تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 7 يونيو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

شرق الكونغو الديمقراطية.. سلام هشّ وصحافة في مرمى النيران

8 مايو, 2026
الصورة
شرق الكونغو الديمقراطية.. سلام هشّ وصحافة في مرمى النيران
Share

طوابير عسكرية منضبطة تشق طريقها من مرتفعات إقليم كيفو باتجاه الحدود الية، لتكشف عما حاولت كيغالي إنكاره طوال أشهر. كان الحشد الرواندي لدعم حركة "M23" في خفاء رسمي، ثم جاءت صور الانسحاب الموثقة بفعل الضغوط الأمريكية، لتضع هذا الحضور العسكري في العلن وتحت الأضواء، دون مواربة.

يخلّف هؤلاء الجنود وراءهم حلفاءهم الكونغوليين، ممثلين في حركة "M23" المسلحة وجناحها السياسي، تحالف نهر الكونغو (AFC). وكان زعيم التحالف، كورني نانغا، الرئيس السابق للجنة الانتخابية والمقرّب من الرئيس السابق جوزيف كابيلا، قد تعهد قبل عام بالوصول إلى كينشاسا والإطاحة بفيليكس تشيسيكيدي. أما رئيس الدولة الحالي، الذي يُفترض أن يُنهي ولايته الثانية والأخيرة خلال عامين، فيبدو مصمّمًا على البقاء في السلطة عبر تعديل الدستور.

تبدو الولايات المتحدة، رغم انشغالها بالحرب في إيران، مصممة على فرض تنفيذ اتفاق السلام الذي وُقّع في واشنطن بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025. فقد أغرت الوعود الاقتصادية التي قدّمها الرئيس الكونغولي واشنطن، فاندفعت إلى محاولة فرض هذا "السلام الأميركي" على بول كاغامي، الذي لا يزال يتذرع بالاعتبارات الأمنية لتبرير سيطرة غير مباشرة على شمال كيفو وجنوبه عبر وكلاء متمردين.

إرث "الأكازو" يثير قلق كيغالي

لا تبدو المخاوف الأمنية التي تطرحها كيغالي مجرد ذريعة؛ فبعد ثلاثة عقود على الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا، التي أودت بحياة نحو مليون شخص عام 1994، لا يزال الناجون وأبناؤهم يرزحون تحت وطأة صدمة عميقة. ورغم الهدوء الظاهر الذي يخيم على البلاد، وتركيز السلطات على الأجيال الشابة، يخشى كثير من التوتسي الروانديين هجومًا جديدًا من قوات الهوتو وحركتها السياسية العسكرية، القوات الديمقراطية لتحرير رواندا المعرفة اختصارا بـ(FDLR) . إذ تستقطب هذه الجماعة عناصرها من أحفاد اللاجئين الهوتو الذين فرّوا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الإبادة، ولا يزال بعضهم يحمل نزعات انتقامية.

في ظل قيادة بول كاغامي التي لا ينازعها أحد، تحولت القوات المسلحة إلى عمود فقري لإعادة الإعمار الوطني، في تجربة كثيرًا ما قُدّمت بوصفها نموذجًا ناجحًا، رغم استمرار أوجه اللامساواة والقيود المفروضة على الحريات الأساسية

في هذا السياق، لم يكن وجود جان لوك هابياريمانا في كينشاسا تفصيلا عابرا بالنسبة إلى كيغالي. فهو نجل الرئيس جوفينال هابياريمانا، الذي شكّل اغتياله في 6 أبريل/نيسان 1994 الشرارة التي أطلقت الإبادة الجماعية. وتنظر إليه كيغالي بوصفه الوريث السياسي لـ"الأكازو"، وتعني "البيت" بلغة كينيارواندا، وهي تسمية تشير إلى الدائرة الهوتية المتشددة التي هيمنت على السلطة قبل المجازر وأثناءها. ويزيد من حساسية حضوره ارتباطه الوثيق بوالدته أغاث كانزيغا، المقيمة في فرنسا، فضلا عن علاقته القديمة ببولا ماندونغو بولا نياتي، أحد أكثر مستشاري الرئيس فيليكس تشيسيكيدي نفوذا. وبولا نياتي هو ابن بولا ماندونغو، الذي كان يوما من المقرّبين من موبوتو سيسي سيكو. وقد التقى الرجلان، للمرة الأولى، في منفاهما الأوروبي، بعد اغتيال هابياريمانا وسقوط موبوتو، وهما يحملان إرثين عائليين ثقيلين.

