الثلاثاء 9 ديسمبر 2025
توفي الروائي المصري صنع الله إبراهيم (1937-2025) في أغسطس/آب الجاري مخلفًا وراءه إرثًا روائيًا ثريًا ومتنوعا من حيث الأساليب والقضايا، وقد عزز ذلك حياة شخصية دائبة، وتنقلات دائمة بين أحياء القاهرة، وسجون مصر، وشوارع بيروت أو برلين أو سان فرانسيسكو لأغراض مختلفة، من أبرزها الاحتفاء بواحد من أهم الروائيين المصريين في فترة ما بعد نجيب محفوظ.
وما عمق أثر إرث صنع الله اتساق مبادئه وتطابقها مع كتاباته بشكل تام؛ فالرجل الذي ثار شيوعيًا وهو شاب ضد سلطة غاشمة أو ظلم اجتماعي بائن، ثار قبل عقدين في محفل شهير عند تسليم الروائي السوداني الطيب صالح له جائزة الرواية العربية (2003)، وأعلن رفضه للجائزة وفق حيثيات منها نقد نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وتمادي إسرائيل في عدوانها، وكذا الغزو الأمريكي للعراق في العام نفسه. كما أنه ظل بشوشًا، وحالمًا بهدوء ملامحه الواضح، يلقي نصف ابتسامة طيبة لمن يطيل النظر له في شوارع وسط القاهرة هاتفًا: نعم، أنا صنع الله إبراهيم؛ الذي واجه قبح السلطة في ذروة عنفوانها، وغلبة سردياتها لتبرير الهزائم، أو تمرير الخوف.
أفرد البروفيسور البريطاني بول ستاركي، المتخصص في الأدب العربي وترجمته وصاحب واحدة من أبرز الموسوعات الحديثة حوله، كتابًا مهما حول صنع الله إبراهيم، بعنوان دال "صنع الله إبراهيم: متمرد (مسلح) بقلم" Rebel with a Pen (2016)، الذي وصفه رشيد العناني في مقدمته الوجيزة "بأحد أهم الروائيين المصريين في فترة ما بعد نجيب محفوظ"، الذين كانوا ليحظوا باهتمام أكبر في زمنهم (عقد الستينيات الفائت) لولا سطوة حضور الأخير على مجمل المشهد.
قدم ستاركي فصلًا ثانيًا بديعًا عن سيرة صنع الله منذ مولده عام 1937، ثم مشاركته في سن مبكرة في مظاهرات يناير/كانون الأول 1952 التي سبقت وقوع ثورة يوليو/ تموز بزخمها وتناقضاتها، ثم مآلاتها التي رافقت مشروعه الأدبي حتى وفاته في 13 أغسطس/ آب الجاري. تلمس ستاركي أثر ظروفه العائلية بعد وفاة والده عام 1955، وتركه وحيدًا منعزلًا عن بقية إخوته غير الأشقاء، على الانخراط بقوة في النشاط السياسي وتنقله وحيدًا، بين مقار سكن عديدة من بينها شقة لأسرة يهودية كانت تستعد لمغادرة مصر، وعمله مترجمًا من الإنجليزية إلى العربية في مجلة سوفياتية، وبدأ في اعتناق الأفكار الشيوعية بشكل أكثر علنية بمرور الوقت، وبالتزامن مع اعتقاله المتكرر بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي.
توحي بدايات صنع الله بتلصص طفل، كبر أم صغر، على حياة مرتبكة ومعقدة، ومحملة بقسوة غير مبررة، وبنزوع نحو سلطة قبيحة، تلتهم قيم الحرية والعدل والمواطنة يومًا بعد آخر
كانت نقطة التحول الرئيسة في حياة صنع الله في 1 يناير/ كانون الثاني 1959 عند شن عبد الناصر حملة ضخمة ضد اليسار المصري، واعتقال كوادره في سجن القلعة الشهير، مما أتاح له –حسب تعبيره- حرية أكبر للاطلاع على أعمال كتاب كبار مثل: طه حسين وإبراهيم المازني، وكذلك الكاتب الإنجليزي روبرت جريفس R. Graves وخاصة مؤلفه I' Claudius (1934)، الذي يبدو أن صنع الله قد تأثر به أيما تأثر في كتاباته الغزيرة اللاحقة، ويبدو من أوجه هذا التأثر الجمل القصيرة والجنوح إلى التلاعب بادعاء ذكر الحقائق المجردة مع إحكام بناء واعٍ تمامًا لنقل أفكار المؤلف ورسائله كاملة نهاية المطاف.
