أطلق المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا، الدكتور محمد يعقوب جنابي، تحذيرا شديد اللهجة بشأن تفشي مرض الإيبولا الحالي في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا، مؤكداً أن الاستهانة بخطر انتشار هذا الفيروس ستكون خطأً استراتيجياً فادحاً. تأتي هذه التحذيرات الصارمة في وقت رفعت فيه المنظمة الدولية تقييمها للمخاطر إلى مستوى "مرتفع جداً على المستوى الوطني" في الكونغو، و"مرتفع إقليميا" في الدول المجاورة، بينما لا يزال التقييم منخفضاً على المستوى العالمي حتى الآن.
تتركز المخاوف الحالية للأوساط الطبية حول حقيقة أن هذا التفشي يعود إلى سلالة "بونديبوغيو" النادرة نسبياً من فيروس الإيبولا، وتكمن خطورتها الأساسية في عدم توفر أي لقاح مرخص أو علاج نوعي معتمد لها حتى اللحظة، على عكس سلالة "زائير" الشهيرة التي تمتلك المنظمة الطبية لقاحات مجربة وفعالة ضدها. هذا الفراغ العلاجي يضع الكوادر الطبية في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع المرض، ويعزز من مخاوف خروج الوضع عن السيطرة في حال اتساع رقعة العدوى.
ما يزيد المشهد تعقيدا هو طبيعة المنطقة الجغرافية التي يدور فيها التفشي، حيث تشهد الحدود المشتركة بين الكونغو الديمقراطية وأوغندا حركة نزوح مكثفة وتنقلات بشرية يومية غير منتظمة، مما يرفع احتمالية انتقال الفيروس عبر الحدود بسرعة البرق. وقد انتقد المسؤول الأممي غياب الانتباه الدولي الكافي، وتراجع الزخم الإعلامي الموجه لهذه الأزمة مقارنة بأوبئة أخرى متزامنة، مشددا على أن حالة مخالطة واحدة غير مكتشفة كفيلة بوضع الإقليم كاملا في دائرة الخطر المباشر.
وفقا لأحدث المؤشرات الوبائية الصادرة عن وزارة الصحة الكونغولية، تشير الأرقام إلى تسجيل ما بين 670 و750 حالة مشتبه بها، من بينها وفيات تتراوح بين 160 و177 حالة، في حين تأكدت مخبريا 82 إصابة في الكونغو وحالتان في أوغندا. وتواجه فرق الاستجابة الميدانية معضلة لوجستية كبرى تتمثل في صعوبة تحديد "المريض رقم صفر" لتتبع الخريطة الكاملة للمخالطين وعزلها، وهو أمر أساسي لكسر حلقة العدوى وحصر الوباء في غلافه الجغرافي الحالي.
إلى جانب العقبات البيولوجية، تصطدم جهود احتواء المرض باضطرابات أمنية مستمرة في شرق الكونغو، فضلاً عن انتشار الشائعات المحلية التي ولّدت مقاومة مجتمعية شديدة بلغت حد إحراق بعض خيام العلاج والتحصين. ويتطلب الموقف الراهن تدخلاً إقليمياً ودوليا عاجلا يتجاوز الدعم الطبي التقليدي ليشمل تأمين الفرق الطبية، وبناء جسور الثقة مع المجتمعات المحلية، وتكثيف الرقابة الحدودية لضمان عدم تحول هذا التفشي إلى كارثة صحية عابرة للقارة.