تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 19 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

صنع في إثيوبيا.. وعود كبرى وعدالة ناقصة

19 أبريل, 2026
الصورة
صنع في إثيوبيا.. وعود كبرى وعدالة ناقصة
Share

غالبا ما تقوم صناعة الملابس العالمية بنقل عمالتها إلى البلدان التي تكون فيها الأجور منخفضة. وقد أدى هذا النموذج إلى انتشار المناطق الاقتصادية الخاصة عبر بلدان الجنوب العالمي بما في ذلك إثيوبيا، حيث تعد المجمعات الصناعية محورا أساسيا في استراتيجية النمو الاقتصادي للدولة. يجري تقديم هذه المجمعات بوصفها محركات للنمو، إذ تعد بتوفير فرص العمل وزيادة الصادرات وتحقيق التحول الصناعي.

كنتُ أقف، قبل عقد من الزمن، وسط حشد من السكان المتحمسين عند افتتاح مجمع "هواسا" الصناعي، الذي أصبح يعرف اليوم باسم منطقة هواسا الاقتصادية الخاصة. وقد شُيد هذا المشروع بتمويل صيني تجاوزت كلفته 250 مليون دولار، واعتبر حينها الأكبر في أفريقيا. عبَّر رئيس الوزراء خلال حفل الافتتاح، آنذاك، هايلي مريم ديسالين، بثقة عن طموح تحويل إثيوبيا إلى مركز صناعي، وكان الجو العام مشبعا بالأمل.

مثل كثير من الشباب، تصوّرتُ وظيفة مستقرة، وأجرا مرتفعا واكتساب مهارات جديدة. غير أن الصورة اليوم تبدو أكثر تعقيدا. فقد أصبحت المجمعات الصناعية فضاءات تتقاطع فيها مصالح المستثمرين والعمال والمجتمعات المحلية والدولة، وغالبا ما تتصادم. هذه التوترات لا تقتصر على هواسا وحدها، وقد رأيتها مؤخرا تتجلى بوضوح في الفيلم الوثائقي "صُنع في إثيوبيا" الذي يركّز على المنطقة الصناعية الشرقية.

يستكشف الفيلم، الذي أخرجه شينيان يو وماكس دنكان عام 2024 وحاز جوائز، العلاقة المتوترة بين النمو الصناعي السريع والتقاليد المحلية والحياة الشخصية. وقد أنشئت المنطقة الصناعية الشرقية عام 2009، على بعد نحو 35 كيلومترا جنوب أديس أبابا، ووفرت أكثر من 20 ألف فرصة عمل. يمثل ذلك بالنسبة للبعض، دخلا جديدا وفرصا واعدة، لكن بالنسبة لآخرين، يعني فقدان الأرض وحدوث اضطراب عميق في نمط حياتهم.

إن القضية التي يطرحها الفيلم ليست فقط ما إذا كانت المجمعات الصناعية تخلق فرص عمل، بقدر ما يتعلق بالكيفية التي تُوزَّع مكاسب التنمية وخسائرها. من المستفيد؟ ومن يدفع الثمن؟ لا يقدم الفيلم إجابات سهلة، لكنه يبيّن بوضوح أن النتائج شديدة التفاوت.

المشكلة ليست في التصنيع ذاته، بل في النموذج الذي يجعل بعضهم يربحون فيما يُقتلع آخرون من شروط عيشهم

يفتتح الفيلم بمشاهد قوية تمزج بين القديم والجديد: ألعاب نارية تضيء السماء خلال حفل زفاف، وأغانٍ تقليدية تُصدح في الأجواء. امرأة إثيوبية تتزوج من شريك صيني.

بعد الاحتفال، ينتقلان إلى المنطقة الصناعية الشرقية، حيث يصبح الرمز واضحا؛ ثقافتان تلتقيان داخل فضاء تصوغه قوى رأس المال العالمي.

تتقاطع في الفيلم حكاية ثلاثة نسوة: "موتو" مديرة مصنع صينية تحاول الحفاظ على استمرارية الإنتاج في بيئة صعبة؛ و"بيتي" عاملة إثيوبية شابة تقضي يومها في خياطة سراويل الجينز التي تحمل عبارة "صُنع في إثيوبيا"؛ و"وركينش" فلاحة وأم مهددة بفقدان أرضها وسبل عيشها بسبب توسع المنطقة الصناعية.

يكشف الفيلم من خلال هذه القصصة الثلاثة، هشاشة الأساس الذي تقوم عليه عملية التصنيع في إثيوبيا. يوفر العمل في المصنع بالنسبة لـ"بيتي" دخلا لكنه محدود الأمان وفرص الترقي. أما بالنسبة لـ"موتو، فإن متطلبات الإنتاج العالمي تفرض كفاءة وتوسعا مستمرين، غالبا على حساب ظروف العمال. وبالنسبة لـ"وركينش" تصل التنمية في صورة تهجير.

