضة العشائر لتحرير المناطق من قبضتها، فإن احتمالية وجود تواطؤ – بطريقة أو بأخرى – من بعض النافذين في دوائر اتخاذ القرار العسكري تبقى غير مستبعدة، لا سيما في ما يتعلق بتقويض الدعم لمقاتلي العشيرة، والذي قد يتمثل في الحد الأدنى منه بالتقاعس عن أداء الواجبات، سواء بعدم تنفيذ المهام المطلوبة أو بالتأخر في اتخاذ القرارات الحاسمة في الوقت المناسب.

التداعيات المحتملة لسقوط مقوكري

مع الصدمة والإحباط الذي خلّفه سقوط مقوكري، تبرز جملة من التداعيات الأمنية والسياسية المحتملة، من بينها احتمال أن تتخذ حركة الشباب من البلدة قاعدة انطلاق للتوسع في مناطق أخرى تابعة للعشيرة، مستفيدة من حالة الانهيار المعنوي والتراجع في صفوف المقاتلين، ولا سيما بعد مقتل عدد كبير من القادة الميدانيين لقوات "معويسلي" خلال الأشهر الماضية.

إلى جانب ذلك، قد يدفع هذا التطور بعض القيادات المحلية إلى إعادة النظر في اعتمادها على الحكومة الفيدرالية، والتفكير في التوجّه نحو دول الجوار – وخاصة إثيوبيا التي تتاخم مناطق العشيرة على حدودها– طلبا لدعم عسكري مباشر، في ظل شعورها بأن مقديشو تخلّت عنها في معركتها المصيرية والوجودية.

تطورات العلاقة بين مقديشو وأديس أبابا، والمتمثلة في انهيار المفاوضات بينهما، قد تفضي إلى إعادة إنتاج التوتر بين البلدين، وتُسهم في تعميق حالة الاستقطاب الإثيوبي داخل الساحة الصومالية،

يعزّز هذا الاتجاه ما أوردته تقارير إعلامية عن زيارة علي جيتي عثمان، القائد الروحي لقوات "معويسلي"، إلى إقليم الصومال الغربي في إثيوبيا، سعيا للحصول على دعم لشنّ هجوم مضاد على حركة الشباب واستعادة المناطق التي خسرتها قواته. كما أن تطورات العلاقة بين مقديشو وأديس أبابا، والمتمثلة في انهيار المفاوضات بينهما، قد تفضي إلى إعادة إنتاج التوتر بين البلدين، وتُسهم في تعميق حالة الاستقطاب الإثيوبي داخل الساحة الصومالية، من خلال توظيف الكيانات المحلية كأوراق ضغط على الحكومة الفيدرالية في سياق صراعها السياسي مع مقديشو.

وأيضا، من بين التداعيات التي قد تترتب على هذا التطور، لجوء العشيرة إلى البحث عن تفاهمات مع حركة الشباب، على غرار ما فعلته عشائر أخرى سابقا، بما قد يفضي إلى تمكين الحركة من السيطرة على مناطقها، وذلك كرد فعل على الخذلان من الحكومة الفيدرالية وحرمانها من الدعم اللازم لمواصلة المواجهة. وفي هذا السياق، حذّر الوزير السابق عبد الله جوذح برى، المنحدر من العشيرة من حدوث هذا السيناريو، مشددا على أن تجاهل الحكومة لخطورة الوضع وعدم تقديمها الدعم السياسي والعسكري الكافي - بدءا بتعيين شخصيات من أبناء العشيرة في مواقع اتخاذ القرار ذات الصلة بالعمليات العسكرية - قد يؤدي إلى مفاجآت غير محسوبة العواقب.

عموما، لا يُعد سقوط مقوكري خسارة جغرافية فحسب، بل يُشكل ضربة قاسية للروح المعنوية لمقاتلي العشيرة، إذ كانت معنوياتهم المرتفعة هي الدافع الأساسي لاستمرارهم في القتال، بما مثّلته من مصدر تعبئة وحشد لأبناء العشيرة، إيمانا منهم بحقهم في الدفاع عن مناطقهم وشعورهم بالفخر بذلك، وبالتالي فإن تراجع هذه الروح قد يُفضي إلى ضعف في قدرتهم على الصمود وتقليص فرصهم في مواصلة المقاومة.