تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 21 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

عسكرة اللسان: كيف أعادت الحرب صياغة القاموس اليومي في السودان؟

8 أبريل, 2026
الصورة
عسكرة اللسان: كيف أعادت الحرب صياغة القاموس اليومي في السودان؟
Share

في السودان، لم تقتصر تداعيات الحرب على مناطق النزاع فقط، بل امتدت إلى اللغة اليومية، حيث أخذت المفردات ذات الطابع العسكري تتسلل تدريجيًا إلى خطاب المدنيين، بينما أُعيد توظيف كلمات أخرى لتواكب واقعًا عنيفا وغير مستقر. لم يكن هذا التحول عابرًا، بقدر ما يعكس نمطًا أعمق من"عسكرة اللغة"، حيث تصبح المفردات جزءا من تجربة العنف، لا مجرد وسيلة لوصفه.

يشير باحثون في علم اللغة الاجتماعي إلى أن المجتمعات التي تعيش نزاعات ممتدة تميل إلى تطوير أنماط لغوية جديدة، سواء عبر إدخال مصطلحات عسكرية في الحياة اليومية أو إعادة تأطير الأفعال العنيفة بكلمات أقل حدّة. في السودان، يتقاطع هذا المسار مع تقليد راسخ من الابتكار الشعبي، ما أنتج ما يشبه "معملًا لغويًا" مفتوحًا تُصاغ فيه الكلمات بسرعة لافتة، وتُختبر في التداول اليومي.

من ساحات القتال إلى حديث الشارع

مع استمرار النزاع، لم تعد مصطلحات مثل: "البل" و"الجغم" حبيسة سياقها القتالي، بل انتقلت إلى الاستخدام اليومي لتشير إلى الغلبة أو الحسم في سياقات متعددة. هذا التمدد يعكس ظاهرة "انتقال المعنى"، حيث تنفصل الكلمة عن سياقها الأصلي، وتكتسب دلالات أوسع بفعل التكرار.

تظهر تقارير أن هذه المفردات تسربت من خطاب المقاتلين إلى القاموس العام عبر التفاعل اليومي ووسائل التواصل، لتصبح جزءًا من لغة الحياة، بما يعكس تداخلًا متزايدًا بين المجالين العسكري والمدني.

التمويه والسخرية

بالتوازي مع عسكرة المفردات، برز نمط لغوي يقوم على التمويه والإزاحة، يعكس ما يمكن وصفه بـ"المنطق الخاص" للعقل اللغوي السوداني؛ ذلك الذي لا يكتفي بنقل المعنى، بل يعيد اختراعه. ففي هذا "المعمل" المفتوح، لا تُشتق الكلمات من الواقع مباشرة، بل تُحوَّل عبر الاستعارة والتهكم والربط غير المتوقع.

تمثل تعبيرات مثل: "ضربتها مسيّرة" للإشارة إلى مرض الملاريا، أو استخدام "اشتباك" لوصف مواقف وجبة طعام سريعة (فتة العدس)، جانبًا من هذا النمط. لكن الأمر يتجاوز ذلك إلى مستويات أكثر تركيبا حين يُقال إن شخصًا "كبّ الرز" في ذلك إشارة إلى الهروب. وعند وصف صراع محتدم، يُقال إن "الجماعة حتوهو قرض"، في إحالة إلى نبات مُرّ الطعم يُستخدم في العلاج، بما يحمله من إيحاء بالقسوة والمرارة.

اللغة هنا لا تختصر الواقع فحسب، بل تعيد إنتاجه في صيغة رمزية، تجعل من الكلمة حاملة لذاكرة جماعية، لا مجرد أداة تواصل

حتى الألوان لا تسلم من هذا المنطق، إذ تُربط بالطعام، كما في وصف "اللون الحرجلي"، و"البصلي" في مزج بين الحس البصري وتجربة الحياة اليومية. قديماً كان لسيدة سودانية فاتنة نصيب من هذه التوصيفات حين أطلق على اللون الأخضر "الفاتح" لون زينب.

هذا النمط يندرج ضمن ما تصفه أدبيات علم اللغة الاجتماعي باللغة المموهة حيث يُعاد ترميز الواقع عبر صور غير مباشرة، ما يمنح المتحدث مسافة نفسية من الحدث. غير أن الحالة السودانية تضيف بعدًا آخر وهو الابتكار الحر، حيث لا تكون الاستعارة مجرد أداة للتخفيف، بل طريقة في التفكير وإعادة تنظيم العالم لغويًا.

المسرّع اللغوي

إلى جانب ذلك، برزت ظاهرة إعادة تسمية الأفعال العنيفة بمصطلحات محلية أقل حدّة. كلمة "شفشفة"، التي تعني النهب، تُستخدم اليوم بنبرة أخف، أقرب إلى التهكم منها إلى الإدانة المباشرة، ما يعكس محاولة لإدماج الحدث العنيف داخل سياق لغوي قابل للتداول.

