تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 17 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

شظايا أفكار باقية من مراتعِ الصِّبا

5 أبريل, 2026
الصورة
شظايا أفكار باقية من مراتعِ الصِّبا
Share

ناندي طرحتِ عليَّ أسئلة حينما التقيتُ بك. وكل ما التقي بكِ آتى إلى البيت وجعبتي مليئة بأسئلة وجودية وأخرى هوِياتية. ولكن كما تعلمين الكلمات لا تسعفني حين أتحدث معك وجهاً لوجه. لذا دوماً ما أكتب أفكاري عبر النصوص. فالكتابة هي وعاء الفكر وأشبهها بأنثى جريئة كبنت مجذوب تقول كل شيء من دون نفاق، لذا لا يمر يوماً دون أن أحادثها أو أغزلها فكراً.

على ما يبدو لي لم أخبرك يا ناندي، لقد كلّمتني أشانتي ذات يوم حديثًا لا يُنسى، حين كنّا نجلس مع أبو الزيك وتنقا وكوانا. قالت لي بالحرف الواحد "فناءُ الأمة بفناء تراثها وفنّها". ونحن أبناء النهرين، نهر النيل ونهر الكونغو، لا نرضى بضياع ملحمة الشعب الشجاع، ملحمة الحضارة الأفريقية. ثم تحسّست أشانتي خصلاتِ شعرها المدهونة بمغذّيات مصنوعة من أبقار المبا. ومع نسيم المطر أخذ شعرها يرقص، ويتمايل كمزرعة الذرة في مشروع القضارف. دنت مني ودنوتُ منها، فهمست لي للمرة الثانية قائلةً: "لا بديل للحضارة الجنوبية إلا الحضارة الجنوبية".

السودان يزخر بذاكرة عميقة في الوعي الجمعي والقومي، ولا ينقصه إلا أن يصوغ من هذه الذاكرة رؤية فكرية متماسكة، تُعيد للذات السودانية حضورها، وتمنحها قدرتها على الإسهام في الحضارة الإنسانية من موقعها الخاص والمتميز

كان الليل مقمرًا يا سادة، ومعالمه واضحة، كوجهة اشانتي. وأصوات حوافر الخيل الداخلة إلى القرية بعد سفرٍ طويل تمتزج بنباح الكلاب وصياح الديكة. اشانتي كانت بقربي والله على ما أقولُ وكيل كانت المساحة مشبعةً بحنينٍ أنثوي، وفي تلك الحال خفوت في نوماً عميقًا بهيجًا، حتى تجمّد ما تبقّى من كلام معسول في فمي. فصيحتُ على زقزقة الببغاء التي أحضرتها حديثاً من برلين. فلم أجد أحداً بقربي، سواء زوجتي التي تنام على سريرها. ونسمات الشتاء تتسلسل من النافذة المطلة على الزقاق الغربي. وزوجتي كما تفعل دوماً أشعلت بقايا شموع قديمة فجاءني شهوة عارمة للكتابة. فكانت هناك مفردة منذ اليوم الأول من بلوغي سن الرشد تدور في عقلي وهي كلمة "زول".

وبدأتُ أكتب .....

كما تعلمين يا يمامتي السودانيون، من كبيرهم إلى صغيرهم، ومن أحيائهم إلى أمواتهم، يكادون يكونون وحدهم على وجه الأرض الذين يستخدمون مفردة "زول" حتى في خطابهم اليومي. وفي ليال مضت، توقفتُ مليًّا أتأمل هذه الكلمة، وأتفكر فيها بأبعادها الفلسفية والفكرية والفنية والثقافية. وانطلاقًا من مفردة "زول" طرحتُ على نفسي سؤالًا: لماذا لم ننجز في القرن الحادي والعشرين فلسفة ورؤية خاصة بهذا الزول؟ لماذا لا تكون لنا، نحن السودانيين، فلسفة تخصّنا تحت مسمى "فلسفة الزول"؟ فإذا كان للعالم مفهومه عن الإنسان وفلسفته في الإنسانية، فلماذا لا يكون لنا نحن مفهومنا الخاص للزول؟ لتكن الإنسان والإنسانية مفهومًا مشتركًا بين البشر جميعًا، وليكن "الزول" مفهومًا خاصًا بالسودانيين، نتميز به ونأخذ به مقعدنا بين الأمم. بمفهوم الزول، يا زول، وهذه شظايا أفكار باقية فيني منذ مراتع الصبا.

يبدأ نشيدنا الوطني بكلمة "نحن"، وحتى في أحاديثنا اليومية نكثر من ترديدها، غير أننا لم نصغ من هذه الـ "نحن" الأنا السودانية الواعية بذاتها

وقد أطلق الطيب صالح على إحدى أشهر رواياته عنوان "موسم الهجرة إلى الشمال"، وكأنه يقسم العالم إلى فضاءين: حضارة الشمال وحضارة الجنوب. فالشمال هنا يحيل إلى أوروبا، والجنوب إلى أفريقيا. ونحن أبناء حضارة الجنوب، تقدمنا منوط بالحفر في أعماق هذه الحضارة، واكتشاف كنوزها الكامنة. ومن بين تجليات حضارة الجنوب تبرز حضارة "الزول" بما تحمله من خصوصية وثراء. فإن على هذا "الزول" أن يحفر أسطورته الوطنية والفلسفية، ليعيد بناء الذات السودانية على أسس من الوعي والمعنى. فالسودان يزخر بذاكرة عميقة في الوعي الجمعي والقومي، ولا ينقصه إلا أن يصوغ من هذه الذاكرة رؤية فكرية متماسكة، تُعيد للذات السودانية حضورها، وتمنحها قدرتها على الإسهام في الحضارة الإنسانية من موقعها الخاص والمتميز. ولتحقيق ذلك، مفهوم الجندية والتجنيد ينبغي ألّا يقتصر على حمل السلاح وحده، بل يجب أن يتسع ليشمل مجالات الفن والفكر والحضارة والثقافة.