غالبًا ما يُعزى التشدد الذي أظهرته إدارة تشيسيكيدي تجاه رواندا خلال ولايته الأولى - خلافا لخطابه التصالحي السابق - إلى نفوذ بولا ماندونغو. كما يُربط هذا النفوذ بحملة تشيسيكيدي الانتخابية الأخيرة، التي طغى عليها الخطاب التعبوي الحربي. وكان ماندونغو قد ساهم أيضا في انفتاح جمهورية الكونغو الديمقراطية على دول الخليج، بعدما أمضى عقدا من الزمن هناك.

عقوبات تطال قوات الدفاع الرواندية

مع ذلك، لا تفسّر الاعتبارات الأمنية وحدها تصلّب موقف بول كاغامي؛ فالمصالح الاقتصادية حاضرة بقوة في المشهد. إذ سعى الرئيس الرواندي، الحريص على نهضة بلاده، إلى توجيه تدفق المواد الخام من شرق الكونغو - لا سيما الكوبالت والكولتان والنيوبيوم - نحو رواندا. وتتم معالجة جزء كبير من هذه الموارد، المستخرجة من مناطق خاضعة لسيطرة متمردي "M23"، في كيغالي قبل إعادة تصديرها إلى الدول الصناعية، وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي. وفي إطار إستراتيجيته المعروفة باسم "البوابة العالمية"، وقّع الاتحاد الأوروبي في 19 فبراير/شباط 2024 شراكة إستراتيجية مع رواندا، تهدف لضمان وصول مستدام إلى المواد الخام الحيوية، وترسيخ مكانة رواندا مركزا إقليميا لمعالجتها.

ومنذ استئناف القتال في يناير/كانون الثاني 2025، عجز فيليكس تشيسيكيدي عن هزيمة متمردي "إم 23" وداعميهم الروانديين ميدانيًا، كما خسر السيطرة على شمال كيفو وجنوبه، فلجأ إلى واشنطن طلبًا للوساطة. وفي المقابل، عرض على الشركات الأميركية الوصول إلى عمليات التعدين في كيفو، وربما في كاتانغا أيضًا، حيث باتت الاستثمارات الصينية راسخة. وقد أبدت شركات تكنولوجية كبرى اهتمامًا بهذه الفرص، في حين كُلّف مسعد بولس، الحليف المقرّب من دونالد ترامب، بالتحضير لما يُسمى "السلام الأميركي".

منذ توقيع اتفاق ديسمبر/كانون الأول 2025، تصاعدت الضغوط الأميركية على كيغالي؛ ففي 2 مارس/آذار، تُرجمت هذه الضغوط إلى إجراءات عقابية استهدفت بشكل مباشر قوات الدفاع الرواندية. ووفقًا لدراسة نشرها معهد إيغمونت في بروكسل، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على أربعة من كبار الضباط الروانديين، وعلى القوات المسلحة الرواندية ككيان مؤسسي. وبموجب هذه الإجراءات، يواجه أي كيان يحصل على أكثر من 50٪ من إيراداته من الجيش الرواندي خطر الحرمان من إجراء المعاملات بالدولار أو استخدام نظام "سويفت" الدولي للمدفوعات. كما تطال العقوبات شركات عدة وثيقة الصلة بالمؤسسة العسكرية، مما قد يؤدي إلى عرقلة إمدادا المعدات العسكرية واللوجستية.