تشير أدبيات علم اللغة الاجتماعي إلى أن هذه الظاهرة تمثل آلية للتكيّف، حيث يُعاد تشكيل التجربة لغويًا لتصبح قابلة للتحمّل. وقد لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في تسريع انتشار هذه المفردات، إذ أعادت فئات، لا سيما من الشباب، إنتاجها في سياقات ساخرة أو يومية. ووفق تحليلات في علم الاجتماع السياسي، فإن هذا التداول الكثيف يعكس ما يمكن وصفه بـ"تطبيع لغوي" حيث تصبح مفردات الحرب جزءًا من البنية اليومية للتواصل.

في موازاة ذلك، تكثفت مفردات مثل "دعامة" لوصف أفراد قوات الدعم السريع و"كوز" لوصف منسوبي الحركة الإسلامية السودانية و"طابور"، لوصف الخونة من الطرفين، لتصبح أدوات سريعة لتحديد المواقف والانتماءات.

الحالة السودانية تضيف بعدًا آخر وهو الابتكار الحر، حيث لا تكون الاستعارة مجرد أداة للتخفيف، بل طريقة في التفكير وإعادة تنظيم العالم لغويًا

هذه الكلمات لا تُستخدم بوصفها توصيفات دقيقة بقدر ما تعمل كاختصارات جاهزة، تختزل تعقيد الواقع.وتشير تحليلات لمجموعة الأزمات الدولية إلى أن انتشار هذا النوع من اللغة يعزز الاستقطاب، ويصعّب من إمكانات بناء خطاب جامع في مرحلة ما بعد النزاع.

القاموس المبكر للعنف

تمتد هذه التحولات إلى الأجيال الجديدة، حيث تدخل مفردات مثل: "القصف" و"اللجوء" و"الدمار" إلى قاموس الطفل اليومي. وتشير دراسات إلى أن التكرار المستمر لهذه المفردات قد يسهم في تطبيع العنف، ويؤثر على تصورات الأطفال للعالم وسلوكهم.

لا يمكن قراءة ما يحدث في السودان بوصفه حالة معزولة، بل يندرج ضمن نمط أوسع رصدته دراسات في علم اللغة الاجتماعي، حيث تميل المجتمعات التي تعيش نزاعات طويلة إلى إعادة تشكيل لغتها، إما عبر إدخال مفردات جديدة، أو عبر إعادة توظيف الكلمات القائمة لتستوعب واقعًا يتسم بالعنف. غير أن ما يلفت الانتباه ليس مجرد حدوث هذا التحول، بل الكيفية التي يتم بها: هل تميل اللغة إلى الوصف المباشر؟ أم إلى التخفيف؟ أم إلى إعادة الاختراع؟

في البوسنة خلال تسعينيات القرن الماضي، فرضت الحرب قاموسها على الحياة اليومية بطريقة تكاد تكون وظيفية. مفردات مثل: القناصة و"الحصار" و"الممر الآمن" لم تعد مصطلحات عسكرية محصورة في التقارير، بل تحولت إلى أدوات يومية لتنظيم الحركة والبقاء. كان السكان يحددون مساراتهم وفق "شوارع القناصة"، وهو تعبير يعكس انتقال الكلمة من توصيف ميداني إلى مفهوم مدني مباشر. ومع ذلك، ظلت اللغة هناك أقرب إلى نقل الواقع كما هو، دون انخراط واسع في التحوير أو السخرية، وكأنها تسجل الخطر بدل أن تعيد صياغته.

تشكّل قاموس مختلف أكثر حدّة والتصاقًا بالعنف المباشر في العراق بعد 2003، فكلمات مثل: "مفخخة" و"عبوة" و"سيطرة" (نقطة تفتيش) انتقلت بسرعة إلى التداول اليومي، وأصبحت جزءًا من وصف الحياة العادية. ومع مرور الوقت، خرجت هذه المفردات جزئيًا من سياقها الأمني، لكنها احتفظت بوقعها الثقيل، ما يعكس بيئة ظل فيها العنف مكشوفًا، لا يحتاج إلى تمويه أو استعارة. اللغة هنا لا تخفف الواقع، بل تؤكده.

لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في تسريع انتشار هذه المفردات، إذ أعادت فئات، لا سيما من الشباب، إنتاجها في سياقات ساخرة أو يومية

وأنتجت الحرب في سوريا مزيجا لغويًا يجمع بين الوصف وإعادة التأطير، فظهرت مفردات مثل: "برميل" في إشارة إلى البراميل المتفجرة، و"نزوح" بوصفه حالة جماعية مستمرة، و"تعفيش" للدلالة على نهب الممتلكات. هذه الأخيرة تقترب من حيث بنيتها الدلالية من "شفشفة" في السودان، إذ تعيد تسمية فعل عنيف بلغة أقل مباشرة، في محاولة لاحتوائه أو جعله قابلًا للتداول. هنا، لا تكتفي اللغة بنقل الحدث، بل تعيد ترتيبه داخل إطار أقل صدمة.