هذه ليست قصصا منفصلة بقدر ما هي نتائج متوقعة لنموذج تنموي قائم على العمالة الرخيصة وأراض متنازع عليها. تجسد ذلك لحظة لافتة في الفيلم بوضوح: رجال أعمال صينيون يصفون المشروع بأنه "مربح للطرفين"، بينما يحتج الفلاحون على اقتلاعهم من أراضيهم.

خلف شعار "صُنع في إثيوبيا" تقف أسئلة معلقة عن العدالة والعمل والأرض

هذه التوترات ذات طبيعة سياسية عميقة، وفي إثيوبيا لا تعد الأرض مجرد مورد طبيعي، وإنما لها ارتباط وثيقٌ بالقيم الاجتماعية والممارسات الثقافية والسلطة السياسية. وقد ظلت مسألة الأرض في صميم الصراع السياسي، منذ شعار ثورة 1975 "الأرض لمن يفلحها"، وصولًا إلى النقاشات الحديثة حول ما يُعرف بـ"الاستيلاء على الأراضي".

صحيح أن خطاب "المنفعة المشتركة" يبدو مقنعا، لكن الواقع أكثر اختلالا بكثير. فالأرض هنا ليست مجرد أصل اقتصادي، بل هي مصدر للعيش وهوية وروحانية وأمان. وخسارتها لا يمكن تعويضها بسهولة عبر وظائف منخفضة الأجر في المصانع.

يأتي فيلم "صُنع في إثيوبيا" في لحظة تواجه فيها الاستراتيجية الصناعية للبلاد تحديات كبيرة. فالحروب في تيغراي وأمهرة وأعمال العنف الإثني وأزمة العملة الأجنبية كلها عوامل عطلت سلاسل التوريد، وأثرت على ثقة المستثمرين. كما أن الصدمات العالمية، مثل: تعليق عضوية إثيوبيا في قانون النمو والفرص الأفريقية (AGOA) وجائحة كوفيد-19، ألحقت أضرارا جسيمة بالقطاع الصناعي، خصوصا صناعة الملابس.

مع ذلك، تواصل الحكومة تقديم المجمعات الصناعية باعتبارها الطريق إلى المستقبل. دون اتخاذ موقف صريح، يدعو الفيلم المشاهدين إلى التساؤل: هل يمكن لهذا النموذج أن يحقق وعوده في ظل هذا التوزيع غير المتكافئ للتكاليف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية؟

ما أثر في أكثر في هذا الفيلم هو تركيزه على أصوات النساء. فالنقاشات حول المجمعات الصناعية غالبا ما تنحصر في أرقام الاستثمار والصادرات ونقل المعرفة، بينما نادرا ما توضع حياة من يديرون الآلات في قلب السرد.

في إثيوبيا، لا تأتي التنمية دائمًا في صورة فرصة؛ أحيانًا تأتي في صورة تهجير

في هذا السياق، يقدم الفيلم مساهمة مهمة، إذ يمنح صوتا لثلاث نساء يعشن لحظة تحول في مسار التنمية الإثيوبية. وهذه بلا شك أعظم نقاط قوة الفيلم. فهو لا يتحدث بلغة مجردة عن التصنيع أو التقدم بل يُظهر كيف تنعكس هذه المفاهيم الكبرى في حياة أشخاص حقيقيين: مديرة تحت ضغط تحقيق الأهداف، وشابة تسعى لبناء مستقبلها من خلال العمل في المصنع، وفلاحة تكافح لحماية أرضها وأسرتها.

مع ذلك، لا يخلو الفيلم من محدوديات، فرغم تقديمه لقصص شخصية مؤثرة، فإنه يغفل إلى حد كبير وجهات نظر الباحثين وصناع السياسات، مما يترك المشاهد دون سياق تحليلي أعمق. وكان من الممكن أن يعزز إدراج أصوات الخبراء قيمة الفيلم عبر ربط تجارب النساء بأنماط عالمية أوسع.

ومع ذلك، يبقى "صُنع في إثيوبيا" فيلما في توقيته المناسب. فهو يكشف عن مستقبل غير محسوم في قلب المشروع الصناعي الإثيوبي، ويطرح أسئلة لا تزال دون إجابة: هل يمكن أن تصبح وظائف المصانع مستقرة وتوفر حياة كريمة؟ هل يمكن تعويض الفلاحين المهجرين بشكل عادل؟ هل يمكن أن يتعايش النمو الصناعي السريع مع العدالة الاجتماعية؟

في تقديري، هذه الأسئلة لا تخص صانعي السياسات وحدهم، بل كل من يهتم بمستقبل إثيوبيا. فالتصنيع ليس مجرد بناء مصانع أو جذب استثمارات، بل يتعلق بكيفية توزيع منافع التنمية وأعبائها. ليست القضية ما إذا كان ينبغي لإثيوبيا أن تُصنّع، بل كيف يمكنها أن تفعل ذلك بطريقة تحمي العمال، وتحترم المجتمعات، وتحقق نتائج أكثر عدالة. لا يقدّم الفيلم إجابة نهائية، لكنه يجبرنا على طرح السؤال بقدر أكبر من الصدق.