هل يشكّل الجيش ضمانة لاستقرار رواندا؟

يشدد باحثو معهد إيغمونت على الدور الاقتصادي المحوري الذي تضطلع به قوات الدفاع الرواندية؛ وهو دور يتجاوز المجال العسكري ليشمل قطاعات البناء والزراعة والتمويل وصناعة الأسلحة، وصولا إلى الخدمات الصحية والأكاديميات العسكرية. بالموازاة مع ذلك، تنشط شركة "كريستال فنتشرز" القابضة، الذراع الاستثمارية للجبهة الوطنية الرواندية الحاكمة، في عدد من الدول الأفريقية، من بينها جمهورية أفريقيا الوسطى وموزمبيق وزيمبابوي. وطالما نظر إلى هذا الحضور الواسع للمؤسسة العسكرية بوصفه أحد أعمدة الاستقرار في رواندا.

"توظيف الذاكرة العنيفة"، سواء تعلق الأمر بالمجازر في بوروندي، أو الإبادة في رواندا، أو الحروب في شرق الكونغو. ففي مثل هذه السياقات، تُصوَّر أي انتقادات على أنها محاولة لزعزعة الاستقرار، وتُجرّم باسم الأمن القومي.

تاريخيًا، يعود هذا الدور إلى الحاجة الملحّة لإعادة بناء بلد دمّرته الإبادة الجماعية، بعدما خلّفت نحو مليون قتيل وأربعة ملايين لاجئ في الخارج؛ أي ما يقارب نصف عدد السكان آنذاك. وفي ظل قيادة بول كاغامي التي لا ينازعها أحد، تحولت القوات المسلحة إلى عمود فقري لإعادة الإعمار الوطني، في تجربة كثيرًا ما قُدّمت بوصفها نموذجًا ناجحًا، رغم استمرار أوجه اللامساواة والقيود المفروضة على الحريات الأساسية.

غير أن العقوبات الأميركية الحالية، إذا طُبقت بصرامة تهز هذا التوازن الهش من الداخل، في بلد لا تزال صدمة الإبادة حاضرة بعمق في ذاكرته الجماعية. وقد تسهم أيضًا في تسريع تآكل نظام ظل ممسكًا بالسلطة لأكثر من ثلاثة عقود.

جيوش ومرتزقة وميليشيات

بينما يتابع سكان كيفو انسحاب القوات الرواندية، لا يبدو أنهم يشعرون بالاطمئنان. فقد رسخت حركة "M23" وجودها خلال العام الماضي، بعدما كانت في بداياتها تضم أساسًا توتسي من كيفو لجؤوا إلى أوغندا. ووسّعت الحركة عمليات التجنيد، ودرّبت مقاتلين جددًا، وأقامت هياكل إدارية في محاولة لترسيخ سلطة أمر واقع، وإن ظل ذلك من دون سند شعبي واسع.

لا تبدو القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية قادرة على كسب الثقة؛ إذ تعاني من تدني الرواتب، وغياب الانضباط في كثير من وحداتها، فضلًا آفة الفساد التي تنخر صفوفها. وما يزيد المشهد تعقيدا هو استعانة بعض عناصرها بحلفاء يثيرون الشكوك، من بينهم مجموعات تنحدر من أوساط مرتبطة بالمسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا. إلى جانب هذه القوات، يعمل مرتزقة أجانب جرى تجنيدهم بكلفة عالية، وزُوّدوا بطائرات مسيّرة تركية مخزنة في كيسانغاني.

على خطوط الجبهة، تبرز أيضًا ميليشيات "وازاليندو"؛ أي "أبناء البلد"، وهي مجموعات تتألف من شباب كونغوليين، حيث انخرط في صفوفها عمال عاطلون وطلاب معدمون للقتال إلى جانب الجيش الوطني، مدفوعين بالحاجة بقدر ما يحركهم الشعور القومي، بدلا من أن يُتركوا لمصير مجهول في بلاد رزحت طويلا تحت وطأة النهب والغزو.

في ظل هذه الظروف، ومع غياب مساءلة ديمقراطية حقيقية، يبقى "السلام بثمن بخس" الذي توسطت فيه واشنطن، عبر الضغط على كل من رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، سلامًا شديد الهشاشة.