وفي فلسطين، يتخذ التحول اللغوي مسارًا مختلفًا، حيث تتداخل العسكرة مع التكثيف الرمزي. كلمات مثل: "حاجز" و "اقتحام" لا تُستخدم فقط بوصفها توصيفات، بل تحمل شحنات تاريخية وسياسية وثقافية مكثفة. اللغة هنا لا تختصر الواقع فحسب، بل تعيد إنتاجه في صيغة رمزية، تجعل من الكلمة حاملة لذاكرة جماعية، لا مجرد أداة تواصل.

ضمن هذا السياق المقارن، تبرز الحالة السودانية بخصوصية لافتة. فبينما تميل لغات النزاع الأخرى إلى الوصف أو المباشرة أو الرمزية، يبدو أن اللغة في السودان تميل إلى شيء آخر: التحوير، والسخرية، والتمويه. لا تُستخدم المفردات كما هي، بل تُعاد صياغتها، وتُحمّل بطبقات من المعنى تتجاوز دلالتها الأصلية. هنا، لا تكون اللغة مجرد أداة لنقل التجربة، بل وسيلة لإعادة تركيبها، والالتفاف عليها، وأحيانًا تفكيكها.

هذا ما يجعلها أقرب إلى "معمل لغوي" حي، تُنتج فيه المفردات بسرعة، وتُختبر في التداول اليومي، ثم تُعدّل أو تُستبدل وفق قدرتها على التعبير عن واقع متغير. في هذا المعمل، لا تأتي الكلمات من أعلى - من المؤسسات أو الخطاب الرسمي- بل من الأسفل، من الشارع، ومن التفاعل اليومي، ومن الحاجة إلى قول ما يصعب قوله مباشرة.

بينما تشترك كل هذه التجارب في أن الحرب تعيد تشكيل اللغة، فإنها تختلف في النتيج، وفي بعض السياقات تصبح اللغة أكثر صلابة ووضوحًا، وفي أخرى، أكثر كثافة ورمزية.

أما في السودان، فتبدو أكثر مرونة ومراوغة، قادرة على احتواء التناقض بين القسوة والسخرية، بين العنف والحياة اليومية. وهنا تحديدًا تكمن فرادة التجربة ليس فقط في الكلمات التي تُستخدم، بل في الطريقة التي تُصنع بها، وتتحرك، وتعيش داخل اللغة.

ما بعد الحرب

تشير الأدبيات إلى أن لغة الحرب لا تختفي، بل تتحول. فهي قد تفقد حدّتها، لكنها تظل حاضرة داخل الذاكرة والخطاب اليومي. في هذا السياق، تبرز أسئلة هل يمكن استعادة لغة مدنية كاملة بعد الحرب؟ هل تُسهم هذه المفردات في تطبيع العنف، أم في احتوائه؟ وهل تمثل السخرية والتمويه أشكالًا من المقاومة، أم مجرد آليات للتكيّف؟ في السودان، لا يمكن فهم الحرب دون فهم لغتها. هذا القاموس المتحوّل لا يعكس ما يحدث فقط، بل يساهم في تشكيله. فالحروب قد تنتهي بتسويات أو توازنات، لكن الكلمات التي تنتجها- نادراً ما تختفي.

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النزاعات الطويلة تترك آثارًا لغوية عميقة، تمتد حتى بعد انتهائها، حيث تبقى المفردات المرتبطة بالحرب جزءًا من الذاكرة الجماعية. لكن ما يختلف من مجتمع لآخر هو درجة انتشار هذه اللغة قدرتها على التحول، ومدى ارتباطها بالثقافة الشعبية. يمكن القول إن كل حرب تنتج قاموسها، لكن ليس كل مجتمع ينتج لغته الخاصة بالبراعة نفسها. في السودان، لا تُستخدم اللغة فقط لوصف الحرب، بل لإعادة تشكيلها، والسخرية منها، والنجاة عبرها، وهنا تحديدًا تكمن فرادة التجربة ليس في الكلمات نفسها بل في الطريقة التي تُصنع بها.

يخبرنا تطور القاموس اليومي في السودان أن المعركة لم تعد تدور في الجبهات فحسب، بل انتقلت إلى الألسنة والبيوت. لقد تحولت اللغة من وصف العنف إلى التعايش معه، ومن رصد الحرب إلى تمويه مرارتها بالفكاهة والرمز. هي "لغة الحرب" بامتياز، لكنها تحمل في طياتها ملامح هوية سودانية صلبة، تعيد اختراع نفسها مع كل تحد، وتجعل من الكلمة ذاكرة جماعية لا تقبل النسيان.