تمثل ذلك بشكل واضح في رواية صنع الله الشهيرة "ذات" (1992) التي كرس فيها مساحات كبيرة لذكر نصوص مواد إعلامية متنوعة مجردة، ودالة على تغيرات اجتماعية حادة شهدها المجتمع المصري وصولاً إلى حرب الخليج (1990). خرج صنع الله من دائرة الترحيلات المتكررة للسجون المصرية من الواحات للإسكندرية للقناطر الخيرية لأبي زعبل بعد وفاة الشيوعي البارز شهدي عطية (الذي كان صنع الله على صلة وثيقة بها حركيًا وإنسانيًا)، وما وصفه ستاركي من انزعاج عبد الناصر من الحادث ومطالبته بالتحقيق فيه، لاسيما مع إثارة رفيقه الزعيم اليوغسلافي جوزيف تيتو للمسألة معه.
توحي بدايات صنع الله بتلصص طفل، كبر أم صغر، على حياة مرتبكة ومعقدة، ومحملة بقسوة غير مبررة، وبنزوع نحو سلطة قبيحة، تلتهم قيم الحرية والعدل والمواطنة يومًا بعد آخر، وبواجهات متباينة تشترك بالضرورة في روحها القامعة والكارهة للتفرد وحرية الرفض.
صدرت رواية "أمريكانلي" (2003) فيما كان العالم يواجه أزمة الغزو الأمريكي للعراق، ودلت التسمية التي تشوبها لمحة مصرية دارجة لوصف الشخص الأمريكي أو المتأمرك. وحملت بذكاء حكاية أستاذ للتاريخ يتوجه للتدريس لمدة وجيزة في "معهد التاريخ المقارن" في سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة، ويختلط هناك بمجموعة بالغة التنوع إثنيًا وأيديولوجيًا ودينيًا، ويمرر عبر محاوراته الدراسية معهم.
بذكاء بالغ عرض صنع الله مسألة تاريخية إشكالية في الفصل الثامن من الرواية، وهي جدل بشأن كتاب المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل "الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية"، وجدوى دراسته في مقرره الخاص بالتاريخ (وليس الاقتصاد كما نادى بعض طلابه)، والذي يشمل جانبًا منه عرض سيرة حياته (ونضاله) ربما كحالة دراسة أو تطبيق لإفادة الطلاب. وطرح صنع الله رأيه- راويًا بطبيعة الحال- بأنه لا يتفق مع بعض أطروحات بروديل (ت. 1985)، ولاسيما مبالغته في الدور الحضاري لفرنسا في أفريقيا، وتجاهل عمليات النهب المنهجية التي قامت بها لدول القارة (وكذلك في آسيا وأمريكا اللاتينية)، قبل أن يقرر، حقنًا لتمرد طلابه، الاكتفاء بفرض قراءة جزء واحد من عمل بروديل بدلا من الأجزاء الثلاثة.
عرج صنع الله في محاوراته، العميقة والقائمة على درس تاريخي حقيقي، على مسألة الرق في أفريقيا؛ وامتداداته الحديثة، حسب آراء عدد من الطلاب، في مجتمع الولايات المتحدة المعاصر (أي بحق مجموعات الأفروأمريكيون). وكرس لذلك الفصل الثاني عشر من الرواية. وبدأه بمناقشة أحد الطلاب لأطروحات وردت في كتاب حديث في وقته بعنوان "آلاف من السنين التي انصرمت: القرنان الأولان للعبودية في أمريكا الشمالية" 1998))، خلاصتها أن "الرق أمر مصطنع، وأن الديمقراطية الأمريكية أوفت بوعودها التي وردت في إعلان الاستقلال الأمريكي". ولفت آخر إلى أن هذا الإعلان نص على أن المساواة "لا تنطبق على السود"، ولفتت طالبة إلى وجود "عنصرية معاكسة" في المجتمع الأمريكي (باعتبار أن الأصل هم البيض، وأن الأفارقة دخلاء عليه): "فبعضهم (السود) يزعم أن العرق الأسود يتفوق على الأبيض الذي يعجز عن توليد الكروموسومات الملونة للجلد، وأن هذا العجز يؤثر سلبيًا على النمو الدماغي للبيض!". ولفتت طالبة أخرى إلى ضرورة عدم اعتبار الغرب الاستعماري وحده المسؤول عن تجارة الرقيق "في حين أن ممالك وإمارات غرب ووسط أفريقيا تتحمل نفس القدر من المسؤولية، (وأن) القبائل المحلية وشيوخها كانوا يختطفون أبناء جلدتهم، ويسلمونهم لتجار العبيد" .