صحفيون في مرمى النيران

وسط الاحتلال ونهب الموارد وعمليات الابتزاز التي تمارسها الجماعات المسلحة في كيفو، يجد الصحفيون أنفسهم في قلب الخطر. فهم عالقون، حرفيًا، بين قوى متناحرة، يواصلون عملهم في ظروف تنطوي على مخاطر شخصية جسيمة.

في منطقة البحيرات العظمى هذه، المنهكة بالاضطرابات والنزاعات المسلحة، يظل الإخبار تحديًا يوميًا وسط انعدام الأمن، والضائقة الاقتصادية، والتضليل

في تقرير مفصل نشرته منظمة مراسلون بلا حدود في 30 مارس/آذار بعنوان: "في جلد صحفي من منطقة البحيرات العظمى"، ترسم المنظمة صورة للواقع اليومي الذي يعيشه من لا يزالون يُعرفون في جمهورية الكونغو الديمقراطية باسم "فرسان القلم"، بعدما باتوا يعملون في بيئة تزداد خطورة يومًا بعد آخر. وبين عامي 2021 و2026، وثقت المنظمة ما لا يقل عن 630 انتهاكًا بحق صحفيين.

من بين هؤلاء إسبوار كاباتا، مدير إذاعة مجتمعية في مينوفا بشمال كيفو، الذي اعتُقل في 29 مارس/آذار الماضي. وكانت "جريمته" أنه تحدث عن احتمال انسحاب مقاتلي تحالف نهر الكونغو/حركة "M23". ومنذ ذلك الحين، لم تتلق عائلته أي خبر عنه.

وفي غوما، يقول صحفي آخر هو توماس كوبويا، مدير إذاعة "VBR-FM"، إن جنودًا اقتحموا منزله، واستولوا على مفاتيح سيارته، واتهموه بمعارضة تحالف نهر الكونغو/حركة "M23". ويؤكد أن عائلته باتت في خطر، وأن من أخذوا سيارته كانوا مرتبطين بالإدارة الإقليمية التي نصّبها المتمردون.

أما الصحفي المخضرم نيكايز كي بيل أوم بيل، الذي كان من أوائل من وثّقوا وصول متمردي "ADF Nalu" إلى إيتوري، فقد اضطر إلى الفرار من بونيا إلى غوما، ثم إلى كينشاسا. ويقول إن ما يعرفه أكثر مما يسمح له بالبقاء آمنًا في شرق الكونغو.

واستحضارًا للذكرى الأليمة لإذاعة "ميل كولين" الرواندية، تشير "مراسلون بلا حدود" إلى أنه في منطقة البحيرات العظمى هذه، المنهكة بالاضطرابات والنزاعات المسلحة، يظل الإخبار تحديًا يوميًا وسط انعدام الأمن، والضائقة الاقتصادية، والتضليل.

بشكل عام، يواجه الصحفيون في جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندي تهديدات متشابهة، تشمل التهديد بالقتل، والاختفاء، وتقييد الوصول إلى المعلومات. ويشير الصحفي البوروندي أنطوان كابوراهي، مؤسس وسيلة الإعلام "إيواكو"، إلى ما يسميه "توظيف الذاكرة العنيفة"، سواء تعلق الأمر بالمجازر في بوروندي، أو الإبادة في رواندا، أو الحروب في شرق الكونغو. ففي مثل هذه السياقات، تُصوَّر أي انتقادات على أنها محاولة لزعزعة الاستقرار، وتُجرّم باسم الأمن القومي.

ولا يقتصر أثر إضعاف التغطية الإعلامية، الناتج جزئيًا عن التهديدات التي يتعرض لها الصحفيون المحليون، على تراجع الاهتمام الدولي والمساعدات. فهو يحجب أيضًا حقائق الميدان عن القوى العالمية والمستثمرين المحتملين، ويخفي تعقيد الديناميات السياسية، وعمق الصدمات، وتطلعات السكان المحليين. كما يدفع الجهل بهذه الوقائع بعض المستثمرين إلى التغاضي عن مخاطر مآسٍ أخرى قد تكون في طور التشكل.

المزيد من الكاتب