ولتحقيق ذلك، مفهوم الجندية والتجنيد ينبغي ألّا يقتصر على حمل السلاح وحده، بل يجب أن يتسع ليشمل مجالات الفن والفكر والحضارة والثقافة. يا ناندي يبدأ النشيد الوطني السوداني بعبارة: "نحن جند الله، جند الوطن"، فيستحضر صورة الإنسان المحارب، المقاتل الذي يستهين بالموت عند المحن. ولا ضير في أن نكون جندًا لله، ولا ضير في أن نكون جندًا للوطن ولكن العيب أن نحصر ذواتنا في هذا المعنى الضيق للجندية. فالحياة أوسع وأرحب من ذلك، ومعنى الوطن أعمق وأجلّ. ولا يكون الوطن وطنًا بحقّ إلا بتجنيد جنود الفكر، وروّاد الفن، وحملة الأقلام، ورسل الإنسانية. ولن يتحقق هذا إلا بتهيئة مناخ يفتح مدارك الشباب، يجعلهم يدركون أن خدمة الوطن لا تعني فقط أن يكون المرء جنديًا يحمل سلاحًا، بل أن يكون عقلًا مبدعًا، وروحًا خلاقة، وضميرًا حيًّا وعقلاً ناقداً وليس عقلاً ناقلاً. وبهذا نستطيع أن نملك الثقافة الذهنية وننشئ جيلاً ذو رأي لا تابعاً ولا متبعاً. جيلاً يتحاور ولا يتصارع، الكلمة بالكلمة، ومقارعة الحجة بالحجة.

نحن أبناء حضارة الجنوب، تقدمنا منوط بالحفر في أعماق هذه الحضارة، واكتشاف كنوزها الكامنة. ومن بين تجليات حضارة الجنوب تبرز حضارة "الزول" بما تحمله من خصوصية وثراء

كما قلت لكِ يا ناندي يبدأ نشيدنا الوطني بكلمة "نحن"، وحتى في أحاديثنا اليومية نكثر من ترديدها، غير أننا لم نصغ من هذه الـ "نحن" الأنا السودانية الواعية بذاتها. لذلك، ينبغي أن نجنّد جيلًا يصوغ في ضميره الأنا السودانية، والذات الوطنية، والأسطورة الجامعة التي تمنح الوطن معناه المتجدد. فمن دون ذلك ستظل الذات السودانية خاوية من أبعادها الوطنية التي ننشدها. إن المشروع الوطني لا يُبنى من غير مفاهيم فكرية راسخة، وأبعاد فلسفية عميقة، وجماليات فنية وأدبية ترفده بالحياة. وقد بات من الضروري صياغة أسطورة وطنية ملهمة، وتحديث الفكر الإنساني السوداني، والحفر في عمق التراث الشعبي المنسي لاستخراج الأنا السودانية المدفونة تحت غياهب الجهل، وإعادتها إلى فضائها الرحب، نابضة بالوعي والكرامة والإبداع. على الزول أن يفهم ما يحمله معنى اسمه، وعلى كل "زول" أن يجيب عن السؤال الجوهري: ما معنى أن تكون سودانيًا؟ وما معنى أن تكون زول؟

هناك شيءً يزيد من دهشتي، لما لم نرى أعمالًا أدبية وفكرية تتناول مفهوم الحياة عند الزول، ومفهوم الدين والميتافيزيقا لديه، ومفهوم الثقافة والأخلاق والفن. فأنا لا أتطلع إلى دولة تسود فيها الحرية والسلام والعدالة والديمقراطية فحسب؛ فهذه أمور بديهية ستأتي لا محالة. بما أن السودان حبلى بثورة أخرى، وإن الأمم بطبعها منوطة بالتقدم. نحن نطمح إلى ما هو أكبر وأسمى من ذلك. أن نكون أمة تُصدّر الأفكار والمفاهيم إلى بني الإنسان أجمعين. وأن لا نكون أمة تنسخ مفاهيم غيرها ودساتيرها، ثم تطبّقها على "الزول" دون تمحيص. فنحن أكبر من أن نكون صدىً لغيرنا. يكفينا أننا قومٌ يرون البني آدم أكثر من مجرد إنسان عادي. ما دمت حيًا فأنت "زول"، فافتخر. وأُرجِّح أن أُطلِق على أدبِنا السوداني "أدب الزول" بدلًا من الأدب السوداني. وبدلًا من الفلسفة السودانية أُفضِّل "فلسفة الزول"، وبدلًا من الفنّ السوداني "فنَّ الزول". وهكذا وضعتُ النقطةَ الأخيرة، وأغلقتُ دفتري، شظايا أفكار باقية من مراتع الصِّبا.