لا يتفق مع بعض أطروحات بروديل، ولاسيما مبالغته في الدور الحضاري لفرنسا في أفريقيا، وتجاهل عمليات النهب المنهجية التي قامت بها لدول القارة
تلقف صنع الله هذه الرؤى، أو أعاد صياغة بعضها في واقع الأمر، ليقفز إلى تقديم نقد ذاتي للتجربة القومية الناصرية، عبر تناول أطروحات الجغرافي المصري جمال حمدان المختلفة، ومن بينها رؤيته للثورة المصرية وفق آراء "ساذجة" قد "راجت في فترة الخمسينيات وبداية الستينيات عن خصوصية الثورة المصرية، وكيف أنها تختلف عن الفرنسية التي ظلت طبقية رأسمالية (في رأي حمدان)، والروسية التي أخذت بديكتاتورية الطبقة العاملة، وأنها (أي المصرية) ثورة كل فئات الشعب العاملة ضد كل من الإقطاع والبورجوازية على حد سواء، وهي لا طبقية تذيب الفوارق بين الطبقات، وتأخذ بالديمقراطية الثورية ولا تنكر الرأسمالية الفردية.
مثلت السينما ملمحًا مهمًا في تجربة صنع الله إبراهيم النضالية والإبداعية؛ فقد قدم سيناريو لفيلم وثائقي بعنوان "النيل مآسي" (2016)، وضع خطوطه عام 1994 بتكليف من شركة صورة (Image) الفرنسية للإنتاج السينمائي، ضمن مشروع الأخيرة لإنتاج أفلام وثائقية عن أهم عشرة أنهار في العالم، وبالاتفاق مع القناة الثانية الفرنسية. وتقرر تكليف المخرجة المصرية أسماء البكري (ت. 2015) بمهمة إخراج العمل حسبما أكد صنع الله في تقديم الكتاب. وتأتي أهمية الكتاب، الذي لم يترجم إلى صورة مرئية في واقع الأمر لخلافات رؤيوية بين صنع الله والبكري، في أنه قدم ملاحظات هامة للغاية حرص صنع الله على تدوينها خلال رحلاته في دول حوض النيل بغرض وضع سيناريو الفيلم (1994).
لم يخل السيناريو من حس صنع الله الراديكالي، وهو الكادر الشيوعي الذي لم يلن في توفيق أفكاره مع متغيرات الحياة اللاهثة لاحقًا، فقد أشار لعدد من زعماء القارة بلهجة ناقدة للاستبداد والجنوح لغلبة المقاربة البوليسية، مثل الأوغندي (أبوللو ميلتون) أوبوتي، ثم عيدي أمين "الرقيب السابق في جيش الإمبراطورية التي غربت عنها الشمس"، والذي أطلق "عصاباته تنهب وتغتصب وتضرب حتى الموت 300 ألف أوغندي، بينما أمتع الصحافة العالمية بتصريحاته عن قواه الجنسية، عارضًا خدماته في هذا الصدد على ملكة بريطانيا"، في سلوك لا ينفصل عن تصريحات آنية لعدد من قادة الدول الأفريقية، انتهى بهم الحال إلى السقوط على يد قوى غربية مدعومة بأطراف إقليمية.
أورد صنع الله مشهدًا ناقدًا للسلطوية العربية التقليدية؛ كما في تجربة تصفية الرئيس جعفر النميري للحزب الشيوعي السوداني، بعد وصول الأول للسلطة عام 1969 "بعد انقلابات عسكرية متتالية"، فبرز بعد سنتين (1971) وهو يتابع (وزجاجة ويسكي لا تفارق يده وفمه) التصفية الجسدية لزعماء الحزب الشيوعي، الذي كان أكثر الأحزاب العربية جماهيرية".
بأي حال، فإن صلة صنع الله بالسينما، التي يبدو أنه عشقها حتى النخاع، لم تنقطع، ويبدو ذلك من قدرته على التصوير بلغة واصفة فاتنة ومعبرة بصريًا بشكل واضح، كما تجلى ذلك في روايته "العمامة والقبعة" (2008)؛ التي تناولت الحياة في القاهرة، وتشابكاتها في فترة الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801)، وأشار صنع الله في الصفحتين الأخيرتين من العمل إلى ما وصفه "بمصادر الحملة الفرنسية"، وكان من بينها فيلم المخرج المصري "وداعًا يا بونابرت".
تتقاطع "العمامة والقبعة" مع روح "وداعًا يا بونابرت" بشكل لا تخطئه عين، وربما تشير – تخمينًا- لصلة ما بين العملين (الفيلم والرواية، أو الرواية والفيلم)، وفكرة مناقشة هوية مصر وفق ثنائية مثيرة للجدل: المقاومة الكاملة، أو التقرب من الفرنسيين للتعلم منهم ثم الانعتاق (شخصية الشاب علي وعلاقاته بالفرنسيين وتقاطعها مع المقاومة الوطنية)؛ أو نص العمامة والقبعة أو خيار التقليد أم التحديث حسب الدلالة الرمزية للعنوان.